جماليات التشكيل في القصيدة الكوردية المعاصرة _ قصائد من كردستان _ أمثلة وتطبيقات/ كمال عبد الرحمن

  • 7-04-2023, 14:03
  • نقد
  • 283 مشاهدة

أول ما يلفت الانتباه في المجموعة المشتركة(قصائد من كردستان) الصادرة عن دار نشر خطوط و ظلال الأردنية 2023 ، الجهد الجميل والابداع المضني المضيء اللذان بذلهما القاص والكاتب المثابر حسن سليفاني في ترجمة  وتقديم اضمامة شعرية مائزة رائية لنخبة من شعراء وشاعرات كوردستان(18 شاعرا و18 شاعرة) الى اللغة العربية، وهذا أمر ضروري لفتح الافاق بين الأدباء الكورد وبقية الأدباء في اللغات الأخرى، وسنقسم دراستنا على محورين رئيسين، بما يتلاءم وجماليات التشكيل وعناصر البناء والدلالات الشعرية في هذه القصائد.

 

كوردستان فضاء سرديا:      

 

يأتي التماسك البنيوي في النص من خلال جملة من العلائق النصية   التي تُنسج مع عناصر هذا النص من (زمن) و(مكان) و(شخصية) و(حدث) و(مكان)، وقد اصبح المكان (( مفتاحا من مفاتيح استراتيجية النص بغرض تفكيكه واستنطاقه، والقبض على جماليات النص المختلفة))(1) وقد صرح افلاطون بأول استعمال اصطلاحي للمكان، اذ عده حاويا وقابلا للشيء،فأخذ اهميته في البحث الفلسفي بعد هذه الاشارة،وقسم ارسطو المكان على قسمين: عام،وفيه الاجسام كلها،وخاص لايحتوي اكثر من جسم في آن واحد(2

 

،ولدينا عدد كبير من تقسيمات المكان:

 

1.قسم مول   ورمير المكان اربعة انواع حسب السلطة(3

 

أ.عندي

 

ب. عند الاخرين

 

ت.أماكن عامة

 

ث. المكان المتناهي

 

2وقسم بروب المكان على ثلاثة أنواع هي:

 

أ. المكان الاصل

 

ب. المكان الذي يحدث فيه الاختيار الترشيحي وهو مكان عرضي ووقتي

 

ت. المكان الذي يقع فيه الانجاز والاختيار الرئيس وقد سمّاه غريماس باللامكان.

 

وتجاوزنا عددا من تقسيمات المكان التي ذكرها(غالب هلسا وياسين النصير وشجاع العاني وغيرهم)أما بسبب تشابهها مع الاقسام السابقة أو تكرارها أو لاتخدم دراستنا هذه(أي من خلال :شعرنة المكان)،والشعرنة هي تطوير لمفهوم الجمالية كما نادى بها جاكبسون، اي سحر الوصف وجمالية اللفظ، ودقة التعبير.

 

واذا جئنا الى تقسيم بروب،فان الشعراء الكورد في قصائدهم ،نجدهم يشتغلون قبل كل شيء على شعرنة( المكان الأصل)، حيث الأنتماء المصيري(اللذيذ ـ المؤلم) للجذور الاولى، وحيث الأحساس بالمواطنة وأحساس آخر بالزمن..فكان..وكان: رمزا،وتأريخا قديما وآخر معاصرا،شرائح وقطاعات،مدنا وقرى، وأخرى اشبه بالخيال كيانا تتلمسه وتراه(4) ،إذ يشكل المكان في النص سيرة شبه ذاتية، يقول الشاعر ""آرجن آري" في قصيدته(زهور الربيع المتأخرة):

 

((تولد حمراء 

 

قانية كالدم

 

تتفتح في" هركول " ، في "كبار"

 

كل ربيع تتفتح 

 

في الجبال التي لم تنل مرامها بعد

 

مروية بالدم كانت أو بالملح

 

اٍن بالناّر احترقت أو بالآلام

 

"سعيد" ما يزهو  منهما ، أحدى وريقاتها " القاضي"

 

اٍن شممت عطرها فهي ديرسمية الأنفاس

 

في فروعها الأربعة مقاومة 

 

تتفتح " رزا" "بارزان" "مظلوم"

 

في كل اٍنفتاح صرخة حياة ))ــــ قصائد من كردستان، اختيار وترجمة: حسن سليفاني،دار نشر  خطوط وظلال، الاردن،2023، ص 8.

