القصيدة الحسينية في شعر د.طالب التميمي / كمال عبد الرحمن

  • 25-12-2022, 12:30
  • نقد
  • 113 مشاهدة

 يحتاج النص الابداعي الى زوايا نظر مختلفة ولقراءات متعددة تحاول ان تقبض على دلالاته،ف((الكتابة لاتحدث بشكل معزول أو فردي،ولكنها نتاج لتفاعل ممتد لا يحصى من النصوص المخزونة في باطن المبدع،يتمخض عنها جنين نشأ في ذهن الكاتب يتولد عنه العمل الابداعي الذي هو النص))(1).

وقد تنبه الباحثون من خلال ممارساتهم الادبية الى حضور ذاكرة نصية يقوم عليها الادب،كان اول من سجل مصطلح التناص(التعالق) ـ كما يحلو لكمال ابو ديب ان يسمّيه  ـ هي الباحثة(جوليا كرستيفا) التي عمّقت الميراث النظري الذي تركه(باختين)(2)باستبدال مصطلح الحوار بالتناص.ولاشك بأن التعالق النصي اليوم هو(( بمثابة أداة مفهومية بقدر ماهو علامة،رواق ايبستمولوجي يشير الى موقف والى حقل مرجعي،والى اختيار رهانات معينة))(3).

ان التناص تعالق بين النص والنصوص السابقة،فالبحث يثري في نقطة مدى التعالق والتفاعل  بينهما ،وبتعبير اخر نوعية العلاقة التي تحققت بين

النص والنصوص الاخرى،هذا ما تناوله عمر أوغان بقوله:((يمثل التناص تبادا،حوارا،رباطا،اتحادا،تفاعلا بين نصين او عدة نصوص،في النص تلتقي عدة نصوص،تتصارع،يبطل احدهما مفعول الاخر/تتساكن،تلتحم،تتعانق،اذ ينجح في استيعابه للنصوص الاخرى وتدميرها في ذات الوقت،انه اثبات،ونفي وتركيب))(4)،يقول(بارت):((نعلم الان ان النص لاينشأ عن رصف كلمات تولد معنى وحيدا،معنى لاهوتيا..انما هو فضاء متعدد الابعاد تتمازج فيه كتابات متعددة وتتعارض من غير ان يكون فيها ماهو اكثر اصالة من غيره،النص نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع متعددة..))(5).لاشك ان ثقافة النّاص/ الشاعر الدكتور طالب التميمي ،هي من اهم مرتكزات التعالق النصي في شعره  ، ،لذلك فأن نصوصه الشعرية تتسم باستعمال اللغة والصور الشعرية،ومثال على ذلك ما نقرأ في قصيدته(ابن البتول):

طوبى (حسينٌ )إمامَ المتقينَ وقد

                  باهى الرسولُ بكَ الأعرابَ والعجما

أتَتكَ طائعةٌ من غيرما نَصَب

ٍ            كلُ المروءاتِ تطوي نحوكَ الهمَما

تسعى مسربلة في عشقِ سيدها

               على الرؤوس مشت إنْ  لم تجد قدما

راياتك الغر ظل نستجير به

                  أنت اللّوا  رمزنا..قُم وأنقذ الأُمَما

يستجير الشاعر الدكتور طالب التميمي برمز خالد هو (الحسين الشهيد)، حيث تتعالق القصيدة مع واقعة تأريخية/ دينية هي واقعة الطف، ليستدعي

الشاعر من خلالها أصالة المبادئ وثبات القيم، لتكون الشاهد على زمننا الرديء، الذي باع نفسه للخطأ والإثم   وتنازل عن المعاني السامية بلا ثمن ، هنا الشاعر التميمي، يستحضر أقدس المواقف( الإنسانية / الدينية / الـتأريخية )، لتكون الشاهد والشهيد على أوبئة العصر وأمراضه التي تودي بالشعوب الى التهلكة، التميمي الشاعر،يسمو بقصائده في حب الحسين وآل البيت، ثم يقارن بين ما كانوا عليه من قيم ومبادئ سامية، وما نحن فيه عصر التخاذل والخنوع والاستسلام.

