محمد مهدي الجواهري – هاشم الوتري

  • 7-08-2020, 12:40
  • شعر
  • 322 مشاهدة


مجَّدْتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا … وقضيْتُ فَرضاً للنوابغِ واجِبا

بالمُبدعينَ ” الخالقينَ ” تنوَّرَتْ … شتَّى عوالمَ كُنَّ قبلُ خرائبا

شرفاً ” عميدَ الدارِ ” عليا رُتبةٍ … بُوِّئْتَها في الخالدين مراتبا

جازَتْكَ عَن تَعَبِ الفؤادِ ، فلم يكن … تعبُ الدماغ يَهُمُّ شهماً ناصبا

أعْطَتْكَها كفٌّ تضمُّ نقائصاً … تعيا العقولُ بحلِّها . وغرائبا

مُدَّتْ لرفعِ الأنضلينَ مَكانةً … وهوتْ لصفعِ الأعدلينَ مَطالبا

ومضَتْ تُحرِّرُ ألفَ ألفِ مقالةٍ … في كيفَ يحترمونَ جيلاً واثبا

في حين تُرهِقُ بالتعنّتِ شاعراً … يَهدي مَواطنَهُ ، وتُزِهق كاتبا

” التَيْمِسيّونَ ” الَّذين تناهبوا … هذي البلاد حبائباً وأقاربا

والمغدِقونَ على ” البياضِ ” نعيمَهُمْ … حَضْنَ الطيورِ الرائماتِ  زواغبا

يَستصرخونَ على الشّعُوب لُصوصَها … في حينَ يَحتجزونَ لِصّاً ساربا

ويُجَنِّبونَ الكلب وَخزةَ واخزٍ … ويجَهِّزُونَ على الجُموعِ معاطِبا

أُلاءِ ” هاشمُ ” مَنْ أروكَ بساعةٍ … يصحو الضميرُ بها ضميراً ثائبا

فاحمَدْهُمُ أن قد أقاموا جانباً … واذمُمْهُمُ أن قد أمالوا جانبا

وتحرَّسَّنْ أنْ يقتضوكَ ثوابَها … وتوقَّ هذا ” الصيرفيَّ ” الحاسبا

لله درُّكَ أيُّ آسٍ مْنقذٍ … يُزجي إلى الداءِ الدواءَ كتائبا

سبعونَ عاماً جُلتَ في جَنَباتها … تبكي حريباً أو تُسامرُ واصبا

متحدَّياً حُكمَ الطباعَ ودافعاً … غَضَبَ السَّماءِ وللقضاءِ مُغالِبا

تتلمَّسُ ” النَّبَضاتِ ” تجري إثرّها … خلَجاتُ وجهِكَ راغباً أو راهبا

ومُشارِفٍ نَسَجَ الهَلاكُ ثيابَهُ … ألْبْستَهُ ثوبَ الحياةِ مُجاذبا

ومكابدٍ كَرْبَ المماتِ شركتَهُ … إذْ لم تَحِدْ منجىً – عناءاً كارِبا

ومحشَرجِ وقفَ الحِمامُ ببابهِ … فدفعتَهُ عنه فزُحزِحَ خائبا

كم رُحْتَ تُطلِعُ من نجومٍ تختفي … فينا وكم أعْلَيْتَ نجماً ثاقبا

هذا الشَّبابُ ومِن سَناكَ رفيفُهُ … مجدُ البلادِ بهِ يرفُّ ذوائبا

هذا الغِراسُ – وملُْ عينِكَ قرّةٌ … أنَّا قطفنا مِن جَناهُ أطايبا

هذا المَعينُ ، وقد أسلتَ نَميرَهُ … وجهُ الحياةِ به سيُصبْحُ عاشبا

هذي الاكُفُّ على الصدورِ نوازِلاً … مثلُ الغيوثِ على الزُّروغِ سواكبا

أوقفتَ للصَّرعى نهاراً دائبا … وسهِرْتَ ليلاً ” نابِغيّاً ” ناصبا