 

فهذه القصيدة تذكرنا بقصيدة (ت س اليوت) الشهيرة" الارض الخراب"، حيث تبدأ القصيدة ب( نيسان أقسى الشهور)، فقصيدة الشاعر"آرجن آخري" تقوم على مجموعة من المخاضات الصعبة التي تنتج عنها " ولادات   قيصرية" بلون الدم، لكنها تنبض بالحياة، وتتدفق بالحرية، لذلك يلجأ الشاعر الى الفضاء المكاني لتأصيل الولادة من خلال قدسية المكان.

 

 وفي قصيدة الشاعرة" آسيا خليل" المعنونة (أعلى من الحلم) ترتبط المحنة الكوردية انسانيا بالفضاء المكاني السائل( نهر الخابور) ، وهذا الارتباط الصميمي، تعبر عنه الشاعرة من خلال جماليات المكان التي طالما تحدث عنها" باشلار" بأنها(( كوننا الأول))(5) حيث تقول الشاعرة:

 

((في جرَيانِ الموتِ

 

تغدو كلُّ الخيالاتِ عاقرة 

 

لولا هذه المذابح الجماعيّة

 

لكنتُ تحدّثتُ عن هجرة السنونو

 

أو عن بهجة أسراب ِ إوزّات الصباح

 

في نهر الخابور)) قصائد من كردستان ص 18 

 

وهذه القصيدة تتشكل من خلالها جدلية مائزة بين ( الحلم) و(الذئاب)، وتتألم الشاعرة لأن الحلم لاطاقة له على نشر أجنحة أمان تقيها الافتراس.

 

 وفي قصيدة(الكركي) للشاعر عبد الرحمن مزوري،مناجاة (شهيد كوردستان البطل محمود ئيزيدى)، يقول الشاعر:

 

((انك لن تموت

 

أيها الكركي

 

فأنت أعظم من أسطورة الموت

 

وقامتك أعلى من جبل "كريداغ"

 

وانك في  قلب كل شاعر ومغن..

 

بقريتنا

 

بوطننا

 

تحلق عاليا

 

تحلق عاليا ))  ص 178 

 

ونلاحظ أن الشاعر قد استعمل قناعا هو طائر(الكركي) ليناجي من خلاله الشهيد، حيث لامكان للكركي سوى السمو في الاعالي على أنغام كوردستان الجميلة،تلك الانغام القادمة من "زوزان"، ومنها تشرق شمس أخرى تناجي القلوب وتحكي حكايات يتدفأ بها الاطفال في صباحات" الرشبة"، أيام الشتاءات الثلجية القارصة

 

وفي قصيدة الشاعر(كرمانج هكاري) الموسومة" صلاة المطر"، ثمة اشتغال على الرمز الذي هو نوع من التشفير المجازي، وهو تعبير عما يعانيه الكورد من ضغوط نفسية عانت منها كوردستان طويلا، نتيجة تراكم السياسات الخاطئة التي غامت وأمطرت قهرا وحزنا على العراق:

 

((أيّها الشتاء

 

هذه السنة

 

لا مزنة ترتفع من مضيق "قه شه فر"

 

كي يهطل المطر 

 

ويبتسم له سهل "دوبان"

 

ولا الفقر يغادر عتبة خرابة "سيفدين")) ص 206 

 

واحتار الفلاح الكوردي لمن يصلي صلاة الاستسقاء:

 

((لا أعلم من أجل ماذا نصلي ؟

 

لمجيء المطر؟ للكهرباء ؟

 

للمادة 140 وقلب كوردستان؟

 

لقبر الفساد والسرّاق ؟

 

أم البنزين 

 

والكاز؟)) ص 206 

 

فلم يعد الاستسقاء من أجل إرواء المكان والحقل والحيوان، بل وصل الأمر من خلال صلاة طريفة عجيبة غربية أن الانسان قد يصلي ( صلاة البنزين) و( صلاة الكاز)..ألخ من الصلوات، فلم يعد المطر يبتسم بوجه الارض ولا السماء تهتم لعطشها.