وفي قصيدة(صبرا على الموت)، نقرأ:

صَبراً على الموتِ إنَ المَوتَ آتينا

                    قالَ الحسينُ وذاكَ القولُ يُعنينا

في كلِ عامٍ لنا ذكرى وَمَلحَمَةٌ

                   يًبقى الحسينُ ضياءً في مآقينا

نَغزو المناكبَ من أطرافها بشراً

                لولا الحُسينُ لضعنا من مَعانينا

ما الأمرُ مَشياً تَموجُ الراسياتُ بهِ

               بل إنهُ الروحُ نُعطيها وتُعطينا

من كربلاء دماً  للنائباتِ  إذا

               جارَ الزمانُ وقد هُدّت رَواسينا

فهذه القصيدة هي ثورة داخل ثورة الحسين الكبرى ، الرمز الكوني  الذي كان سببا في ان تشرق الشمس  من كل الجهات لتهدي التائه التعب في أنفسنا، هذا الرمز تكتنفه  مخالب الأدعياء من كل حدب وصوب، تدق حوله طبول التآمر مزملة بالرجز والرجس، كي لا نرى في الحسين العقيدة والتأريخ والإنسانية ، يتكئون  على  أسمال أرواحهم ويتوكأوون  على مدامعنا التي لاتعرف الجفاف ، ان ارتداد القيم ونكوص المكرمات هي محطات نقاش دائمة في شعر الدكتور طالب التميمي، فهو لايني يكشف الأوراق، وينقب في الغاص من الخطأ، يبحث عن جريمة لم تُرتكب بعد، لايكل ولايمل، وهو يكتب من  معين القصائد التي لاتنام على جروحها،وتتشكل لديه القصيدة بكثير من الاصرار ،الاصرار على ازاحة اللون الاسود من الصورة،والابداع: قدرة القصيدة على ابتكارعالم مثالي  لمجتمع عربي بأشد الحاجة لهذا العالم. ،ويمكن وصف هذه القضية بأنها تجربة في الانتماء الى عالم الشعر وفضائه وكينونته وحساسيته،اذ لايمكن للشاعر ان يكون منعزلا عن انتمائه الكلي والحاسم الى فضاء التجربة الشعرية بمنطقها الزمكاني الحيوي،لأن صفته الشعرية يجب ان تتقدم على أية صفة أخرى،فضلا عن قيام الصفة الشعرية بتوجيه الصفات الاخرى وتكييفها وبلورتها على النحو الذي يستجيب للصفة الشعرية ويقرّ بنفوذها(6).

وبما ان الشعراء هم مشرعو العصر، فلابد للشاعرــ أي شاعر ــ ان لايقف على الحياد السلبي في معاقرة الأوجاع التي ترسم خارطة أمة ما، ان محكمة العدل الشعرية بإمكانها محاكمة مملكة الخطأ اينما كانت، وحيثما قامت، صحيح ان الأدب لايملك بندقية ( كما يقول سارتر) الا ان القصيدة هي ثورة في ذاكرة لاتنطفىء ولاتخيب.

والشاعر حينما يتحدث عن جدلية ( الخطأ/ الصح)، فإن ما يؤرقه ان يتهاوى الصح في خندق الخطأ، ونسمع عدو الحسين يهتف علنا:

يزيد(اللعين):

هذا رسولُ الحسينِ الخارجيّ قًضى

                       شُدوا الرِحالَ لتدنو الخيلُ والأبلُ

سُحقاُ لأهل التُقى والدينِ والحُلم

                         أقسَمتُ من يَومِها اني سأنفَصِلُ

عن دينِكُم ولتَكُن بَدرٌ لنا أبداً

                       نًمحو بها الذكرَ ما دامت لنا السُبلُ    :قصيدة (سيرة ذاتية لفارس الضوء( الحسين عليه السلام))

لا شك ان التناص في القصيدة حاجة لإشباع رغبات النص، وتختلف هذه الرغبات من قصيدة الى اخرى،وقد تحتاج القصيدة الى ذاكرة نصية مزجية ،تزوّق رتبتها بالتأريخ،أوتلمّع شعريتها بالأسطورة،وغير ذلك من أغراض تزويقية تكتنفها البهارج والمزايدات اللفظية ، والتناص ليس مهنة المفردات التائهة ،والتي قد تجد لها طريقا أو ملاذا الى هذه القصيدة او تلك كيفما تشاء،التعالق النصي في قصائد  الشاعر الدكتور طالب التميمي،تجربة مسؤولة تحلل الوقائع الإنسانية وتحاول أن تطرح بدائل و حلولا للإجابة عن بعض الأسئلة التي لاجواب لها.

