التفاح الأحمر

  • أمس, 14:25
  • قصة قصيرة
  • 3 مشاهدة

التفاح الأحمر

 

 

يقبض على تفاحة حمراء نضرة في قبضته، ويشد عليها بأصابعه النحيلة كمخالب النسر وهو يخنق فريسته. يتحسس مغمض العينين بأصابعه وشفتيه جسد التفاحة ويتخيلها. فقد كانت زهرة ذات يوم، وكانت النحل والفراشات تقبل عليها قبل أن تتحول يوماً بعد يوم إلى تفاحة ناضجة حمراء تكسوها مسامات دقيقة كبشرة فتاة حسناء تلمع تحت أشعة الشمس.

 

يسيطر عليه تخيلاته التي تحولت من شهوة الطعام إلى شهوة الجنس، وجعلته يغرس أسنانه فيها. صدى القرمشة المثيرة ارتد في رأسه، أحس بأن رأسه أكبر من الجبل  الذي يرتد عنه الصدى. تخترق أسنانه التفاحة الصلبة، ثم تنزع عنها قضمة كبيرة. ويلوكها في فمه تتفتت وتذوب وتسيل عصارتها تحت الأضراس. يبقى غشاؤها الرقيق يتمزق في النهاية. يستشعر تلك العصارة الحلوة الحامضة التي تسيل فوق أسنانه ولسانه. وتنتشر الرائحة التفاح المميزة في المكان، مع مزيج من فوح زهرة البابونج وعطر الحقول الرطبة بعد المطر وزهور الكرز الرقيقة ورائحة الربيع المنعشة.

 

وتعود لمنخريه الذي يلتقط بشراهة كل الروائح. يشعر بلذة وامتنان عظيمين؛ لكن التفكير قد أخذه إلى ذلك الذنب. الذنب البعيد، الخطيئة الكبرى، التي حصلت في الماضي السحيق، تلك الفاكهة المحرمة. التفاحة الأولى، الخطيئة الأولى، الإنسان الأول. آدم!

 

خلق لديه سؤالاً: كيف للذة عابرة، وطلب نشوة جديدة أن تهب الإنسان شيئا أو تضيف إليه شيء؟ يا ترى لماذا، ما الذي رأى آدم في تلك الشجرة وأي لذة شعر بها عندما تذوق تلك الفاكهة وهو يتخطى الحدود المرسومة له؟ هل ظن أن خرق حدود المحرمات هي اللذة بعينها؟ أم أراد أن يتعلم شيئا لم يكن يعرفه. إن للمعرفة لذة تفوق الملذات الجسدية. ولها سطوة تجذب الإنسان وتسيطر عليه كالسحر. لكن آدم ربما هاله جهله بالأمور التي تحيط به وأراد أن يعلم عنها. أو كان له هواجس ومخاوف لم يجد لها تفسيراً منطقياً وأراد أن يعرف عنها. أمر محير!

ثم فكر وتسائل مع ذاته وهو لا يزال يمسك التفاحة المقضومة قريباً من شفتيههل كان ذلك تحرشاً؟ أعني تحرش الفضول بالإنسان. إن الفضول ليس بشيء هين أيضاً، فهو يدفع أحياناً إلى نتائج أسوء. آه. ثم لو كانت الجنة بهذه اللذة لم أراد آدم شيئاً آخر؟ شيئاً كتفاحة أو أياً كانت تلك الفاكهة ما الذي كانت تميزها؟ وإن كانت تفاحة وهي لذيذة بالطبع؛ لكنها ليست اللذة التي تستحق أن تجازف بكل شيء وتخسر في سبيلها الجنة. وتطرد لأجلها وتجازف بكل تلك النعمة وتبدلها بالنقمة والشقاء. أم ظن بأنه في مأمن إن خرق حدوده. وأن الله لا يراه؟ ربما اللذة هي أن تتخطى الحدود!؟ لقد حذره من الشجرة ومن الشيطان ومع ذلك تعدى حدوده مرتان! أم كل ذلك كان وسوسة الملعون الحسود. الذي طرد من الجنة وأرد صاحباً، وشريكًا في الجريمة. فأختار عدوه ليكون شريكه! 

كيف أستطاع الرجيم أن يغويه بكل تلك البساطة؟! ربما مر الرجيم بآدم وراه جالسا يفكر، وهو يحاول أن يجد تفسيرات لأسئلة كثيرة تدور برأسه البشري الباحث عن الأجوبة دوماً. وسأله الرجيملكن بما أن آدم كان قد حُذِر من قبل بعدم التعامل معه وأنه عدوه. لم يستطع أن يبوح له بما يجول في خاطره، أو يسأله المساعدة في إيجاد تفسيرات لتلك الأسئلة الوجودية التي ترهق تفكيره. آه، ربما ثار آدم عليه وغضب منه وطرده حتى لا يقترب منه. لكن الشيطان استطاع أن يلقي بتلك الكلمة قبل ابتعاده من المكان ما أثار فضول آدم "كل من تلك الشجرة وسيتضح لك كل شيء".