 

الصورة الشعرية(المجاز):

 

 الصورة الشعرية هي الرسم بالكلمات ، وهي نوعان ( ذهنية ) و(عينية) وتعد دراسة الصورة الشعرية من أفضل المداخل لدراسة الشعر, لما فيها من كشف عن اعماق الشاعر وافكاره وشيء عن ملامح عصره, ((فالصورة مجال واسع للدراسة والتناول النقدي على صعيد ليس بالضيق المحدود وقد لاقت دراسة الصورة الاهتمام الكبير عند دارسي الشعر العربي, ويعود الاهتمام بدراسة الصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيه الفنية في الاداء التعبيري من جهة, ومن جهة أخرى تعد الصورة مقياساً فنياً وشخصياً للمبدع الذي انتجها, ومهما يكن امر الصورة فقد تعددت الدراسات وتناولت الشعر العربي بشقيه القديم والحديث, خاصة بعد تبلور مفهوم الصورة الشعرية الى أذهان الدارسين))(6) لذلك ولأهمية هذه الصورة في تشكيل القصيدة نجدها عند "سيسيل دي لويس" تمثل جانبا مهما من البنية الشعرية، فهي تحقق الشكل وتنتج المعنى وهي (( رسم قوامه الكلمات, ان الوصف والمجاز والتشبيه يمكن ان تخلق صورة, او ان الصورة يمكن ان تقدم الينا في عبارة او جملة يغلب فيها الوصف المحض, ولكنها توصل الى خيالنا شئياً اكثر من انعكاس متقن للحقيقة الخارجية))(7) فالشعريعتمد على التصوير فهو يغلب عليه الخيال والتصوير وليس فقط الموسيقى(8) ويمكن مناقشة الصورة الشعرية في القصيدة الكوردية المعاصرة من خلال أهم عناوينها( المجاز) الذي يشكل حياة جديدة للنص الشعري.

 

المجاز/الاستعارة/ الانزياح:

 

 يقول أرسطو " المجاز هو العالم"، والمجاز والاستعارة مصطلحان بلاغيان قديمان، أما " الانزياح" فهو مصلح بلاغي حديث ، ويعمل الثلاثة على  انحراف اللفظ عن المعنى الحقيقي، أي تلفظ أو تقول شيئا، بينما أنت تقصد شيئا آخر غير الذي تلفظه، وعندما قال الجرجاني ان صناعة الألفاظ المسبوكة سبكا دقيقا تؤدي الى صناعة فكر عميقة،فأنه كان يؤكد في كتابه دلائل الأعجاز على صناعة البلاغة في تركيب   اللفظ واخراج الكلام مخرجا حسنا(9)،لكنه لم ينسَ (شرف المعنى ) حين قال:

 

((أنه لايُتصورأن تعرف لفظا موضحا من غير ان تعرف معناه ولا ان تتوخى في الألفاظ من حيث هي الفاظ ترتيبا ونظما،وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر فيه هناك)) ثم يضيف:

 

 (( وأنك أذا فرغت من ترتيب نفسك لم تحتج الى أن تستأنف فكرا في ترتيب  ألألفاظ،بل تجدها تترتب لك  بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها وان العلم بمواقع المعاني في النفس،علم مواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق))(10) فمن هنا  تنشأ فكرة ترابط واتصال وانسجام عناصر النص بعضها ببعض،لتتشكل من خلال وحدة النص ووحدة الشكل ووحدة الموضوع، وان النص/ القصيدة ليست الا كُلاّ يتضمن اجزاء متناسقة ومتماسكة فنيا وعضويا،اي انها كتلة لغوية ذات خصائص فنية عالية الجودة،وأجود الشعر ما رأيته متلاحما،سهل المخارج،أفرغ فراغا جيدا  وسبك سبكا واحدا(11).

