استدعاء الماضي البعيد وإسقاطه على الآني - رزاق الزيدي

  • 29-12-2020, 19:36
  • نقد
  • 158 مشاهدة

لبابة السر نشيد النشيج والحكمة والروح.

رواية/لبابة السر /شوقي كريم
العراق-دارالشؤون العراقية-ط١-٢٠٢٠

(هل اهتز عرش مردوخ ولم خلت المدينة المشعولة بالتوسلات من عطر وجوده العابق عبر قرون الإمتداد) ص٧ من هنا يشرع السارد عبر الزمن من لحظة الخراب وسقوط المقدس الزائف حيث تخلو المدينة منه هو وبقية الأرباب ولايستطيع درء الخوف والخراب عنها بصفته إلها لبابل العظيمة والذي إرتفع شأنه وغيّرت الأساطير والقصص ومنها قصة الخليقة البابلية تماشيا مع عظمة هذا الإله العظيم /مردوخ/الذي اصبح إلها قوميا للبلاد ومركزه المرموق الجديد *عادات وتقاليد الشعوب القديمة.د.فاضل عبد الواحد..
حيث يحدث السقوط بعد موت حمورابي العظيم الذي وحّد البلاد وعظّم مردوخ إذ غدت بابل عاصمة عظيمة قبل ان تسقط وتخرَّب من قبل الجيوش الحثّية القادمة من آسيا الصغرى ومن ثم الكشيّة بسبب ضعف الملوك الذين خلفوا حمورابي بالحكم وإنشغالهم بملذاتهم ونسائهم وإهمال البلاد وتجويع العباد.
تبدا الرواية معتمدة دمج الخيالي بالواقعي ومزجه ومحاكمته ومحاورته ومحاولة توجيهه وتغيره بطريقة ميتاسردية مجازفة شجاعة ومتجرِّأة عبر زمن طويل متخيل حيث الحكايات والأساطير وإبتكارات المخيلة والحكواتي الذي تحول لاحقا وبالتراكم والخبرة الى السارد الخالق المبتكر المصنّع والمفكك والمركب الماهر عبر حوار طويل راح فيه الكاتب شوقي كريم/شوقيا/ ومن خلال خبرته المتراكمة في الكتابة وثرائه وإكتنازه المعرفي في التاريخ والأسطورة وبقية حقول المعرفة ومعايشته الواقع وتجربته مع الطوامير والسجون شخصيا وقيادته إحتجاجات فردية اوجماعية عبر حياته من خلال الكتابة اوالإحتجاج المادي المؤدي الى التهلكة راح يصوغ هذا المنلوج على لسان الآلهة البابلية ومادونهم مثل قائد الأوركسترا يوجه ويحاكم ويحاور ويتوسل وينفعل ويتفاعل ويبكي في أحايين كثيرة بتماسه مع الآلهة والأرباب والملوك مع الحاكم-المحكوم--الشعب-حوار مع حكام عادلين وآخرين طغاة.
كان السارد يعرف الى أين يريد ان يصل وكيف يوجه بوصلة سرده خاصة ونحن نعرفه كاتب دراما من الطراز الأول حيث انتج سابقا نصوصا درامية كثيرة تشتمل على صراعات وذات حبكات محكمة
إن مايحدث هنا من حوار متنوع وكثير وكبير تتخلله اسئلة كثيرة بحثا عن اجوبة.. أسئلة تشوبها لوعة الفجيعة والعتب المر تتخلل جسدالنص ومقاطع شعرية هنا وهناك اينما إستدعت الضرورة جاءت موائمة مع النص ولم تشوهه أوتضعفه مع إننا لم نقرأ اونسمع سابقا إن شوقي كريم/شوقيا /شاعرا لكننا نعتقد الآن إنه شاعر مخبوء اوان مايحدث من تفاعلات وإنفعالات أدت الى تثوير اللغة ومنحها دفقا وحرارة أنتجت لنا شعرا...