وحضَنْتَ هاتيكَ الأسِرَّةَ فوقَها … أُسْدٌ مُضَرَّجَةٌ تلوبُ لواغِبا

أرَجٌ من الذكرى يلفَّكَ عِطْرُهُ … ويَزيدُ جانبكَ المُوطَّد جانبا

ولأنتَ صُنْتَ الدارَ يومَ أباحها … باغٍ يُنازلُ في الكريهةِ طالبا

الْغَيُّ يُنْجِدُ بالرَصاصُ مُزَمْجِراً … والرّشدَ يَنجِدُ بالحجارةِ حاصبا

وَلأنتَ أثخَنْتَ الفؤادَ من الأسى … للمثُخَنينَ مِن الجراحِ تعاقُبا

أعراسُ مملكةٍ تُزَفُّ لمجدِها … غُررُ الشَّبابِ إلى التُرابِ كواكبا

الحْاضنينَ جِراحَهَمْ وكأنَّهمْ … يتَحَضَّنونَ خرائداً وكواعبا

والصابرينَ الواهبينَ نُفوسَهُمْ … والمُخجِلينَ بها الكريمَ الواهبا

غُرَفُ الجنانِ تضوَعَتْ جنَباتُها … بصديدِ هاتيكَ الجراح لواهبا

وبحَشْرجاتِ الذاهبينَ مُثيرةً … للقادمينَ مواكباً فمواكبا

غادي الحيا تلك القبورَ وإنْ غدت … بالنَّاضحاتِ من الدّماءِ عواشبا

وتعهَّد الكَفَنَ الخصيبَ بمثلهِ … وطنٌ سيَبْعَثُ كلَّ يومٍ خاضبا

بغدادُ كانَ المجدُ عندَكِ قَيْنَةً … تلهو ، وعُوداً يَستحثُّ الضَّاربا

وزِقاقَ خَمْرٍ تستَجِدُّ مَساحبا … وهَشيمَ رَيْحانِ يُذَرَّى جانبا

والجسرُ تمنحُهُ العيونُ من المَها … في الناسِبينَ وشائجاً ومناسِبا

الحَمدُ للتأريخِ حينَ تحوَّلَتْ … تلكَ المَرافِهُ فاستَحَلْنَ مَتاعبا

الشِّعْرُ أصبحَ وهو لُعْبةُ لاعبٍ … إنْ لمَ يَسِلْ ضَرَماً وجَمْراً لاهبا

والكأسُ عادتْ كأسَ موتٍ ينتشي … زاهي الشبابِ بها ، ويمسحُ شاربا

والجسرُ يفخرُ أنَّ فوقَ أديمهِ … جثثَ الضَّحايا قد تَرَكْنَ مساحبا

وعلى بريقِ الموتُ رُحْنَ سوافراً … بيضٌ كواعبُ ، يندفعنَ عصائبا

حدِّثْ عميدَ الدارِ كيفِ تبدَّلَت … بُؤَراً ، قِبابٌ كُنَّ أمسِ مَحارِبا

كيف أستحالَ المجدُ عاراً يتَّقَى … والمكرُماتُ من الرّجالِ مَعايبا

ولم استباحَ ” الوغدُ ” حُرمةَ من سَقى … هذي الديارَ دماً زكِيّاً سارِبا

إيهٍ ” عميدَ الدار ” كلُّ لئيمةٍ … لابُدَّ – واجدةٌ لئيماً صاحبا

ولكلِّ ” فاحشةِ ” المَتاع دَميمةٍ … سُوقٌ تُتيحُ لها دَميماً راغبا

ولقد رأى المستعمِرونَ فرائساً … منَّا ، وألفَوْا كلبَ صيدٍ سائبا

فتعهَّدوهُ ، فراحَ طوعَ بَنانِهمْ … يَبْرُونَ أنياباً له ومَخالبا

أعَرَفتَ مملكةً يُباحُ ” شهيدُها ” … للخائنينَ الخادمينَ أجانبا

مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُمْ … ويُكافئونَ على الخرابِ رواتبا