 

والاستعارة ببساطةشديدة  هي(تشبيه حُذف أحد طرفيه الرئيسين(المشبه) أو (المشبه به) بعد حذف ألأداة ووجه الشبه)(12) ،وهي نوعان(التصريحية)و(المكنية).

 

 واساس جمال الاستعارة في كل الاحوال(ان تكون معبرة عن شعور الاديب (النّاص)ملائمة للفكرة متسقة مع غيرها من الصور في الموضوع)،كما ان هذه الاستعارة لها القدرة على (جعل غير المحس محسا وغير الشخص شخصا) وبامكانها (خلق صور خيالية متعددة باستعارة شيء لشيء اخر ليس من طبعه) وكذلك فان فيها (تحولا من طبائع التقليد الى طبائع التجديد والتخيل)،ولكن هذا كله لايقارن بتعريف ألاستعارة على انها( حاجة نفسية يُروى بها ظمأها بالخروج من قمقم المعاني الجاهزة( التقليدية ـ  المكررة) الى مجرات التخيل والسمو الوجداني  مرورا بالرؤى والكوابيس والخرافات والاساطير   والتواريخ وغير ذلك مما يجعل النفس في لهاث دائم لخلق الصورة الاخرى التي تؤطر ابداع النص بالاستعارة التي هي منفذ من الاحتباس نحو فضاءات لدى الناص).الاستعارة لدى بعض الشعراء الكورد لا تنزل الى مستوى التشبيه التمثيلي(التقليدي) بل تسمو الى اعالي الكلام كما نراها او نتخيلها من خلال النص،فليست الاستعارة ألصاقا قسريا او فوضويا لدالّين لغويين لايتعالق فيهما اللفظ مع سر اسرار المعنى،بل هي فلسفة خلق( المعنى الخاص) عبر تشكيلات لفظية اخّاذة منتخبة بوعي بلاغي راق ترفع المعنى عن مستوى (التشبيه الكلاسيكي) أو (التخيل المنقوص) او (الاسطرة المهلهلة)او(العماية التي تدعي الغموض) يقول أدونيس في توضيح الفرق بين التشبيه والصورة:((يخلط الكثيرون بين التشبيه والصورة،حتى ليندربين قرّاء الشعر الجديد وناقديه مَن يميزون تمييزا صحيحا بينهما.التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين،انه يبقى على الجسر الممدود بين الاشياء،فهو لذلك ابتعاد عن العالم،اما الصورة فتهدم هذا الجسر،لانها توحد فيما بين الاشياء،وهي اذ تتيح الوحدة مع العالم ،تتيح امتلاكه))(13).

 

ان المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له  لعلاقة بين المعنيين مع قرينة مانعة من ارادة المعنى الحقيقي،والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي قد تكون المشابهة  وقد تكون غيرها والقرينة قد تكون لفظية وقد تكون حالية(14).

 

ان لغة الجاز ،هي لغة منزاحة وهي (لغة داخل لغة)(15) والاستعارة هي صورة من صور المجاز،ومثال على ذلك،لو اردنا ان نعبّر عن حركتي(المد والجزر)في البحر،ولنصور(عنف المد) دون( رخاوة الجزر)، ومن هذا العنف في المد الذي يصور البحر هائجا هاجما على اليابسة،لنختر مفردات(حقيقية) تقليدية ثم نعيد تصويرها بالأستعارة

 

 المد(الحقيقي )                              مد(الاستعارة)

 

1.مد البحر :( حركة تقليدية معروفة      1 .ثورة البحر:(البحر ساكن فثار لأحتلال 

 

بصورتها الاعتيادية للجميع                     قسم من ساحله)                 

 

 واسبابها العلمية واضحة)                 2.مدّ الجنون:(جُنّ البحر بسبب الرياح والقمر)

 

                                                  3.هيجان البحر:(هاج بسبب العصف واضطراب 

 

                                                        

 

الرياح)

 

 

 

 

 

 

 

                                                 4.سياط البحر (أمواجه تضرب الساحل كانها سياط)

 

                                                5.صرخة الماء:(اصوات الامواج والرياح تضرب 

 

                                                   الساحل)

 

