أجود مجبل في تأطير المتخيل تناصّاً - عدنان أبو أندلس

  • 21-02-2021, 12:13
  • نقد
  • 176 مشاهدة

إن الاختيار لهذا " النَص " المُكثف  الذي  راقَ لي كثيرا ، وأعجبني توظيفاً بعنوانه الفاعل والماثل  في حياتنا اليومية  المعاصرة  ، فاختياري لهُ  لم يكن مروراً عابراً بذلك ، بل تفحصتُهُ بتروٍ ودراية ، وقد تحسستهُ ملياً ؛ بأنهُ حقاً يحملُ رؤىً ودلالات راسخة عُمقاً ، لذا التقطتهُ من بين النصوص المنشورة على صفحة التواصل الاجتماعي ، فكانت عنونته " اشارة ضوئية  " جذبني لدراسته ؛ صدقاً ، لم يكن هينٌ بتوظيفهِ وحبكتهِ  ؛  رغم قصرهِ وتكثيفهِ المضغوط ،  بل كان عسيراً بالمطاوعة  والتحليل ، لما يحملُ نزعة حداثوية  بحمولاتها الدلالية العميقة والمكثفة والمبثوثة في المتن ، يستبطن أكثر مما يدركهُ المُتلقي الحاذق  ، يُعلن مما يتيسر لهُ من الرؤى التي يدركها العارف  ، وقد لاحظتُ فيهِ من التناص الذي يشعُ من بين أسطرهِ .  

                  لم يُفصح عن تأويله بلحظتها ، بل الغور بأعماقهِ لمرات عدة  ، ولا يعطي نفسه بسهولة ، بل خلقَ لهُ من المصدات التي تكفي وتفي من عدم اختراقها بسهولة ، ومن الدعامات ما يكفي أن  تصدك  كلما ولجت لأسواره ، ومتنه ؛ هو الآخر متجافٍ  في مناورة اللغة ومراوغتها وألاعيبها  .

     هذا النص رأيتهُ رغم تماسك وحدته العضوية  التي تُلزمك أن تسير بك الى النهاية ، إلا أني اقتطعتُ منهُ  النفس الشعري  المُتيسر بذلك ، كي يسهل من تقطيعهِ ، لذا جزأتهُ الى ثلاث أقسام  كما في فن الإلقاء .

فالإشارة الضوئية كما هو متعارف عليها عالميا وفق تركيبتها تنقسم هي الأخرى لثلاثة مفاتيح أيضاً ، وقد نرصد ذلك من توهجاتها التي تسطع بأذهاننا بألوانها عند مفترق الطُرق . وقد تُحيلنا هذه الأقسام الثلاثة أو الدلالات لتوصيف " دنيوي – آخروي " وتطبيقاتها على هذا النحو المسرود من التصوير والتَصور  والتخيل لما يحدث لاحقاً :

إشارةٌ ضوئيةٌ على طريقِ الحَجِّ

تَحمَرُّ مِنَ الذنوبْ

فيخرُجُ الأطفالُ أسرابًا

            من حيث المعلوم بأن الاشارة الضوئية نظام  عالمي يسمح بالعبور وفق الآليات التي تسمح بتدفق الحركة والسيطرة عليها بشكل آمن ودقيق  . لكن حين يذكر  طريقِ " الحَجً " فسيكون لهُ دلالة مميزة عمن سواها من الطرق ، فمفردة " الحج " جاءت بتغطية وموفقة على مدار المتن ،  ربما يعني طريق الصراط المستقيم ، لأن هُناك آلاف الطرق الممُتدة في العالم كلها توصل للنقطة التي  يراد القصد لها ، أما " الحَجً " فلهُ مدلولٌ عميق كونهُ ركنٌ  يذكرنا بالأهوال والحساب يوم المحشر، فطريقهُ عسر الا من تحصن بمضادات تحميهِ من ذلك ، كأن يكون "  زاد التقوى " . ولو أخذنا التقارب والتشابه اكثر ،  لتبين منها صورة بصورة " دنيا وآخرة " وما بينهما " البرزخ " ،  فالإشارة اللونية الحمراء  تشي الى " النَار " حساب " دنيوي – آخروي " وفق الإحتكاك الحياتي بالتشابه ، لما للإشارة من دلالة أمر " قِف " تواكب تناصاً الأمر الرباني"  وقفوهم إنهم مسئولون "  .