/من ينزع من ذاكرتي حلما. من يقدر ان يقلع وشما يتربع
فوق عقودي الأربع؟
يغرس وسط كياني جذرا
كالنخلة تخترق الأرض!!
تفتح نحو الرب القلب ص٤٣٣

أعود لأقول إن سحب الماضي وإستدعاء التاريخ البعيد جدا بأساطيره وملاحمه وسلالات ملوكه ورقمه ومعابده ومحاكمته ومزجه بالآني والتعامل معه كأنه وقائع حقيقية وواقع معاش ليس امرا سهلا ولايستطيع ذلك إلا الذي يمتلك قدرة هائلة على التخيّل والإبداع والتركيز وذو إكتناز معرفي ودربة عالية وكبيرة على الكتابة وأخاديدها ومنسرباتها وقد إستطاع الكاتب شوقي كريم من خلال إمكاناته الهائلة بالسيطرة هذا العمل الكبير أعني/لبابة السر/والخوض في مجازفة في التاريخ والإسطورة وتوشيجه مايحدث في الواقع ولدت /لبابة السر/ التي تستحق القراءة بتأني وإستحضار الحضارة الرافدينية ومدى تأثيرها على المابعد في العراق وعبرالزمن وتوالي الأجيال وإعادة السؤال وتكراره هل هي لعنة ازلية ام مايحدث من إنتكاسات وخيبات وخراب وتدمير وسقوط ممالك وعواصم رافدينية مردَّه خلل إجتماعي اوديني او.. حينها
في الرواية إدانة لكل الذي جرى عبر التاريخ الرافديني من طغيان وانانية مرموزا ب(تلي حاشر) الذي اخذ كل شيء من بابل ولم يعطها اي شيء إنّه الوجه السيء الذي يقابله وجها لوجه صادا الخراب ممثلا الإيجابيه والجمال /إيرا العاشق/الفائض حبّا وجمالا والذي لايمكن ان يسعى للخراب والخيانة لأن العشّاق يبنون المدن ولايخرّبونها يفيضون عليها من أرواحهم الجليلة النبيلة.
بابل المخربة في /لبابة السر/هي بغداد المخرّبة الآن بسبب وجود الأرباب والملوك الحفاة الأجلاف قبل هذا التاريخ.
المحنة هي نفس المحنة تتكرر على شكل مأساة اومهزلة وكأنه قدر يلاحق الناس في تلك الجغرافية وقاطنيها من الرافدينيين إذ يرد في تلك السطور..
(بابل طريقان لايمكن لهما اللقاء أبدا..ماالذي أخذته بابل من حروبها الخاسرة غير ضياع مابناه نبونيد وانهار من ترقب وشك، تلك هي محنة بابل) ص٧٩و٨٠
وأيضا ومن خلال إسقاط الماضي على الآني(تلك هي محنة بغداد أيضا) ومحنة فتاها /شوقي الآن البغدادي/ الذي يناظر /شوقيا البابلي / بإعتبارها عاصمة وريثة.
لغة الرواية فيها مسحة صوفية اشبه بالطواسين في مواضع ومساحات كثيرة تلامس الشغاف وتشي بصدق الحديث والإخلاص للنص بصفاء وصدق التوغل في الذات والقياس عليها وتحويلها من الأنا الى الأنتم اوالهُم ومن خلال اللغة نتلمس ونشعر هناك فيض روحي من خلال الحوار مع الحكيم والكاهن وطرح مايعتمل في القلب والروح بحكمة حيث لغة الكاهن لاتوازي لغة الحكيم ولاتضاهيها فينحاز للحكمة بيقين ساطع ملؤه النور
وحسنا فعل الكاتب حين قسَّم روايته على شكل رقم وليست فصول وتسمى /شوقيا /بدلا عن/شوقي/ ليجعلنا تخيّليا قريبين من اجواء بابل القديمة أوفيها

في لازمة مؤلمة ومثيرة للوجع وقريبا من نهاية هذا النشيد الطويل والذي يمتد لمسافة ومساحة-٤٦٤-صفحة حيث ينشج و يقول هكذا
/شوقيا عذبٌ ماءُ انهارها
عذبٌ ماءُ شط الفرات
ليؤكد تمسكه بها مهما كان الثمن سيبقى ملتصقا بها بالرغم من كل هذا الخراب.

ومن الحق ان نقول لايمكن الإحاطة بكل شيء نقدا وتأويلا وكشفا لعمل ضخم ومسبوك اقصد/لبابة السر/أبدا
تهنئة من القلب للمبدع شوقي كريم بهذا الإنجاز الضخم نوعا وكما مع المحبة.