                                                6.لسان البحر:(هاج البحر وغضب فمد لسانه على

 

                                                 الساحل)                                                        

 

 

 

 

 

هذه ابسط اشكال( الاستعارة )،وقد رفعنا كلمة(مد)وابدلناها كلمات اخرى  مثل(ثورة/هيجان/سياط ..الخ) ثم رفعنا كلمة(البحر) وابدلناها بكلمات(الجنون/الماء) وفي ثالثة استبدلنا(مد البحر)ب(صرخة الماء)،ولو سألنا اية صورة من هذه الصور هي الادق تعبيرا  والارقى وصفا ،لاختلفت الاراء وطالت الجدليات،وهذه هي حال الاستعارة بحث دائم لخلق المعاني الخاصة،فمن واجب الناص ان يحرث في ارض الكلام بحثا عن استعارات قادرة على تحويل العبارة من (طبائع التقليد)الى (آفاق التجديد والتخيل).

 

ونجد( الاستعارة/ المجاز/ الانزياح) في أغلب قصائد الشعراء الكورد في هذه المجموعة،

 

 حيث يقول الشاعر حسن سليفاني في قصيدته(جنية تغازل قدحا بأوراق ورد):

 

((نجوم تكاد تسكب الويسكي

 

تناديك ياإبنة الجن الجميل ،تعالي وجملي ليله وارفعي كأسه ،                                            واهمسي أسفل شفتيه بما تشائين ، اذ لاإسم ، إلا أسمك به ممهورتان 

 

إشربي لثانِ ، فحين تحدقين في بؤبؤي عينيه ، سترين سفن بحار تلهث قرب زنبقتك التي تركتيها على صدره الصابر لإشتياق أصابع تجيد العزف على نغمات غائمة .

 

بإمكانك فرك الأرق أو قراءة سورة الأرق قبل صياح ديك الصباح 

 

هيا ايتها الجنية التي ماأجاز لها شومان أن ترمي طاقيتها ،                                            فالهواء قد سكن ، والليل لايغني الا بمرآك.. حتى القمر كشر عن أنياب غضب غيرته، حين لاح جوهر جيدك المحاط بحنان حبات الرمان .)) ـــ قصائد من كردستان، ص 90.

 

فنلاحظ جمالية التعبير وقوة السبك والبلاغة من خلال المجازات:

 

*ابنة الجن.

 

*سترين سفن بحار.

 

تلهث قرب زنبقتك.

 

*فرك الأرق.

 

*الليل لايغني إلا لمرآك.

 

القمر كشر عن أنياب غضب غيرته.

 

*حنان حبات الرمان.

 

فهذه مجموعة من " الانزياحات/ المجازات/ الاستعارات) التي تُعمّق المعنى، وتعيد تشكيل النص الشعري تشكيلا جماليا، وتبعث روحا جديدة في القصيدة، من خلال اكتساب النص الشعري حياة  تعتمد الجمالية منهجا والشعرية اسلوبا وبناء.

 

وفي قصيدة(لقاءات الليالي الملتهبة ) للشاعرة دايكا داليا نقرأ:

 

(( ضيَعتني بلا كفن بين الأطلال القديمة 

 

كنت أعتقد

 

أنّك قد زرعت روح الشمس والنجوم

 

في حديقة شعري

 

وسنبني عرشا من الفرح النشوان

 

في أفق قوس قزح

 

وأنّ جراحنا، همومنا والكون ستتوحد

 

وتغدو كلمات صغيرة 

 

تنشد في أغاني العشق)) قصائد من كردستان، ص 137.

 

فمن خلال المجازات(زرعت روح الشمس والنجوم/ حديقة شعري/ وسنبني عرشا من الفرح النشوان) نرى أن القصيدة قد امتلكت معاني ودلالات ذات تأثير واضح في بناء الصور الشعرية في القصيدة، ف( الشمس والنجوم والشعر) هي آفاق فضائية روحية تتعالق نصيا في تشكل المعاني العميقة في النص، وتبتكر لها جمالية خاصة.

