سيزيف في الغرفة: متلازمة "الربما" الأبدية

  • أمس, 10:27
  • قصة قصيرة
  • 104 مشاهدة

الإسم: إيمان قاسم محسن سرهيد
سنة الولادة: 2006
السكن: محافظة بابل- قضاء المحاويل
النتاج الأدبي السابق: رواية الفتاة ذات الجوربين غير المتطابقين- صدرت عن دار و مكتبة الذاكرة- تقع في 308 صفحة.


المشاركة: قصة بعنوان: (سيزيف في الغرفة: متلازمة "الربما" الأبدية)

تجلس ليلى.. لا، ربما كانت تقف، أو ربما جالسة ثم نهضت. لا يهم. المهم، أو غير المهم، أنها كانت أمام تلك النافذة، تراقب ضوء الشارع الذي يتردد في انعكاسه على الزجاج، تماماً كما يتردد صوت الافكار في رأسها. هل تفتح النافذة؟ هل تغلقها؟ هل تترك الغرفة؟
كانت الحقيبة مفتوحة على السرير، أو ربما كانت مخبأة في الخزانة، لا، بل كانت مفتوحة. لكن هل وضعت فيها ملابسها؟ أم أوراقها؟ أم... تراجعت. أمسكت بقميصها، ثم وضعته، ثم أخرجته من الحقيبة مجدداً. ليت الأمر كان مرتبطاً بالسفر فقط، كان الأمر يمتد إلى أبسط التفاصيل. ماذا ستفعل غداً؟ هل تترك الجامعة؟ هل تبقى؟ هل تبدأ في ممارسة الرسم فقط؟ أم أن الرسم مجرد فكرة عابرة لا فائدة منها؟
حتى الكلمات التي كانت تفكر في قولها لنفسها كانت تتردد. "أنا فتاة جيّدة"، لا، "أنا خائفة فحسب"، لا، "أنا... أنا فقط لا أعرف".
نظرت ليلى إلى غرفتها. الألوان على الجدران، هل يجب أن تغيرها؟ أم أن اللون الحالي مناسب؟ هي في الحقيقة لم تكن تعرف إن كانت تحب اللون، لكنها لم تكن تعرف أيضاً إن كانت تكرهه.
كل شيء يبدو هكذا دائماً، حالة من "الربما" المستمرة...
هل هذا هو الطريق الصحيح؟ هل هذه هي الحياة التي أرادتها؟ ربما نعم، وربما... لا.
مشيت باتجاه الباب، وضعت يدها على المقبض البارد. تردد نبض قلبها. هل تخرج؟ وإذا خرجت، إلى أين؟ وإذا بقيت، ماذا سيحدث؟ ظلت يدها على المقبض لدقائق، أو ربما ثوانٍ، أو ربما لساعات. التردد ليس مجرد موقف، إنه حالة سكون متحرك...
أزالت يدها عن المقبض، ثم عادت ووضعتها عليه. "سأرحل"، قالت بصوتٍ خافت، ثم ترددت في نبرتها، هل كانت صادقة؟ ألم تقل هذا الكلام نفسه بالأمس؟ وقبل أسبوع؟ وقبل شهر؟
جلست على طرف السرير، نظرت إلى الحقيبة التي لا تزال مفتوحة، وإلى الألوان المتناثرة على المكتب. العالم في الخارج يبدو واسعاً جداً، ومخيفاً جداً، ومغرياً جداً. أغمضت عينيها، حاولت أن تتخذ قراراً واحداً، قراراً لا رجعة فيه، لكن حتى في تلك اللحظة، ظل الصوت المُعتاد يهمس في أذنها:
وماذا لو...؟
عادت لتفتح النافذة، ثم أغلقتها. ثم نظرت إلى الباب، ثم إلى النافذة. التردد لا ينتهي بقرار، التردد هو المسافة التي لا تقطعها أبداً بين الفكرة والتنفيذ. بقيت هناك، في منتصف المسافة، في منتصف الغرفة، وفي منتصف حياتها، تنتظر...
ربما تنتظر شيئاً ما، أو ربما لا تنتظر شيئاً على الإطلاق...أو ربما الاشياء هي التي تنتظرها...
لا هي تعلم، و لا أعلم أنا...
لكن صمت الغرفة انكسر فجأة بقطرات مطر مباغتة تضرب الزجاج بحدة، المطر لا يتردد، يسقط فحسب. ثم رنّ هاتفها كمنبه يعيدها إلى الواقع مُحذراً إياها: العالم يتحرك بإستمرار ويتجاوز سكونها!
أمسكت حقيبتها المفتوحة كما هي، ودار المقبض في يدها لينفتح الباب على الممر المظلم. لم تسرع ولم تتراجع، بل خطت خطوتها الأولى متجاوزة عتبة الغرفة.
لم يختفِ صوت "وماذا لو...؟"، لكنها أدركت أن التردد لا ينتهي بالإجابة الصحيحة، بل بالحركة، حتى وإن كانت في الاتجاه الخاطئ. أغلقت الباب وراءها ومشت، لا تعرف إن كانت ستعود، أم أنها لن تعود أبداً...
لكنها، على الأقل، لم تعد واقفة في المنتصف.