ينامُ تحتَ قميص الغبار

  • اليوم, 10:29
  • شعر
  • 17 مشاهدة

ينامُ تحتَ قميص الغبار
---------------------------

البيتُ يفتحُ أبوابَه
على الجهات
يعودُ كلَّ مساءٍ بلا مفاتيح
كأنَّ الريحَ تعلّمتْ سرقةَ الأقفال
كأنَّ الأصابعَ التي
صنعتِ الخشبَ نسيتْ أسماءها.
في الساحةِ شجرةٌ عجوز
لا تثمرُ إلا الظلال
كلُّ عصفورٍ يحطُّ عليها
يغادرُ بريشةٍ أقلّ
كلُّ غصنٍ يمدُّ يدَه إلى السَّماء
يعودُ مُحمّلًا
بملحٍ لا يصلحُ إلا لجرحٍ قديم.

الناسُ هنا لا يمشون
إنهم يحملون الأرضَ
كي لا تقع.
يخبئون النهارَ
في جيوبٍ مثقوبة
يقتسمون رغيفًا
تخبزهُ المجاعةُ على مهلٍ
يضحكون
لأنَّ الفرحَ جاء
ولأنَّ البكاءَ
صار أثقلَ من أن يُرفع.

هناك نهرٌ يتذكّرُ الماءَ
كما يتذكّرُ المنفيُّ نافذةَ أمِّه.
يجري ببطءٍ
كأنَّ في قاعِهِ سلاسلَ غيرَ مرئية
كأنَّ الأسماكَ
تعلّمتْ أن تسبحَ
وهي تغمضُ أعينها
كي لا ترى انعكاسَ الخراب.
أما الوطن
فلا أحدَ يراهُ كاملًا.
كلُّ واحدٍ يحملُ منه شظيةً:
أمٌّ تحتفظُ بصوتِ ابنها
في منديل
طفلٌ يجمعُ الغبارَ
معتقدًا أنه خبزُ الغد
عجوزٌ ينفضُ عن كتفيه
غروبًا تلوَ غروبٍ
منتظرًا شمسًا نَسيتْ الطريق.

في الليل
حين تُطفئُ النجومُ مصابيحَها
خوفًا من العيون
يخرجُ القمرُ بثوبِ ناسكٍ
يمرُّ على البيوتِ واحدًا واحدًا
يربّتُ
على الجدرانِ التي أكلتْ أسماءَ أصحابها
يواصلُ سيرَه صامتًا
كأنه يعرفُ أنَّ الخرائطَ
ليست سوى مرايا مكسورة
وأنَّ اللصوصَ
لا يسرقون الذهبَ وحده
يسرقون الجهاتِ أيضًا
ويتركون البوصلةَ تدورُ
حولَ جرحٍ لا يعترفُ
 بالشمالِ
           بالجنوبِ
                      بالشرقِ
                                بالغربِ
هناك
ما زالتْ سنبلةٌ مجهولةُ الاسم
تنبتُ بين حجرين
كأنها الرسالةُ الأخيرةُ التي خبّأتها الأرضُ
في عمقها
لتقولَ إنَّ الترابَ
مهما أثقلتهُ الأقدام
ينهضُ
حين يتذكّرُ بذرتَه الأولى.


حميد الساعدي