 

وفي قصيدة(القصيدة ثانية ) للشاعرة يلدز جاكار، نقرأ:

 

((القَلَمُ مكسورٌ والأصابِع ُ

 

والدَّفترُ في عِزاءٍ

 

واليَدانِ تشتاقانِ ليَديكَ

 

أتَعلم

 

أَنَّ العينَ اليوم هاربٌ

 

قد خرج في نزهة 

 

ويدايَ ما تزالانِ تبحثانِ عنكَ؟؟))ــــــ قصائد من كردستان، ص 297- 298

 

فالمجاز  يبدو واضحا في(الدَّفترُ في عِزاءٍ/ واليَدانِ تشتاقانِ ليَديكَ/ أَنَّ العينَ اليوم هاربٌ)، وما لجوء الشاعرة الى استعمال( المجاز) إلا لتغذية الصور بصورة بلاغية جديدة، ذات تأثير واضح في نفس المتلقي، ف( اشتياق اليد لليد) هو بشكل أو آخر( اشتياق الروح للروح)، فاللقاء المادي يشكل توهجا في داخل الانسان قد يشعل أواصر المحبة ويجدد الحياة  من خلال لمس اليد.

 

وفي قصيدة(سؤال) للشاعر بركن بره  نقرأ:

 

((حينما رحلتِ

 

جبال حزن وبحر حب خلفتِ

 

وقلبا بلا ريش وجناح أبقيتِ

 

هلاَ قلتِ لي : 

 

أجبل الحزنِ أتسلق 

 

أم في بحر عينيكِ أغرق ؟ )) قصائد من كردستان، ص 36.

 

ونجد الاستعارة واضحة في(جبال حزن وبحر حب خلفتِ/ وقلبا بلا ريش وجناح أبقيتِ/ أجبل الحزنِ أتسلق / بحر عينيكِ أغرق)،فالشاعر يصف الفراق بطريقة نفسية، حيث خلّف هذا الفراق مأساة يصعب تصويرها، وحاول الشاعر تقريب الصورة الشعرية الينا، من خلال تضخيم الحزن ووصفه بالجبال، وكذلك بحر من الاشواق التي خلفها الحبيب بفراقه، وانكسر القلب فهو بلاجناح ولاأمل سوى الألم والغرق في ذكرى العيون العميقة.

 

وفي قصيدة(موعد ضبابي) للشاعرة أمنة زكري، نقرأ:

 

((القمر لا يرى نفسه في بركتنا

 

قلبي خريف طويل

 

يرقص فيه الضباب

 

كبرياء عشقك تقرأ قصة عيوني

 

لا تلف أذني

 

بنوبات قمار العشق

 

شتاءات قريتك مليئة بالضباب.)) قصائد من كردستان، ص 27.

 

نلاحظ أن مفردتي( الضباب) و( الخريف) تشكلان بعدا رمزيا في النص الشعري، حيث يدل( الخريف) على عمق معاناة الشاعرة التي وصل بها الانتظار الى نهايته، على الرغم من تشوش الذهن وتشوه الرؤية،إلا أن الغد قد يأتي بخبر.

 

ولا تختلف الشاعرة"أفين شكاكي" في قصيدتها(ملائكة عينيك) كثيرا عن قصيدة(موعد ضبابي) للشاعرة أمنة زكري، فكلا الشاعرتان تخوض تجربة عميقة في العشق والمعاناة، تقول" شكاكي":

 

((كلما إقتربت من عينيكِ

 

كلما إنهارت الحدود

 

عن نصفي الدافيء أبحث 

 

حزنى يتطاير من رفوف الحسرات

 

شرق ما من عطرك 

 

يتأنق   حول قامتي

 

يقلني الى صباحات                                                                                          العيون الوسيعة 

 

كلما إقتربت منك

 

بالاف اللغات تقول                                                                                              حوريات الصمت في عينيك :

 

اشتقت اليك 

 

ايتها المجنونة )) قصائد من كردستان، ص 33 – 34 .

 

والمجاز ظاهر في النص من خلال( نصفي الدافئ/ حزني يتطاير/ رفوف الحسرات/ يتأنق حول قامتي/ حوريات الصمت)، فالمجاز هنا يمنح الألفاظ بعدا دلاليا عميقا، ويقدم معنى جديدا وراء المعنى المطروح بشكل مباشر في القصيدة.