 

لقد رمى في وجهه قبل ابتعاده بتلك الكلمات التي كانت بمثابة مفتاح لحل الألغاز والأسئلة التي تدور في خلده، ومع أنه لم يستمع له ولم يلق له بالاً في الوهلة الأولى، إلا أن تلك الكلمات أصبحت هاجساً وفكرة لم تكف عن مراودة فضول آدم معظم الوقت، ربما أنكره في البداية حتى تحول إلى وسوسة تقضي مضجع آدم. كلمات لا نلقي لها بالاً في لحظتها، لكن حين نختلي بأنفسنا ونجترها تصبح هائلة ثقيلة وتتحول إلى أعاصير تعصف بنا وبتفكيرنا، ونحن نصبح أمامها كحطام سفينة تتقاذفنا الأمواج العاتية. كلمات تستعر كالجحيم في داخلنا حتى تدفعنا للخضوع لها في النهاية، ونرتكب الحماقات لأجل الخلاص من عذاباتها. ونقطع الشك باليقين. ربما هذا ما دفع بآدم أن يجرؤ على تعدي حدوده. لكن ذلك بعد صراعات طويلة. جعله لا يرى من متع الجنة شيئاً، ومن تلك الحسناء التي تجلس إلى جانبه بصمت وهي حائرة وحزينة من صمت زوجها آدم. والتي كان أدم يأنس لوجودها بقربه من قبل.

 

ربما أمتد صراع آدم لأيام عديدة، وجلس أياماً يحاول إبعاد تلك الفكرة عن رأسه والتي تتكرر باستمرار كأن الشيطان دخل إلى رأسه. وأخذ يعيد الجملة دون انقطاع. "كل من تلك الشجرة وسيتضح كل شيء" أراد أن يتخلص منها بأي ثمن لكن لم يكن ذلك سهلاً بوجود تلك الأسئلة الوجودية سلفاً ، والتي كانت تستفحل بدورها، وتحتاج إلى تفسير وأجوبة مقنعة.

بما تفكر؟ قطع ذلك السؤال خيط أفكاره. ألتف يميناً وجد رفيقه في الغرفة.

لا شيء مهم.

"هل مذاق التفاحة جيد؟"

همهم ثم قال: أجل، إنها جيدة. ثم نظر إلى التفاحة بعد برهة صمت وكرر جوابه وأضاف: أجل، إنها شهية، بل أكثر من ذلك بحيث تجعلك تفكر بالخطيئة الأولى.

" أوه، إذاً إنها لذيذة بحق، هل لي أن أجرب؟"

  تفضل!

" إنها كما قلت بالضبط، لذيذةلكن من يعلم ما كان نوع الشجرة التي أكل منها آدم؟"

 لا، أحد يعلملكن توصف بأنها كانت شجرة تفاح في بعض الأديان.

وهل تستحق تفاحة هذه التضحية الكبيرة؟"

 أنا أتسائل أيضاً، هل كانت تستحق؟ لكن تبدو أنها كانت رمز لشيء آخر، وهي أمتحان لآدم ومدى ألتزامه بحدود ربهورسب في الأمتحان، وها نحن هنا كما ترى غارقين في  هذا الوحل. وقهقه الرفيقان بصخب.

"معك حق، إذا، لماذا برأيك تخطى آدم حدوده؟"

لا أعلم، ربما فضول للمعرفة، أو طمع لنيل أشياء أخرى. أو السعي للحصول على مميزات أكثر مما حصل عليه في الجنة.

"حقاً؟!"

نعم، ولم لا، إنه كان بشراً مثلنا وكان يفكر مثلنا، ثم إنه قد أباح الله له كل شيء إلا تلك الشجرة. وبما إن الإنسان كائن فضولي وجشع، أراد أن يعرف لم هي محرمة. هذه هي طبيعة الإنسان.

"والشيطان؟"

ما به؟ 

"ألم يكن السبب."

 ربما، لكن الشيطان يوسوس بتلك الأشياء التي ترغب بها النفس. وكان آدم فضولياً كأبنائه، فوسوس له ليغذي فضوله بكل بساطة. دخل من تلك الفجوة التي أحدثها آدم بنفسه، عن طريق الشكوك وبحثه عن الإجابات.

"ربما من يدري؟"

هل ترغب في واحدة أخرى؟

 

 

***