الفن العراقي القديم الاختام الاسطوانية انموذجاً

ناجح المعموري
  • 14-09-2022, 15:29
  • مقالات
  • 36 مشاهدة

لقد عرفت الحضارة العراقية اشكالاً عديدة من الفنون وعبر مختلف وسائل التنفيذ ، ومن هنا جاء تميز وتفرد هذه الحضارة ، ولعل اهم ما يميزها فنياً عن الحضارات الاخرى في الشرق ، هو من الاختام الاسطوانية ، هذا الفن الذي لم نعرفه بشكل واسع ، الحضارات الاخرى ، على الرغم من انها لم تستطع الصمود امام التأثر به ، لكنها ظلت قريبة منه ، مع علمنا بانها ــ الحضارات الشرقية ــ قد تناغمت مع انجازات الحضارة العراقية القديمة ، ابتداءاً من حضارة اور ، وتأسيساتها الاولى . لذا بامكاننا ان نؤشر واحدة من اهم ملامح الفن العراقي القديم وحصراً الفن السومري .

ومن هذه التأشيرات الفنية المهمة ، منجز الاختام الاسطوانية والذي يمثل احد اهم الانجازات الحضارية ، والتي اتقنها الانسان في العراق القديم منذ 35000 ق . م ولم تكن الاختام الاسطوانية / لو المحفورات مكتفية بالحفر فوق الطين ، وانما وجدت نماذج عديدة ، محفورة على الحجر والمعادن النفسية ، مثل الذهب والفضة . والعمل الفني على تلك المعادن ، يعني ــ حتماً ــ وجود اقتران بين العمل الفني وبين مؤسسة دينية او سياسية من اجل ان يكون واجهة ــ العمل الفني ـ او هدية ما ، لذا تم اختيار المعدن الثمين ــ وسيلة للتنفيذ ، كذلك تم استثمار الرقائق الصفيحية . واشار الفنان رافع الناصري الى ان عناصر الاختام الاسطوانية ، لا تختلف كثيراً عن فن الكرافيك . فنجد الرسم والحفر والطباعة على الطين ، وهذه تمثل اساسيات العمل الكرافيكي المنفذ على الورق .

وتصدى مهارة الفنان العراقي القديم في اختيار المساحة التي يشتغل فوقها على الطين ، وهي مساحة صغيرة جداً ، وتمكن من ضبط الاشكال وتحقق عنصر انسجامها وتناغمها مع المختلف واياها ، وهذا ما يلاحظ بوضوح تام في اشكال الانسان او الحيوان والاشجار ، هذه التكوينات المختلفة ، لم تكن مجردة وانما ذات وظيفة ، او مجموعة وظائف دينية / سياسية / اجتماعية . ولعلنا نتذكر الاختام الاسطوانية المعروفة والمشهورة عن الملك جلجامش ، الملك الخامس في سلسلة الملوك الذين حكموا مدينة اوروك بعد الطوفان .

يبدو بأن اهتمام الانسان العراقي القديم بالأختام لم يكن اهتماماً ذاتياً وشخصياً ، وانما هو وسيلة تدوينية في مرحلة شيوع اللغة التصويرية ، او نشط في فترتها هذه ، والاهتمام بالأختام تجسيد لموقف سياسي / ديني ، لذا نجد بأن الاختام قد تمركزت حول مواضيع عديدة ، لكنها ذات صلة بالنظام السياسي ، والمنظومة الدينية وسلطة الالوهة . لذا كانت اكثر الاختام خاصة بالملوك والالهة ، ومتجسدة لعقائد دينية عرفها الديانة العراقية القديمة . ولنا في الاختام الاسطوانية الخاصة بالملك جلجامش ، وهي دليل مهم ولافت للانتباه ، وكان لفن الاختام تأثيرها الواسع لاحقاً ، حيث امتد في المراحل الحضارية المتقدمة عبر خصائصه وبعض تفاصيله الدقيقة والبسيطة ، والحفر المتناهي جداً ، وهيمنة الفنان القديم من خلال قدراته على تجسيد الموضوع الذي يشتغل عليه ويريد ابرازه مع ملاحظة كون الاسطوانة ذات حجم صغير جداً .