              أما اللونية " البرتقالية أو الصفراء " فلها وقفة مؤجلة العبور = منطقة الأعراف التي ترسخت بأذهاننا من أنها  حاجز رباني  بين الجنة والنَار " فالحد  هُنا وسطي ، لا يمكن اختراقهُ  لهذا كان المقام مؤجل فيهِ ، من حيث قد تساوت به " الحسنات والسيئات " فالميزان متعادل بالكفتين ، لذا يمكن البقاء لهذه " الفئة "  فيها لفترة قد يسمح لمن فيها بدخول الجنة الموعودة.  أما اللون " الأخضر "  لون النمو والخصب  والسلام ، قدْ يلاحظ بقدسيتهِ التي نرصع بها أكثر الأشياء حسب الموروث  كي نتبارك  بها  ، وقد تكون الإشارة  هي المرور بنجاح  بـ إدخلوها بسلام آمنين . وهُنا جاء توظيف الأطفال  كدعم اساسي لكل ما يختزن الذهن من دراية ، حيث انهم بعيدون عن دخول " النَار " لبراءة أعمالهم ، فخروجهم الذي ذكرهُ هو من " الجنًة " بدليل ليس لهم من حساب يُذكر، بل ربما للتفسح ، أما في دنيانا هذه فهم للكداحة والضيم الذي نهش في اجسادهم  ... والله أعلم :

يبيعونَ المناديلَ على الذين لا يبكُونْ

وربّما باعوا مواعيدَ تأخَّرَتْ

وأشهُرًا تَكَسَّرَتْ

أو ضَحِكًا تملؤهُ الثقوبْ

           هُنا يمكن أن نستنطق الرؤى بأن الفعل المضارع المسبوق بـ لا  النافية  للفعل  " يبكون " من خلال استقراء الأبعاد لمدلولات النَص ، لأن الجنة لا بكاء فيها ، بل هم فرحين بما اتاهم من نعمة . أما في حياة الدنيا فهم لا " يبكون " لأنهم ميسوري الحال فلا حاجة للمناديل التي يبيعها الأطفال . تبين من أنها ترتكز على ثلاثية أُخرى ؛ ألا وهي المفردات الثلاث التي تتمحور في هذا المقطع " باعوا .. أشهراَ ... ضحكا " هذا التمحور الذي ضاعف من البنية النصية المعانقة للأحداث التي تبنتها . ركيزة الانتظار المُملة التي وظفها هي من طغت على التركيبة بهذا الشكل الذي رسمهُ :

ستَحفَظُ الرمالْ

أقدامَ مَنْ مشَوا عليها

في طريقِهم إلى الزوالْ

وفي غدٍ ثَمّةَ أطفالٌ سيولدونْ.

                  من هُنا يمكننا من المقاربة في البناء النَصي من حيث التشابه ، وكما هو متعارف بأن يُحشر الناس يوم القيامة على أرضٍ خالية ومسطحة ورملية كما بدأت لأول مرة ، مستوية ليس بها معلم  شاخص للتعريف ، كما هو التساوي بين البشر ،إلا بالأعمال ، لأن الأرض المستوية تُعلن آثار الأقدام التي سارت عليها " من مشوا عليها " كدليل قطعي للتشخيص دون إنكار ، كما هي البصمات التي تترك آثارها على الأشياء . فـ وقت الزوال الذي ركز عليه ، ربما يقصدهُ زوال الحياة ، الشمس ، وقت الظهيرة  حيثُ الشمس عمودية فوق سِمة الرأس والظِل مختفي تحت الأقدام ، هذا التوقيت الحصري للاستنطاق الرباني في بيئة قاسية لحظتها رمال وزوال وظهيرة  ، هو مقياس حركي فاعل فيها .هذا من ناحية القياس الزمني  ، وغيرهُ من توقيتات مُبينة  اراد منها لحظة زمنية محرجة في توزيع المحصلة النهائية لبني البشر كمكافأة لما بدر منهم خلال سني العُمر الذاهب هدراً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