 

التكثيف

 

يقول ادونيس في الصورة الشعرية)) ان الصورة الشعرية ليست تشبيها أو استعارة، فالتشبيه يجمع بين الطرفين المشبه والمشبه به، إذن هي جسر بين نقطتين، أما الصورة فأنها توحد بين الأجزاء المتناقضة بين الجزء والكل، أنها شبكة ممتدة تربط نقاط كثيرة))(16) إن التكثيف في بنية الصورة الشعرية هو الذي يحدد جودة القصيدة(17) والقصيدة الجديدة((لاتكتمل إلا إذا حافظت على تكثيفها ورفضت الاستسلام لأول مرة((  (18) والتكثيف مرادف لتعدد القراءات، وعدم استنزاف النص الأدبي لأنه يمارس العطاء والامتناع و((يتجلى التركيز أو التكثيف في قدرة الصورة على استيعاب طاقة من الدلالات والعواطف القابلة للاتساع والعطاء الغزير بعد التأمل الطويل وإنشاء الترابط الموضوعي بين عناصر القصيدة للحصول على الوحدات الذاتية التي تربط بين الشاعر وعالمه أوثق الارتباط، ويتم هذا التكثيف بقدرة الشاعر على انتقاء عناصر الصورة وموضوعها انتقاء موفقا وتشكيلها تشكيلا موحيا(19)، أن((حرية الرؤية(( و((أدوات تحديث الرؤية))(20) هما عنصران متلازمان لتشكيل ((وطن الكتابة(( فأن هذين العنصرين يشتغلان في اعطاء الصورة الثراء الدلالي في مقاومة القراءة بمستوياتها

 

إن الصورة الأولى التي يقدمها التكثيف هي صورة الأسئلة وبخاصة تلك الأسئلة التي تشتغل على المساءلة والتي لها القدرة على أعطاء النص الثراء الدلالي بحشد من المفارقات والرموز التي أطبقت على  النصوص بشبكة من الأسئلة، ويبدو ذلك واضحا في نصوص كثيرة في الشعر الكوردي، ومن واحدة من أجمل وأروع الأسئلة في الشعر الكردي  قصيدة (حب 1) للشاعرة  ديا جوان:

 

((اي وطن لم يرفع فيه 

 

راية الحب 

 

محتل هو 

 

وعبيد كل اهله .))ص144 

 

ومن طرائف الأسئلة التي تتشكل من شعرية التضاد ما نجده في قصيدة(هايكو) الشاعر خالد علي سليفاني:

 

((قال لا تكفوا عن إثارة الأسئلة 

 

قلت ، لمَ

 

قال لي: لا تسأل))ص 130 

 

 ومن جماليات الأسئلة الخفية ما نجده في قصيدة (دينٌ من حب) لبشير مزوري:

 

 ((تعالي..

 

ألم تقولي لي:

 

((سقطت هُدبةٌ من جفونك،  تمنَّ   لتنل))؟!

 

تمنيت شهقة ملائكية،

 

احتضان ملؤه البشرى

 

وليلة بالوصال ثملة

 

ارتطمت سهام أمنيتي بصخور قلبك

 

فها هو ليل وصالنا

 

التحفنا وايّاه بغرور الصمت.. وارتحلنا

 

على أجنحة زمننا المنهك.. ارتحلنا

 

انه أفيون قدرنا..!) قصائد من كردستان، ص 43

 

ولا يسأل الشعراء أسئلة من اجل الأسئلة، بل لتأطير صورة الاختلاف بالصورة الشعرية لكشف المسافة المائزة بين الأسئلة والمساءلة، بل بكثير من المساءلة التي لاسلطة لها سوى الأسئلة(21) ، ولكنها أسئلة قادرة على الكشف والاستنطاق على أية حال، كما في قصيدة: ( هذا ) للشاعر بيار بافي:

 

 ((هذا

 

ليس من جنس البشر

 

لا خبير مثلهُ ولا عليم

 

رغم انّه لم يقرأ في م<