المفارقة:

المفارقة هي طريقة في الكتابة غايتها تأجيل المغزى واثارة المتلقي عبر 

صوغ بلاغي يستعمل الكاتب فيه  ـ أي في هذا الصوغ ـ اللغة بشكل خادع،وهي تشير على الدوام الى انحراف ما ، على مستوى منطق الفكر،أو على المستوى اللغوي،وهذا الانحراف هو الذي يحدث المفاجئة لدى القارىء(7)،ويجعله يدرك انه يتعامل مع لغة خاصة، لقد صدق غوته عندما وصف المفارقة بأنها((ذرة الملح التي وحدها تجعل الطعام مقبول المذاق))(8) كما ان المفارقة في النص ليست ومضات تتشكل في التناقض العفوي من حالات تضادية يراد بها الأدهاش وحسب، بل هي وعي كتابي  خاص يتحول الى ابتكار له القدرة على تقديم تشكيلات(صورية/لغوية) تصل احيانا الى حد الصدمة الفكرية لدى المتلقي وينطوي فكر المفارقة على((تفاعل جدلي دائم بين الحقيقة الذاتية،وبين الحرية والضرورة،بين مظهر الحياة وحقيقة الفن،بين وجود المؤلف في كل جزء من عمله عنصرا مبدعا منعشا وبين ارتفاعه فوق عمله بوصفه(المتقدم)الموضوعي))(9).

تشتغل الفاتحة النصية في قصيدة الشاعر الدكتور طالب التميمي (

أسئلة السكون) على مفارقة (الهدم) و(اعادة البناء)من اجل خلق فضاء انساني جديد لايقوم الا بالافتراق،واعادة تنظيم الأشياء على أساس المفارقة التي تشي بقدرة الحرف  على عادة تشكيلها وفق نظرية الصحيح في مواجهة الخطأ :

عَمَّ السكونُ وهذا الكونَ يَرتَعبُ

لا شفةٌ نَبَسَت... لا همسَ يُرتقبُ

كلٌ يُداوي جروحاً خانَها نَفَرٌ

من أهلها فَإذا أرواحها شُهُبُ

هانت صِعابٌ لأهلِ العَوز ما نَكسوا

رأساً لكل بغاة الأرض أو نَهبوا

ان المفارقة اللفظية:هي((خط كلامي،او طريقة من طرائق التعبير ويكون المعنى المقصود منها مناقضا او مخالفا للمعنى الظاهر))(10) ولعل عقدة المفارقة وجماليتها تتجلى في كونها تحمل مدلولين لدال واحد،الأول:حرفي ظاهري وجلي،والثاني:موحى به خفي،والمفارقة اللفظية تشتمل على علامة توجه انتباه المخاطب نحو التفسير السليم للقول،لذلك فان حل شفرة المفارقة يستلزم مهارة خاصة لفهم العلامة،وهي مهارة ثقافية وايدلوجية،يشارك فيها المتكلم والمخاطب.

ففي غمرة افتتانه باللغة،يؤكد هيدجر ان تأريخ الكلمات هو نفسه تأريخ

الوجود(11)،فشعرنا اذن هو تأريخ وجودنا،هذا الوجود العصي الأشكالي المشتبك بالوجع والوجد والعنف،فالشعر هو نتاج مخاضات نعيشها ونكتوي بعذاباتها،ذلك ان الحضارة المعاصرة كذبت على الانسان كذبتها التاريخية يوم وعدته بالسعادة وفرح المصالحة مع الذات والاخر،ومع الزمن والعالم لكنها أعطته في الواقع ما لا يصدق من العذاب والخوف والكوارث يقول الشاعر التميمي:

اليومَ تعلو جياعٌ   ثوبُها  خِرَقُ

              وعدُ السماءِ فلا مَقتٌ ولا عَتَبُ

صُفرُ الوجُوهِ ألا ألبابُكم وَجلت؟

             نَشرٌ وبعثٌ لنارٍ زهرها حَطَبُ

أمَا سَمعتُم بأقوالٍ كصاعقةٍ؟

              لله أشكو بما عاثوا وما لعِبوا

واستنادا الى مقولة فلوبير((ما يعذبك، يعذب اسلوبك في الكتابة)) يقرر أدونيس في ثلاثيته( القاهرة التي علمتني) ان معظم النصوص التي تكتب اليوم احتفاء بالراهن، العادي،اليومي، تفتقر الى مثل ذلك ( العذاب) بما يعني تبنيه الصريح لموقف(فكري/ جمالي) مضاد من راهنية وعادية وعرضية النصوص الجديدة،في محاولة كما يبدو لمفهمة متوالية(اليومي) واختباره بوصاية ابوية أزاء ( الميتا  ـ لغوي) كما تجدد ايدلوجيا العمود الشعري انبعاثاتها بصيغ مختلفة، للألتفات على مستوجبات  الحدث

