الهوية مشتركات ثقافية

ناجح المعموري
  • 14-09-2022, 15:53
  • مقالات
  • 34 مشاهدة

الثقافة بنت لحظة محددة ومعروفة هي ما بعد الطبيعة ، هي نتاج ازمنة وافراد وشخوص وجماعات ذات مميزات دالة على الأفراد ، التي اصطفت وحازت صفة لها . وتعمقت عناصرها والقرابات الشبكية فيما بينها . وسط هذا النموذج الجمعي تنزرع خصائص لها ما يجعلها ثابتة ومتداولة . وهكذا تتسع الجماعات ولها تشكل لا يختلف عن التي سبقت اذا لم تكن اكثر تماسكاً وقوة وزخماً في بلورة ما يجعلها ذات مميزات معرفة بها وتجعلها متباينة عن غيرها ، لكن بالتوسع والامتداد ، يكون الثقافي الشعبي سمة للجماعة ، عبر الازياء ، الوشم ، الرقص ، الغناء ، المقابر ، كل هذا ما جعل منها جماعات تحاورية . ومعروف بأن بعض المكونات الخاصة للثقافة الشعبية ، فيها حمولات دالة على جماعة ما ، لان الثقافي ينطوي على رمز دال عليها او وجود اسم في اغنية او اسم لون غنائي منسوب لشخص معروف ، والانتساب كذلك دائماً ما تكون الثقافة الشعبية موجزة وقوية النسق والايقاع ، حتى تسهل مهمة الحفظ المتداولة والتي تجعل ذلك جزءاً حيوياً من ذاكرة الجماعة وبالتالي ترتبط الذاكرات مع بعضها ويتعزز الملمح الايجابي للمشترك بينها معاً ويتحول هذا المشترك الثقافي الى هوية خاصة بالجماعات ، تعتز بها وتغذيها وتراقب تداولها بين الافراد وتصون نوع الاتصال وتحميها من التشويه .... حتى تكون الهوية شرفها الثقافي المدافع عنه حتى الموت . التآخي بين الافراد والجماعات مساعد على انتاج ما تتطلبه الحاجات اليومية الحياتية الدنيوية .

معبراً عن كل هذا  بواسطة الأسطورة والسحريات التي تتكون بنية اولى للمعتقدات والشعائر والطقوس ، وتتكرس تدريجياً بالمواسم المعينة والفصول وتصير ديناً خاصاً للجماعات ، والذي يتكرس بواسطة الهوية ، حيث يلعب دوراً مهماً للغاية . وكل من هذه العناصر التكوينية تعني بحضورها جزءاً من الثقافة الشعبية التي تخندقت من خلال التداول ، لأنها ــ الثقافة ــ اهم علامات الانسان وابرزها الاسطورة التي ــ كما قال علي حرب ــ هي نظام شامل وكلي ولذا فهي تشرح كل ظاهرة وتحيل كل شيء وتبت بأية مشكلة . فالتفسير جاهز سلفاً في التصور الاسطوري ولكل سؤال جواب ما دام ثمة اصل يرد اليه كل شيء ، ما دام ثمة مبدأ اوحد يفسر من خلاله كل حدث . ولكن النظام الذي يجيب عن كل الاسئلة لا يجيب في الحقيقة عن اي سؤال ولا يطرح اصلا سؤالاً حقيقياً .

في هذه التجربة البدئية التي تكونت فيها الرموز الاولى للتفاهم والتصاوير ذات المعنى الذي يذهب اليه الفرد حتى يبث رسائل التفاهم مع غيره . مثل هذا البدئي الاول الذي استوعب الاسطوري من خلال الاشارات والرموز والصور المرسومة على الطين ، انبعثت لحظة وعي المطلوب واعني به اللغة التي احتضنت منذ البدء ما يحتاجه الانسان / كفرد والجماعات . كانت اللغة قادرة على استيعاب ما يريده الفرد وما تحتاجه اليوميات المعروفات للتعبير عن الحياة وبالتالي استمر هذا وظل الاسطوري مهيمناً بقوة الدلالة وتدريجياً تقشرت اللغة ، وتخلصت ونزعت ما هو زائد .

كان الاسطوري يتحكم بسياقات اللغة والحياة اليومية للناس وجعلها لغة يومية محملة بالميثولوجيا دون ان تمارسها ، اي الابقاء على الروح البدائية مضمرة وبمرور الزمن اضفى هذا البعد تحت عباءة التراكم التاريخي للحياة الاجتماعية . فالحياة اليومية تحمل اجنة اسطورية غير قابلة للتوليد ، لان الادوات الاهية الاسطورية القديمة قد عطلتها ادوات النهضة الجديدة ، ولكنها لم تختلف كلياً / ياسين النصير / شعرية الحداثة / دار المدى / 2018/ ص104.

ما قاله المفكر ياسين النصير ، يمثل التقاطاً للتجوهر ، او البذرة المعرفية التي جسدت لحظة المبتدأ الاول في الحضارة الاولى في الشرق ودائماً ما اعني بها سومر ، هذا البدئي السري لا يتعرف عليه الا الفرد الذي عاش مخاضات الخلق العام في الحياة وتعرف آلية التكوين ، حينها ادرك نمو المخفيات وتوصل الى اسرار الكائن البشري واعني بها اللغة التي لا اعني بها النطق وانما التصاوير التي ابتكرها فوق سطوح الطين وتعلمها الأفراد والجماعات ، لأنها ذات قيم شعرية ، تفيض بجماليات اليومي التي ادركها الكائن وتعايش معها واغتنت بها الشعرية التي طوعها الفرد وغذاها بالمتداولات اليومية التي تحولت بالتدريج وببطء ، الى شعرية صار لها انعكاس جوهري على يوميات الحياة . وحصرياً على حياة المرأة وجعلتها من جماليات مألوفاتها . ذكاء ياسين النصير وطاقته المتحركة تمنح الافكار والمفاهيم نوعاً من الجمال والتوق لإقامة علاقة أزلية ، خلاقة مع المعروف وتحيله الى مكامن الحياة التي ذهب الانسان نحوها حتى الابد .