لقد سرقوا عقلها

  • أمس, 15:03
  • شعر
  • 7 مشاهدة

الإسم: إيمان قاسم محسن سرهيد
سنة الولادة: 2006
السكن: محافظة بابل- قضاء المحاويل
النتاج الأدبي السابق: رواية الفتاة ذات الجوربين غير المتطابقين- صدرت عن دار و مكتبة الذاكرة- تقع في 308 صفحة.

المشاركة: نص سردي بعنوان: (لقد سرقوا عقلها)

في مدينةٍ من الضباب والزجاج، حيث يطرقُ البشرُ مساميرَ الأيام في نعشِ الوقت ويسمّون ذلك عيشاً، كانت الفتاة لحناً غريباً يعزفُ نفسه خارج الأوركسترا. عابرةً في صخبهم كشبحٍ مرئي، محملةً بوحدةٍ تزنُ مجرة، وبشعورٍ حارقٍ بأنها طُردت من وطنٍ لم تطأه أقدامها قط، حين إعترفت مدينتها بأن الفتاة لا تعيش فيها...
وفي ليلةٍ غابَ قمرها، جلس قبالتها في حانة "الوجود العبثي" شيخُ الاسئلة، لم يسكب لها خمراً، بل سكب في روعها وعياً عارياً من الأوهام، ونفث في عينيها حقيقة الوجود التي لا تُحتمل، ثم تلاشى مع الليل تاركاً في الفضاء صدى ترنيمة سحرية تقول: "the venom stole her sanity"
"سرق السّم عقلها"
كان ذلك السمُّ هو وعاء الفلسفة حين يصبحُ نصلًا. تسلل الوعي الحاد في خلاياها كحبرٍ أسود في كأسِ ماء، فبدأ يفصلها عن قطيع البشر برفقٍ مرعب و هدوء بطيء. نظرت إلى لغاتهم فسمعتها ثغاءً بلا معنى، ونظرت إلى صراعاتهم فرأتها لعب أطفالٍ في مقبرة، نظرت إلى الحب فرأته مجرد حيلةً كيميائيةً لتأجيل الفناء. تفككت الروابط التي تشدّها إلى الأرض، وانفرط عقد انتمائها للآخرين، حتى باتت العزلةُ محيطاً يبتلع عقلها قطرةً فتعقّبها قطرة...
وحين طرقوا باب غرفتها المعزولة بعد دهرٍ من الغياب، لم يجدوا كائناً يعيشُ في زمانهم. وجدوا قوقعةً آدميةً تجلسُ في العتمة، تحدقُ بعينين شاخصتين في العدم، وعلى ثغرها تلوحُ ابتسامةٌ هلاميةٌ باردة، ابتسامة من عبر النهر إلى الضفة الأخرى ولم يجد هناك سوى الفراغ.
لقد سرقوا عقلها.. أو بالأحرى، استردّ الوجودُ العقلَ الذي حاولَ فِهمَه، تاركاً جسدها شاهداً على فتاةٍ قتلتها الفكرة، ونفاها الوعي خارج حدود البشر...