النثري(12)،فالشاعر الذي لانرى في كتاباته عذابا ـ برأيه ـ انما يقول ما

يقوله بشكل اعلامي اخباري، ولايكون شاعرا انما مجرد ناقل أو راو،  كما يقول أدونيس، والشاعر يشتغل على حاسة الألم وهو يقول:

عَمَىً بأبصارِهم للحقِ ما بَصروا

                     لوذوا فلن تفحلوا مانالكم نصبُ

هذا نذيرٌ ولن تُطوى عواقبنا

                       والأمرُ أمرٌ به الأفلاك  تضطربُ

لم يبقَ فوقَ أديمِ الأرضِ منتهز

                       ولا مَليكٌ له الأوهامُ  تنجذبُ

أما في قصيدة الشاعر الدكتور طالب التميمي(السؤدد)  ،فيتدفق الرفض في شرايينها كرد فعل انساني على تاريخ العذاب الذي يخيم فوق هاماتنا  ولايتركنا الاّ لينقضّ علينا من جديد، كما في هذا المقطع:

وَقَفَ الزمانُ كأنه لم   يَبتدِ

             فالشمسُ قد قُبضتْ.. وضاعت  عن غَدِ

غامَ المكانُ  وفي العراق  غمامةٌ

                  تمشي على جُثثِ الركامِ الأسودِ

وجَعُ الأَهِلَّةِ ، والصروفٌ  مهانةٌ

قد أسلمتنا للخؤون    المعتدي

 

وفي قصيدة (السؤدد) نقرأ:

خابَت رجاءاتٌ كآهات السدى

وَبَقيتَ طوداً شامخاً كالسؤددِ

تَتَلَعثَمُ الأصواتُ في أوتارها

والضادُ عندكَ  زهوها  كالفرقد

أحكامُكَ المُثلى سَموتَ بحُكمِها

تُتلى على الألواحِ   حينَ الموعدِ

فتستمر سيرة الألم في القصيدة من خلال (خابت/ رجاءات كآهات/ تتلعثم الأصوات) والى ذلك من صور الوجع والنكوص التي تكشفها القصيدة.

 ويتلو الشاعرعلينا آيات من سورة العذاب التي تطال الوطن (بالويلات   والحزن والزمن الرديء) وهي تعبر عن ذلك   في كينونتها الحاضرة كما في قصيدة الشاعر الدكتور طالب التميمي هذه:

يا أنتَ مَن عاث الغزاةُ بأرضهِ  

فشَدَدتَ جُرحَك بالإبا المتوقد

وأتَتكَ أسرابُ الطيورِ لَعَلها

تنجو من الويلاتِ والزمنِ الردي

ما الصمتُ يا صوتَ الغريبِ وحُزنَهُ

إلا دموعك .. يا صراطَ المَشْهَد

الليلُ أضغاثُ النيامِ بكُربَةٍ

وبكَ الجموعُ تَوَشَحت بالسؤدد

كُنا وأشرافُ الوَرى لا نَنحني

وجِباهُنا مَختومةٌ من أحمدِ

جارَ الزمانُ وَلَيتَهُ من عادلٍ

والغدرُ من شِيَم الوضيعِ الحاقدِ

لاشك أن المفارقة ليست كلمات تنثر سدى هكذا في ثنايا النص لتشكل، ليقال ان النص مملوء بالمفارقات، لكن المفارقة الحقيقية في النص هي التي تشكل أنواعا من الجل والتضادات والتعالقات، وهي جزء من انسانية النص.

 ان قصيدة(السؤدد) تثير في أعماقنا فكرة ارتباط الانسان بالحرية التي جبل عليها الاّ ان القوى المتسلطة في العصر الراهن تحاول ان تكبح جماح الانسان في محاولاته للتحرر والعيش الكريم.

الصورة الشعرية:

لا شك أن الصورة الشعرية هي لوحات فنية، وصور بلاغية، ورسوم، ومشاهد، ترسمها الكلمات،فهي أحيانا تحدثك بغير الواقعي عن الواقع، وترسم لك صورا فنتازية، ترسل من خلالها اشارات للوصول الى ما هو منطقي ومعقول، وعالم الصورة الشعرية، هو مملكة من التخييل والإشارات والمتضادات والرموز، واذا كان للقصيدة معجزة، فإن الصورة الشعرية هي معجزة القصيدة.

