مِنْ رَحِمِ الصَّدْعِ... تَنْبُتُ الأَجْنِحَة

  • أمس, 14:38
  • شعر
  • 4 مشاهدة

مِنْ رَحِمِ الصَّدْعِ... تَنْبُتُ الأَجْنِحَة

انْكَسَرْتُ...  

لَا كَانْكِسَارِ غُصْنٍ يَابِسٍ تَدُوسُهُ أَقْدَامُ العَابِرِينَ فَيَنْتَهِي، بَلْ كَانْكِسَارِ البَيْضَةِ الَّتِي تَتَهَشَّمُ قِشْرَتُهَا لِتَلِدَ حَيَاةً كَانَتْ مَسْجُونَةً فِي العَتْمَة.

ظَنُّونِي حُطَامًا يَسْتَحِقُّ الرِّثَاء، وَقَالُوا: "هُنَا انْتَهَتْ". وَمَا عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ شَرْخٍ فِي عَظْمِي كَانَ شَقًّا فِي جِدَارِ القَفَص، وَكُلَّ وَجَعٍ يَنْخِرُ فِيَّ كَانَ إِزْمِيلًا يَنْحَتُ لِي رِيشًا لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ قَبْل.

تَمَدَّدْتُ عَلَى أَرْضِ الخَيْبَةِ كَجُثَّةٍ تَنْتَظِرُ الدَّفْن، فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ انْهِزَامِي: "مَنْ قَالَ إِنَّ السُّقُوطَ مَوْت؟ رُبَّمَا هُوَ أَوَّلُ طَقْسٍ لِتَتَعَلَّمَ الطَّيَرَان". تَجَرَّعْتُ مَرَارَةَ القَاعِ حَتَّى أَدْمَنَتْهَا رُوحِي، فَاكْتَشَفْتُ أَنَّ فِي القَاعِ جَاذِبِيَّةً أُخْرَى... جَاذِبِيَّةَ الانْدِفَاعِ إِلَى أَعْلَى حِينَ لَا يَبْقَى شَيْءٌ تَخْسَرُه.

كَسَّرُونِي بِخُبْث، وَتَنَاثَرْتُ كَشَظَايَا مِرْآةٍ مَلْعُونَة. جَمَعْتُ أَشْلَائِي بِأَصَابِعَ تَرْتَجِف، فَلَمْ تَعُدْ تَتَطَابَق. خِلْتُ أَنَّنِي أُرَمِّمُ خَرَابًا، فَإِذَا بِي أُعِيدُ تَشْكِيلِي عَلَى هَيْئَةٍ أَكْثَرَ شَرَاسَة. كُلُّ كَسْرٍ رَقَّعْتُهُ صَارَ مَفْصِلًا لِجَنَاحٍ لَمْ يَكُنْ فِي تَصْمِيمِي القَدِيم. كُلُّ نَدْبَةٍ خَاطَتْهَا دُمُوعِي تَحَوَّلَتْ إِلَى وَشْمٍ يَصْرُخُ: "لَنْ أَعُودَ كَمَا كُنْت".

عَلَّمُونِي أَنَّ الانْكِسَارَ هَزِيمَة، فَعَلَّمَنِي الانْكِسَارُ أَنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلتَّحْلِيق. أَفْهَمُونِي أَنَّ المَجْبُورَ لَا يَطِير، فَأَفْهَمَنِي جَبْرِي أَنَّ الأَجْنِحَةَ لَا تَنْبُتُ إِلَّا مِنْ بَيْنِ الشُّقُوق. لَوْ لَمْ يُحَطِّمُونِي، لَبَقِيتُ أَسِيرَةَ سَقْفٍ مُنْخَفِض، أَحْبُو عَلَى أَرْضِ المَأْلُوفِ وَأَظُنُّهَا السَّمَاء.

فَيَا لِقَسْوَةِ الدَّرْسِ وَجَمَالِه: كَانَ لَا بُدَّ أَنْ أَتَحَطَّمَ كَيْ أَتَنَاثَرَ، وَأَنْ أَتَنَاثَرَ كَيْ أَتَجَمَّعَ مِنْ جَدِيد، وَأَنْ أَتَجَمَّعَ كَيْ أَكْتَشِفَ أَنَّ ظَهْرِي لَمْ يَكُنْ مُنْحَنِيًا مِنَ الذُّل... بَلْ كَانَ مُثْقَلًا بِأَجْنِحَةٍ لَمْ يَحِنْ أَوَانُ فَرْدِهَا بَعْد.

وَالآن... أُحَلِّقُ.  

لَا هَرَبًا مِنَ الأَرْضِ الَّتِي كَسَرَتْنِي، بَلْ شُكْرًا لَهَا. فَلَوْلَا قَسْوَةُ السُّقُوط، مَا عَرَفْتُ لَذَّةَ التَّحْلِيق. وَلَوْلَا الصَّدْعُ الَّذِي شَقَّنِي، مَا تَسَلَّلَ النُّورُ لِيَصْنَعَ مِنْ حُطَامِي مَنَارَة.

أَنَا ابْنَةُ الانْكِسَارِ المُقَدَّس... الَّذِي حِينَ هَدَمَنِي، بَنَانِي. وَحِينَ قَتَلَنِي، أَحْيَانِي. وَحِينَ دَفَنَنِي، عَلَّمَنِي كَيْفَ أَشُقُّ القُبُورَ بِأَجْنِحَةٍ مِنْ لَهَب.



#جهينه_الحسام