مُتَنمّرينَ يُنَصّبونَ صُدورهُمْ … مِثْلَ السّباعِ ضَراوةً وتَكالُبا

حتى إذا جَدَّتْ وغىً وتضرَّمَتْ … نارٌ تلُفُّ أباعِداً وأقارِبا

لَزِموا جُحورَهُمُ وطارَ حليمُهُمْ … ذُعْراً ، وبُدِّلَتِ الأسودُ أرانبا

إيهٍ ” عميدَ الدار ” شكوى صاحبٍ … طفَحَتْ لواعجُهُ فناجى صاحبا

خُبِّرْتُ أنَّكَ لستَ تبرحُ سائلاً … عنّي ، تُناشدُ ذاهباً ، أو آيِبا

وتقولُ كيفَ يَظَلُّ ” نجم ” ساطعٌ … ملءُ العيونِ ، عن المحافل غائبا

الآنَ أُنبيكَ اليقينَ كما جلا … وضَحُ ” الصَّباح ” عن العيون غياهبا

فلقد سَكَتُّ مخاطِباً إذ لم أجِدْ … مَن يستحقُ صدى الشكاةِ مُخاطَباً

أُنبيكَ عن شرِّ الطّغامِ مَفاجراً … ومَفاخراً ، ومساعياً ومكاسبا

الشَّاربينَ دمَ الشَّبابِ لأنَّهُ … لو نالَ من دَمِهِمْ لكانَ الشَّاربا

والحاقدينَ على البلادِ لأنَّها … حقَرَتْهم حَقْرَ السَّليبِ السَّالبا

ولأنَّها أبداً تدوسُ أفاعياً … منهمْ تَمُجُ سمومَها .. وعقاربا

شَلَّتْ يدُ المستعمرينَ وفرضُها … هذي العُلوقَ على الدّماءِ ضرائبا

ألقى إليهمْ وِزْرَهُ فتحمَّلوا … أثقالَهُ حَمْلَ ” الثيّابِ ” مشاجبا

واذابَهُمْ في ” المُوبقاتِ ” فأصبحوا … منها فُجوراً في فجورٍ ذائباً

يتَمَهَّلُ الباغي عواقبَ بَغْيِهِ … وتراهُمُ يَستعجلونَ عواقبا

حتى كأنَّ مصايراً محتومةً … سُوداً تُنيلُهُمُ مُنىً ورَغائبا

قد قلتُ لِلشَّاكينَ أنَّ ” عصابةً ” … غصَبَتْ حقوقَ الأكثرينَ تَلاعُبا:

ليتَ ” المواليَ ” يغصبونَ بأمرِهِمْ … بل ليتَهم يترَسَّمونَ ” الغاصبا “

فيُهادِنون شهامةً ورجولةً … ويُحاربونَ ” عقائداً ” ومذاهبا

أُنيبكَ عن شرِّ الطّغام نكايةً … بالمؤثرينَ ضميرَهمْ والواجبا

لقَدِ ابتُلُوا بي صاعقاً مُتَلهِّباً … وَقَد ابتُلِيتُ بهمْ جَهاماً كاذبا

حشَدوا عليَّ المُغرِياتِ مُسيلةً … صغراً لُعابُ الأرذلينَ رغائبا

بالكأسِ يَقْرَعُها نديمٌ مالثاً … بالوعدِ منها الحافَتَيْنَ وقاطبا

وبتلكُمُ الخَلَواتِ تُمْسَخُ عندَها … تُلْعُ الرِّقابِ من الظّباءِ ثعالبا

وبأنْ أروحَ ضحىً وزيراً مثلَما … أصبحتُ عن أمْرٍ بليلٍ نائبا

ظنّاً بأنَّ يدي تُمَدُّ لتشتري … سقطَ المَّتاع ، وأنْ أبيعَ مواهبا

وبأنْ يروحَ وراءَ ظهريَ موطنٌ … أسمنتُ نحراً عندهَ وترائبا

حتى إذا عجَموا قناةً مُرَّةً … شوكاءَ ، تُدمي مَن أتاها حاطبا

واستيأسوُا منها ، ومن مُتخشِّبٍ … عَنتَاً كصِلِّ الرّملِ يَنْفُخ غاضبا

حُرّس يُحاسِبُ نفسَهُ أنْ تَرْعَوي … حتَّى يروحَ لمنْ سواه محاسِبا

ويحوزَ مدحَ الأكثرينَ مَفاخراً … ويحوزَ ذمَّ الأكثرينَ مثالبا

حتى إذا الجُنْديُّ شدَّ حِزامَهُ … ورأى الفضيلةً أنْ يظْلَّ مُحاربا

حَشدوا عليه الجُوعَ يَنْشِبُ نابَهُ … في جلدِ ” أرقطِ ” لا يُبالي ناشبا

وعلى شُبولِ اللَّيثِ خرقُ نعالِهم … أزكى من المُترهِّلين حقائبا

يتساءلونَ أينزِلونَ بلادَهم ؟ … أمْ يقطعونَ فدافِداً وسباسبا؟

إنْ يعصِرِ المتحكِّمونَ دماءَهم … أو يغتدوا صُفْرَ الوجوه شواحبا

فالأرضُ تشهدُ أنَّها خُضِبَتْ دماً … منّي ، وكان أخو النعيم الخاضبا

ماذا يضرُّ الجوعُ ؟ مجدٌ شامخٌ … أنّي أظَلُّ مع الرعيَّة ساغبا

أنّي أظَلُّ مع الرعيَةِ مُرْهَقاً … أنّي أظَلُّ مع الرعيَّةِ لاغبا

يتبجَّحُونَ بأنَّ موجاً طاغياً … سَدُّوا عليهِ مَنافذاً ومَساربا

كَذِبوا فملءُ فمِ الزّمان قصائدي … أبداً تجوبُ مَشارقاً ومغاربا

تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من … أقدارِهمْ ، وتثلُّ مجداً كاذباً