فالصورة الشعرية تنبع من أرقى ملكات النفس الإنسانية، ويرتبط جمالها بما توحيه من معان وصور داخلية لأن الشاعر لاينقل الينا العالم الخارجي وانما يعبر بصياغته على وفق تجربته وما يضفيه من إحساسه وأفكاره فتصبح الصورة معيارا لعبقرية الشاعر(13)

ويبرز ذلك بوضوح عندما (( تشكلها عاطفة سائدة أو مجموعة من  الأحاسيس المترابطة إثارتها عاطفيا))(14)  ومصدرها هو إحساس الشاعر.

فالأفكار والصور يرسم الشاعر من خلالها مشاهد ذهنية، ثم يسقطها على الواقع عن طريق الكلمة، التي هي رسول اللاواقع الى الواقع ،فالصورة الشعرية هنا تبرز بأحد أنواعها( الصورة الإستعارية)، ويتجلى جمال هذه الصورة في خلق علاقات لغوية جديدة بين الكلمات تتجاوز دلالاتها المباشرة، لأن الشاعر يميل في تعبيره عن عوامل شعرية مجردة، بطريقة تجعله يستثمر مدركات العالم وأشياءه الحسية(15) ، للقيام بمهة الأداء((

 

وذلك بعد أن يعيد تشكيلها وفق ما يتصوره من معان ودلالات تعجز اللغة المباشرة عن الإفصاح عنها))(16)،

 والشاعر التميمي كان في قصائده  ــ وبخاصة في الفخر والمدح والذم ــ يستثمر الصورة البلاغية، لأن وظيفة الصورة البلاغية التمثيل الحسي للتجربة الشعورية،كونها(( تشكيل لغوي، يكونها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها، فأغلب الصور مستمدة من الحواس،الى جانب ما لايمكن إغفاله من الصور النفسية والعقلية))(17) ، وقد يلجأ الشاعر الى الإستعارة فصار الشاعر يبتكر الصور النادرة والمؤثرة ذات الإيحاء العميق، وهو يصف  دهشته بالحياة، ولخص الجرجاني شيئا من هذا حين قال عن أهمية الصورة ودورها في التعبير الشعري(( إنك ترى بها الجماد ناطقا والأعجم فصيحا والأجسام الخرس مبينة والمعاني الخفية بادية جلية، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقول كأنها جسمّت حتى رأتها العيون))(18) لذلك(( إذا كانت الصورة تساهم في عملية إقناع المتلقي، والتأثير فيه، عن طريق شرح المعنى وتوضيحه، فإنها تحقق نفس الغاية عن طريق المبالغة في المعنى، والصلة بين المبالغة والشرح والتوضيح صلة وثيقة، ذلك أن المبالغة تعد وسيلة من وسائل شرح المعنى وتوضيحه))(19) ،فالمبالغة هنا واضحة في الصورة الشعرية، فقد استطاع الشاعر التميمي إضفاء ألوان من الحيوية والحياة على الموجودات والعوالم التي تحيط به من خلال الصورة المبتكرة في تفكيره وعقله، فأوجد لها خصوصية لغوية من داخل اللغة تتميز بها قصيدته فنيا في نقل الواقع كما يراه ويتخيله(( فصار خلقا  للواقع، وابتكارا لعلاقات جديدة بين الإنسان والعالم، وتخطيا من الرتابة الى الدهشة، ومن المألوف الى الخارق،ومن المتوقع الى المفاجىء))(20)لما تملكه من قدرة على التشخيص والتجسيم للمعنويات والمجردات والمحسوسات، وبث الحياة في الجمادات بما يخلع عليها من أحاسيسه وانفعالاته، ،إن أهم واجب يواجه الشعراء هو الإهتمام بصناعة الألفاظ،ف((الألفاظ حقول بارزة والجمل ظواهر بارزة)) (21))، أن تعريف الصورة الشعرية يؤكد على أن الأصل في الشعر هو((المبدع قبل المتلقي، وأن القصيدة لن تحقق شيئا للمتلقي إلا إذا حققت ما يماثله للمبدع))(22)إذن فالصورة ليست زينة دخيلة على المعنى، أو أنِها شيء من الرفاهة يمكن الاستغناء عنه؛ بل هي أمر حتمي ووسيلة سياسية للكشف عن التجربة الشعورية للشاعر، وحالته الوجدانية يوم أن تعجز اللغة العادية عن ذلك.