ولعل اهم الملامح التي ميزت عمل الفنان العراقي القديم ، وهو الوعي بتفاصيل التكوين الاسطواني ، والتمكن من العناصر الذاتية ، لكل من الحيوانات المشكلة للختم وهذا ما يتبدى واضحاً في الاشكال التصويرية الخاصة بالحيوانات وحصراً الغزلان . كذلك الرموز الشائعة والتي عرفتها الحضارة القديمة / الديانة العراقية ، وهي رموز ذات وظائف دينية ، لكنها ساهمت ببلورة مفاهيم لها صلة بالفن العراقي القديم ، وتحولت الى خصائص ثابتة .

ان الفن العراقي القديم ــ بشكل عام والاختام حصراً ــ ما كان ليكون وليتمركز هكذا ــ ومثلما عرفته الحضارات ــ لولا الدين والنظام الالوهي . كما اننا في تعاملنا مع الفن العراقي القديم لا يمكن عزله عن محيط المحاكاة ونقل عناصر دينية  والاعلان عن وظائف ، لها علاقة مع الطقوس والقداسة . اي ان جينولوجيا الفن العراقي والفنون الشرقية هو ديني وقد اكد ذلك مالرو بقوله : الفن السومري ، مثلما هو حال الفن المكسيكي والمصري فناً مهتماً بالقداسة والتي تمثل بصفة بارزة عالم الوهم وعن طريق الفن وحدة اتخذ هذا العالم الوهمي شكله .

ان الاختام الاسطوانية ، التي اهتمت بالإنسان ولأسباب سياسية ودينية ، مثل جلجامش ، لم يحاول الفنان العراقي القديم تجسيدها مكن خلال عناصر بشرية ، واضحة الملامح تقربه من الحياة الانسانية ، وانما نزع عنه صفاته اليومية ، وقربه اكثر من الاشكال الالهية ، باعتبارها صفات دينية / سياسية وذات صفات مقدسة وبذلك حاز الانسان على صفات دينية لم تكن له من قبل .

كثيراً ما تشير المنحوتات بوجودها الواسع وسط المعابد ، وفي الاماكن الخاصة ، بداء الشعائر والطقوس لوجود علاقة شفيفة بين المكان والافراد ، كذلك هيمنة التجليات والاشراق الذي تثيره المنحوتات في دواخل النفس الانسانية ، والتي ساهمت بتكريس الصلة بين المكان / المعبود وبين الانسان واشار مالرو : الى ان الصفة الاساسية للفنون القديمة تعود الى محاولات الانسان القديمة للتعبير عن ذاتيته بوسائل لا يملكها الانسان . لذا فاننا نلاحظ بأن الفن البوذي والمسيحي اهتما بالجانب الروحي العاطفي المختلف بوسائله التعبيرية اختلافاً كلياً عن الوسائل الخاصة بالتعبير الروحي المقدس والذي عرف في الفن العراقي القديم .

ستظل الاختام الاسطوانية ، فناً عراقياً خالصاً ومثيراً للاهتمام والجدل ، وطغت عليه وفيه وظائف دينية مقدسة ، وامتدت بعض عناصره الى فنون اخرى في الشرق الادنى القديم ، ومنها فن حسونة ، حيث برزت تشكيلات زخرفية مدورة ، وتضمنت دوائر شكلتها حركة الاشخاص او الطيور والضفائر المربعات ، التي هي ايضا علامة شكلت الصليب باعتباره منظومة رمزية خاصة بالخصب وعقائده الدينة في التفكير العراقي والذي تطور في العصور اللاحقة ، ليرسم السواستيك المالطي المقترن بعبادة الشمس كعلامة سيميائية تتكون من منظومات رمزية ، صعدت نحو العديد من بلدان الشرق الادنى القديم .

ان البحث في الاختام الاسطوانية ، يقدم لنا فرصة نتمكن عبرها من تفكيك الختم / النص ، وعزل مفرداته المختزلة والمختصرة والتعامل معها كعناصر دالة على مدلول او مجموعة مداليل دينية / طقوس / عقائد ، تومئ كلها لمرحلتها وتاريخها ، حيث لا يمكنها الذوبان والاختباء .

كما ان تتالي تكرار العلامة في الاعمال الفنية ، يساهم بترسيخ مدلولها ، وبالتالي تتحول الى رمز ثابت يومئ لما هو ديني ثابت وراسخ ، في صياغة البنية الذهنية الاسطورية في العراق القديم .

ويلعب التكرار الخاص للموضوع السياسي والمتن الديني ( الملك ) نحو تحويل الختم الاسطواني باعتباره مجموعة منظومات دينية الى علامة ايقونية ، لا تشير الا الى مدلولها المباشر ، والذي لا يكون الا بها ، ولا تتجسد هي الا من خلاله وبه .