قيامة الوعي... حين تتحول القصيدة إلى رحلة في مكاشفة الذات
قراءة في قصيدة الشاعر رافد عزيز القريشي
هناك قصائد تُقرأ، وأخرى تُعاش. وهناك نصوص لا تكتفي بأن تُنشئ صورًا شعرية، بل تدعو القارئ إلى خوض تجربة وجودية يتداخل فيها الفكر بالحدس، واللغة بالمكاشفة. ومن هذا اللون تأتي قصيدة «قيامة الوعي» للشاعر رافد عزيز القريشي، التي تمضي في مسار تأملي عميق، يجعل من الوعي محورًا لرحلة تتجاوز حدود الجسد والزمن والهوية، لتلامس أسئلة الحقيقة والوجود.
قيامة الوعي
يقودني الوعيُ، هذا ما جنتْه يدي ... ساعٍ إلى اللهِ منزوعاً من الجسدِ
من دونِ عينيَ، ولكنْ أستدلُّ إلى ... ما يشبهُ الدربَ مرفوعاً بلا عَمَدِ
أسري لمطلقِ غيبٍ، كان يحملني ... كأنني ومضُ سرٍّ مترعَ البَردِ
وأبصرُ الماورائي كي يزلزلني ... سرٌّ من النورِ في كونٍ بلا عددِ
فأنطقُ الرعبَ، أهوالي لها لغةٌ ... في صوتِها الصمتُ أشجى لهفةَ الكَمَدِ
ألقيتُ سرمدَ وعيي والظلامُ بَدا ... في اللاشعورِ لتفنى صرخةُ الأَمَدِ
لأتركَ السمعَ لا صوتٌ يحفُّ بهِ ... سوى انخطافِ وجودِ صيغَ من مسدِ
وأخذلُ النطقَ لا جدوى تراودني ... فكلُّ معنىً يناجي الصمت في خَلَدي
وأخلعُ الاسمَ... لا أدري لمن نُسبتْ ... تلك الحروفُ، ومن في الحرفِ لم يعدِ
حتى الجوارحُ كانتْ ظلَّ قافلةٍ ... والروحُ تمضي لمسراها بلا عَضُدِ
فلا الجهاتُ جهاتٌ حين جوهرها ... بهِ المسافاتُ تُدني أيَّ مُبتعِدِ
ولا الزمانُ يعدُّ الآنَ ثانيةً ... كأنَّما أختالَ في نزرٍ من البدَدِ
وصارَ ثقلُ وجودي في مكاشفتي ... عين اليقين التي تنأى عن الصَّفَدِ
وأدركَ المحو في تمكين خلوته ... وعياً تجلّى على آلائِهِ الجَدَدِ
تفكَّكَ اللامسمّى الثَّرُّ فانكشفتْ ... شمسُ الحقيقةِ من أعماقِ معتقدي
ماهيةُ الظلِّ قد أغوت سلالتَها ... حتى ظننتُ أثيري قاتلَ الكَبِدِ
تكسّرتْ في استلابي صورة صنعتْ ... منّي يقيناً هشيماً دونما سَنَد
وعادَ كلُّ سؤالٍ كنتُ أحملهُ ... باباً لخلوة تمكين من الفَنَدِ
ثم انمحيتُ... فلا اسمي يؤرّخني ... ولا ملامحُ وجهي، ترتدي صددي
كأنَّ سِفْري إذا ما ذابَ في عدمٍ ... صارَ الفراغُ مدارًا خالصَ الأددِ
ولم أعدْ قطرةً تسعى لهندسةٍ ... من الخرائطِ تطوي فجوةَ المَدَدِ
حتى تلبستُ أُنثى الوعي إذ صنعتْ ... معي حدودًا... من التمكين... للأبدِ
رافد عزيز القريشي
قراءة نقدية
نجح الشاعر رافد عزيز القريشي في بناء نصٍّ يتحرك من حدود الوعي إلى فضاء المكاشفة، جاعلًا من الرحلة الداخلية محورًا أساسيًا للقصيدة. فهو لا يصف تجربة روحية بقدر ما يعيد تشكيلها شعريًا عبر لغة كثيفة بالرموز والإشارات الصوفية، حيث تتوالى مفردات مثل: الوعي، المطلق، الغيب، المحو، الحقيقة، اليقين، واللاشعور لتؤسس فضاءً فلسفيًا يتجاوز الوصف إلى التأمل.
وتتميّز القصيدة بقدرتها على تفكيك الهوية المألوفة؛ فالذات تتخفف من الاسم والجسد والجهة والزمن لتبلغ مقامًا أقرب إلى الفناء المعرفي، وهي رؤية تقترب من التجربة الصوفية أكثر من اقترابها إلى الطرح الفلسفي المجرد. كما أن البناء العمودي وإيقاع البحر منحا النص وقارًا ينسجم مع ثقل موضوعه، فبدت الموسيقى الداخلية جزءًا من التجربة لا مجرد إطارٍ لها.
ولعل أبرز ما يلفت في النص هو أن الشاعر لا يتعامل مع الوعي بوصفه حالة ذهنية، بل باعتباره تحولًا وجوديًا يعيد صياغة علاقة الإنسان بنفسه وبالكون. ولهذا جاءت الحركة الشعرية قائمة على التجريد، حيث تتراجع المحسوسات لصالح الرمز، ويتقدم البعد الإشاري على الصورة المباشرة.
غير أن كثافة المجازات وتراكم المفاهيم الفلسفية تجعل القصيدة تطلب قارئًا يمتلك أدوات التأويل، إذ يغلب الفكر أحيانًا على الصورة الحسية، فتقترب بعض المقاطع من الأطروحة الفلسفية المصاغة شعريًا. وهذه سمة قد تزيد النص عمقًا عند القارئ المتخصص، لكنها قد تحدّ من انسيابه لدى المتلقي العام.
ومع ذلك، تبقى «قيامة الوعي» تجربة شعرية جادة وطموحة، تنتمي إلى الشعر الذي يسعى إلى مساءلة الوجود أكثر من انشغاله بوصفه، وتؤكد أن الشاعر لا يكتب القصيدة بوصفها غاية جمالية فحسب، بل بوصفها طريقًا إلى المعرفة، وحوارًا مفتوحًا بين الوعي، والوجود، والحقيقة.