أ-الصورة التشبيه:

التشبيه من وسائل التصوير الفني, وقد حظي باهتمام البلاغيين, ونال قسطاً وافياً من دراساتهم البلاغية, فأبو هلال العسكري يعرفه بأنه: ((الوصف بأن احد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه. . . وقد

جاء في الشعر وسائر الكلام بغير اداة التشبيه))(23), وهو ايضاً مشاركة أمر لأمر آخر في معنى من المعاني بواسطة إحدى ادوات التشبيه, وذلك لغرض في نفس المبدع(24).

وقد وظف الشاعر التميمي التشبيه, وتنوعت انماطه في شعره, فمن التشبيهات التي وظفها الشاعر في تجربته الشعرية, هي وصفه لثنائية التضاد( الحسين عليه السلام) وعدوه اللدود(الباطل)، فقد وصف الأول بالمروءة والشجاعة، ووصف الثاني بالغدر والوحشية ونقرأ من قصيدة (نداء):

عبدُ يخافُ عَبيدُ اللهِ ثورتُه

أذا تمادى لديه الباطلُ ارتعدا

وحشا يجوبُ سَوادَ الأرضِ مُنتَشيا

أنا أتَيتُك لا أخشى لكُم أحدا

أنا العلي الذي تدرون صولته

أنا اليَقينُ فصدقي يُورِدُ اللَّحِدا

والشاعر هنا شبه الإمام علي ب( الكتاب) الذي هو نور وعدالة وحق، ويشبه(الباطل) ب( الوحش)الكاسر في آخر الليالي يفزع الناس الآمنة، ونلاحظ ان التشبيه قد صنع جدلية تضادية ثنائية بين ( الخير والشر) يتغلب فيها الخير على عدوه بما يتلك من صفات المروءة والايمان

والصدق، ويقول الإمام علي( أنا العلي: الذي يسموعلى الكفر والضلالة بالتقوى والصلاح) فهو الأفضل وهو الأعلى من أعدائه.

وفي قصيدة(الى صديقي ) يرثي الشاعر عزيزا فيقول:

دعني مقيماً بأبوابِ القبورِ عسـى

ألقى غريباً  تَوارى خَلفَ أســوارِ

جاءَ المساءُ فلم يأتِ كسابقـــــــــهِ

هوَ النَزيلُ  أطالَ  المُكثَ في الـــدارِ

فهنا نستحضر مع الشاعر واقع المرثية عبر صور  تشبيهية   ك (الغريب خلف أسوار)، فالشاعر يشبه الميت ب( الغريب الذي تم سجنه خلف الأسوار) فلا يستطيع العودة أو الخروج الى أهله، ولاهم يستطيعون الدخول اليه واخراجه من وراء الاستار، ف(الغريب: الذي فارق الدينا وارتحل الى عالم غريب لايعرف عنه شيئا) و(الأسوار: اللحد التي يدخل فيه الميت ولايخرج منه فهو كالسور الذي يمنع الميت من الخروج من اللحد أو القبر)،أما ( النزيل: فتشبيه بانسان ترك مكان ونزل في مكان آخر، فهو مرقده ومثواه ولامنزل سواه)، و(أطال المكث: التشبيه بالانقطاع عن اللقاء مع الاهل في غربة بعيدة)، وهكذا تعمل الصورة التشبيهية، على توسيع مدارك القارئ في تخيل واستقبال صور ذهنية لوقائع حقيقية ولكن بتشبيهات معبرة تستدعي التأمل والتفكير لدي المتلقي.

وقال الشاعر التميمي في قصيدته(بلاغ الى الرجس):

هذا بٓلاغُ إلى مَن لحمِهم نَتنُ

نحنُ وأن  أرهقت أيامُنا المحن

فكل عهدُ قطعناهُ   بأدمعنا

أديمُ أجدادنا  ما داسه العَفِنُ

راياتُ شؤمٍ بها أنفاسُنا حَجَمَت

عن رغبةٍ في حياةٍ ليتَها تَزنُ

فالشاعر هنا يشبه الأعداء ب(لحمهم نتن) دلالة على سوء أفعالهم، ولا يناديهم بأسمائهم، بل يشبههم ب( العفونة) التي تخرج منها رائحة الغدر والخيانة، ثم يعود ويشبه الأعداء بأنهم ( رايات شؤم)، فهو يتطير منهم، باعتبارهم نوعا من الرجس، فالرايات هي دلالة على دولة أو حكومة فاسدة، ضغطت على أنفاس الأبرياء، ومنعتهم من الأمان والسلام والحرية، وهذه صفات الطغاة، ولذلك يصفهم الشاعر بالنتانة التي تخنق روائحها كل جمال       وسلام.