أنا حتفُهم ألِجُ البيوتَ عليهمُ … أُغري الوليدَ بشتمهمْ  والحاجبا

خسئوا : فَلْمْ تَزَلِ الرّجولةُ حُرَّةً … تأبى لها غيرَ الأمائِلِ خاطبا

والأمثلونَ همُ السَّوادُ ، فديتُهمْ … بالأرذلينَ من الشُراةِ مَناصبا

بمُمَلِّكينَ الأجنبيَّ نفوسَهُمْ … ومُصَعِّدينَ على الجُموعِ مَناكبا

أعلِمتَ ” هاشمُ ” أيُّ وَقْدٍ جاحمٍ … هذا الأديمُ تَراهُ نِضواً شاحبا ؟

أنا ذا أمامَكَ ماثلاً متَجبِّراً … أطأ الطُغاة بشسعِ نعليَ عازبا

وأمُطُّ من شفتيَّ هُزءاً أنْ أرى … عُفْرَ الجباهِ على الحياةِ تكالُبا

أرثي لحالِ مزخرَفينَ حَمائلاً … في حينَ هُمْ مُتَكَهِّمونَ مَضاربا

للهِ درُّ أبٍ يراني شاخصاً … للهاجراتِ ، لحُرّش وَجْهيَ ناصبا

أتبرَّضُ الماء الزُّلالَ . وغُنيتي … كِسَرُ الرَّغيفِ مَطاعماً ومَشاربا

أوْصى الظِّلالَ الخافقاتِ نسائماً … ألاَّ تُبرِّدَ من شَذاتي لاهبا

ودعا ظلامَ اللَّيلِ أنْ يختطَّ لي … بينَ النجومِ اللامعاتِ مَضاربا

ونهى طُيوفَ المُغرياتِ عرائساً … عنْ أنْ يعودَ لها كرايَ ملاعبا

لستُ الذي يُعطي الزمانَ قيادَه … ويروحُ عن نهجٍ تنهَّجَ ناكبا

آليتُ أقْتَحمَ الطُغاةَ مُصَرِّحاً … إذ لم أُعَوَّدْ أنْ أكونَ الرّائبا

وغرَسْتُ رجلي في سعير عَذابِهِمْ … وثَبَتُّ حيثُ أرى الدعيَّ الهاربا

وتركتُ للمشتفِّ من أسآرِهِمْ … أن يستمنَّ على الضّروعِ الحالبا

ولبينَ بينَ منافقِ متربِّصٍ … رعيَ الظروف مُواكباً ومُجانبا

يلِغُ الدّماءَ مع الوحوشِ نهارَه … ويعودُ في اللِّيل التَّقيَّ الراهبا

وتُسِيلُ أطماعُ الحياةِ لُعابَهُ … وتُشِبُّ منه سنامَهُ والغارِبا

عاشَ الحياةَ يصيدُ في مُتكدِّرٍ … منها ، ويخبِطُ في دُجاها حاطبا

حتى إذا زوَتِ المطامِعُ وجهَها … عنه ، وقطَّبَتِ اللُبانةُ حاجبا

ألقى بقارعةِ الطريقِ رداءَه … يَهدي المُضِلِّينَ الطريقَ اللاحِبا

خطَّانِ ما افترقا ، فامَّا خطَّةٌ … يلقى الكميُّ بها الطُغاة مُناصبا

الجوعُ يَرْصُدها .. وإمَّا حِطَّةٌ … تجترُّ منها طاعِماً أو شاربا

لابُدَّ ” هاشمُ ” والزَّمانُ كما ترى … يُجري مع الصَّفْوِ الزُّلالِ شوائبا

والفجرُ ينصُرُ لا محالةَ ” ديكَهُ ” … ويُطيرُ من ليلٍ ” غراباً ” ناعبا

والأرضُ تَعْمُرُ بالشّعوبِ . فلن ترى … بُوماً مَشوماً يَستطيبُ خرائبا

والحالِمونَ سيَفْقَهون إذا انجلَتْ … هذي الطّيوفُ خوادعاً وكواذباً

لابُدَّ عائدةٌ إلى عُشَّاقِها … تلكَ العهودُ وإنْ حُسِبنَ ذواهبا