ففي هذا التشبيه, عدل الشاعر عن التعبير المباشر للدولة الفاسدة، الى عرض النتانة بصفتها المعادل الموضوعي الفاضح للطغاة من خلال رائحة جرائمهم التي دمرت البلاد وأهلكت العباد.

مما سبق تحليل نماذج الصورة التشبيهية عند الشاعر التميمي يتبين انه قد غاص على بعض المظاهر الواقعية في المجتمع سلماً وحرباً, وحاول الوصول الى مكامن الحياة منها؛ ثم قدمها الى المتلقي في قالب شعري مصبوغ بغربة المجتمع الوجدانية والفكرية والسلوكية. فقد استخدم التميمي التشبيهات واكثر منها لينقل الينا شعره واحاسيسه بجزئياتها ووقائعها الدقيقة, وذلك في معظم الموضوعات التي عالجها, حباً وحرباً.

ب:الصورة الاستعارية:

الاستعارة هي من مواضيع علم البيان وهي تضفي على الأسلوب رونقا وجمالية من خلال البنية والتشكيل ، وتسعى الاستعارة الى خلق الصورة الفنية المتميزة من خلال الاتحاد والامتزاج والتقريب بين العوالم المختلفة ، وليس بالاعتماد على المقارنة والتمييز،  فهي الوسيلة التي يجمع الذهن بواسطتها أشياء مختلفة لم توجد بينها علاقة من قبل ، وذلك لأجل التأثير في المواقف والدوافع و ينجم هذا التأثير عن جمع الأشياء التي ينشئها الذهن بينها (25)، ويذهب الجرجاني  بأن (( الاستعارة عنوان ما يجعل به اللفظ فصيحا , وأن المجاز جملته , والإيجاز من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة ))(26)،فالاستعارة مصدر لفصاحة الكلمة مشتركة مع المجاز والإيجاز في ذلك , فهي (( أن تريد تشبيه الشيء بالشيء , فتدع أن تفصح بالتشبيه و تظهره , وتجيء الى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه )) (27) , وعندما قال الجرجاني إن صناعة الألفاظ المسبوكة سبكا دقيقا وتستولي على هوى النفس ، فإنه أكد على ((وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة , ثم تبرجها في صورة هي أبهى و أزين و آنق و أعجب و أحق بأن تستولي على هوى النفس ))(28) إن عمل الاستعارة  و سر جمالها هو أن تكون معبرة عن شعور الأديب/الشاعر , ملائمة لأفكاره , متسقة مع غيرها من الصور في الموضوع ، وبإمكانها خلق صور خيالية متعددة باستعارة شيء لشيء آخر ليس من طبعه ، وكذلك  تحول من الطابع

التقليدي الى طابع تجديدي وتخييلي ، فهي بالنتيجة (( حاجة نفسية يُروى بها ظمأها بالخروج من قمقم المعاني الجاهزة  التقليدية – المكررة  الى مجرات التخيل والسمو الوجداني  مرورا بالرؤى والكوابيس والخرافات والأساطير  والتواريخ وغير ذلك مما يجعل النفس في لهاث دائم لخلق الصورة الأخرى التي تؤطر إبداع النص بالاستعارة التي هي منفذ من الاحتباس نحو فضاءات لدى الناص))(29)وشعر الدكتور طالب التميمي فيه استعارات وصور بلاغية، حيث يقول في قصيدته ( أناشيد الخراب):

الفُ سهو في بلادي قد حَظى

بنجوم من دخان ومضى

أعرجُ الحرف سليلُ البَبَغَا

شاءَ ربي في قضاءٍ   فقضى

أيُ عُهر في زمان غائبٍ

كم  دَعيّ صار شهما وفضا

كم قبيح صارَ نجما شاهقا

فاحتوته  الترهات  كاللظى

والصورة الاستعارية واضحة من خلال(ألف سهو حظى)، فهدا دلالة على اشتداد الخطأ وتفاقمه في البلاد، فتحول الأمر الى( السهو) وهو الغفلة، أي أننا لا بوعينا، بل بالغفلة نحتكم على الاشياء ونقود تأريخنا، و( نجوم من دخان) دلالة على تلوث الأنفس وضيق الأنفاس، حيث تتحول( النجوم

الزاهرة المزدهية بالصفاء واللمعان الى دخان) وهذا دلالة على أن حياتنا ما عادت ملكا لنا بل هي أسيرة أخطائنا التي لوثتنا بالانهزامية والخنوع والاستسلام.

وقال الشاعر التميمي في قصيدة (قراءة في تأريخ الصبر):

أَوْلَموا للمتعبين كذبهم

كُلُ  يَوم ٍ يرقصون   كالدمى

أشبعونا من فُتات عَسْفِهم

وأذاقونا الشراب العلقما

أيُ وَعدٍ يا الهي   قولُهم

ماتَ فينا كُلُ عَزمٍ    عندما

أيقظونا من كوابيس اللظى

وأذاقونا  جنون المَشْأَمَهْ

فالصورة الاستعارية في هذه القصيدة، تبدأ أولا ب( أولموا للمتعبين كذبهم)، فهذا استعارة لفظية عن معنى آخر هو(أنهم يملؤون حياة الناس بالأكاذيب) ثم يضحكون ويسخرون من الأبرياء والفقراء، ويحتفلون ويرقصون كالمجانين، والصورة الاستعارية الأخرى ( أشبعونا من فتات عسفهم)، فهم قد اعتادوا أن يسقطوا ظلمهم على الناس بشكل تدريجي، حتى لاتظهر الصورة البشعة لسياستهم الخربة، فكل يوم ( قطرات من الظلم والتعسف) حتى اختنقت الناس من كثرة هذه القطرات التي تحولت الى بحر من الظلم والعدوان، فالاستعارة هنا استعمال اللفظ في غير محله ، أي تقول شيئا وتعني شيئا آخر.

ج-الصورة الكنائية:

الكنائية احدى اساليب البيان العربي ووسيلة من وسائل تصوير المعنى فنياً, ومظهر من مظاهر الابداع التعبيري في تجسيد المعنويات ونقلها الى

المحسوسات (30), وهذه طبيعة التصوير البلاغي التي تكشف عن جمال التعبير الذي يتمثل في طبيعة الوسائل التي تشخص المجردات فتجعلها محسوسة, والمراد بالكناية أن يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني, فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة, ولكن يجيء به على معنى هو تاليه, وردفه في الوجود, فيؤمئ به اليه, ويجعله دليلاً عليه (31)فهي عند الجاحظ من الاساليب البلاغية التي يتطلبها التعبير والتي ترتبط بالجوانب المجازية في تشبيه او استعارة او تصريح دون ان يفرق بين تلك المدلولات, فهو يعمم في القول في ان الكناية تكون احياناً افضل من الافصاح, فيقول: ((أوما علمت ان الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الافصاح والكشف)) وايضاً يقول: ((ومن البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة ان تدع الافصاح بها الى الكناية عنها, وإذا كان الافصاح اوعر طريقةً)) (32)وهي تمتاز بالدقة والغموض فتبعث المرء على التفكير واحالة الذهن في معرفة شأنها, بيد أنها تحقق جمال التعبير, وعمق التأثير في نفس المتلقي الذي لا يدركها الا بفحص المعاني والتعرف على ماهيتها في أثرها الإيحائي الذي يقدمه المعنى في اطار فني حسن تنم عن ذوق مبدعها.

يقدم لنا الشاعر التميمي صورة كنائية, ولكنها اشد غموضاً, حيث يرتفع بمستوى التعبير الى درجة من التصوير الفني الحي البعيد عن التقرير المباشرة والمغلف بشيء من الإيحاء الرامز, فيقول في قصيدته(ابن البتول):

زحفاً أتتكَ شموس الخافقاتِ دما

                    تأوي أليكَ وما هابت يداً وفَما

 

تلك المناراتُ طرّزنَ السماء رؤى

                    منها الضياءُ تباهى فيكمو ونما

 

أنتَ ابنُ مَن أرخَصَ الدنيا بعزّتها

                     لم يبنِ عرشاً بها أو يتخذ صَنَما

 

طوبى (حسينٌ )إمامَ المتقينَ وقد

                    باهى الرسولُ بكَ الأعرابَ والعجما

أتَتكَ طائعةٌ من غيرما نَصَبٍ

                كلُ المروءاتِ تطوي نحوكَ الهمَما