جماليات الضوء في السينما الرقمية"إصدَار جديد للناقد والباحث د.إبراهيم نعمة
"قناديل الحياة"مجموعة شعرية جديدة للشاعر لفتة سلمان الظفيري
فائض رؤية: عندما يسبق العدم الوجود.
الباحث قيس حسن وكتابه "مجزرة قصور صدام" في قاعة الجواهري
اتحاد أدباء العراق يحضر في افتتاح مهرجان "النواعير" الشعري الثاني في هيت
اتحاد الكتاب العرب يختتم اجتماعاته في بنغازي بالدعوة لإقامة قمة ثقافية ورفض التطبيع
"فلما أضاءَت.. أغمضوا"إصدار قصصي جديد لزينب ناصر الأسدي
"العُكاظيُّ الأخير"كتاب يوثّق المسيرة الإبداعية للشاعر الراحل عبد الحسين حمد
إيمان قاسم محسن
سنة التولّد: 2006
محافظة بابل
النتاج الأدبي السابق: رواية الفتاة ذات الجوربين غير المتطابقين- صدرت عن دار و مكتبة الذاكرة
قصة قصيرة بعنوان:
فائض رؤية: عندما يسبق العدم الوجود.
لم تكن الفتاة تملك ترف العيش في "الآن"، فبالنسبة لها، لم يكن الوقت خطاً مستقيماً يتدفق بسلاسة، بل مشنقة دائرية تلتف حول جيدها كلما اقترب في حياتها حدث جَسيم، وكأن القلق ليس خوفاً مجرداً من الغد، بل محاولة بائسة لعيش ذلك الغد بكل فجائعه الممكنة دفعة واحدة، في ثانية واحدة وقبل أن يولد... وقبل كل موعد مفصلي بأيام، تبدأ طقوس العبور المؤلمة لوعيها الحاد، إذ لا جدران تقيها من غزو الاحتمالات، فتنغمس في هندسة السيناريوهات المظلمة، وتجلس في زاوية غرفتها تبني مسارح افتراضية في رأسها، ثم تهدمها جميعاً، ثم تعود لتبنيها من جديد، لا لتتوقع احتمالاً واحداً للخطأ بل مئة، مجرية حوارات كاملة تتنبأ فيها بالسقوط بكل أشكاله المُخزية، وتستحضر الكلمات التي قد تخونها في منتصف الطريق، ظناً منها أن تجرّع الهزيمة مسبقاً قد يمنحها مناعة من صدمتها الواقعية.
وفي غمرة هذا الترقب الشرس، يتحول التنفس إلى سُخرة مجهدة، حيث تشعر بقلبها يخفق في حنجرتها كطائر سجين يضرب بجناحيه مَدافر القفص الصدري بحثاً عن مخرج، يندفع نحو الأمام بسرعة مرعبة ثم يرتد للوراء ذعراً، يرافق ذلك هوس مفرط بالترتيب، ومحاولات يائسة لفرض النظام على كون تراه يتداعى نحو المجهول؛ فتهرب إلى تنسيق أشيائها المادية بدقة مريضة، وتَعُدّ خطواتها على الدرج بنسق ثابت، وتواظب على غسل يديها باستمرار وكأنها تطهر روحها من أدران الترقب، وتصنع قوائم لا تنتهي من التساؤلات رغبة منها في ترويض الفوضى الداخلية عبر تهذيب الخارج.
وفي تلك الساعات السحيقة التي تسبق العبور، تتحول من مجرد إنسانة خائفة إلى فيلسوفة وجودية تفكك مفهوم الزمن، متسائلة في الفراغ: لماذا يحتاج اليقين إلى كل هذا النزيف لكي يثبت وجوده؟ ولماذا تبدو الطمأنينة ترفاً يملكه الجميع ويستعصي عليها هي بالذات؟ لتكتشف في النهاية أن اضطرابها ليس مجرد توتر عابر، بل هو فائض رؤية حادّة تُريها الهاوية قبل الممر، والسقوط قبل التحليق، فالمجهول في قاموسها هو الكائن الوحيد الذي يملك سلطة محوها...
لكن في المرة الأخيرة، لم يمهلها الوقت لترتدي قناع الثبات المستعار الذي اعتادت النجاة به... فعندما دقت الساعة أخيراً ووقفت على عتبة الموقف المصيري، لم يتدفق الأدرينالين كشلال بارد لينقذ مظهرها أمام العالم، بل انهار السد تماماً تحت وطأة مئات السيناريوهات المظلمة التي استنزفت روحها سلفاً. تجمعت الهاوية التي شَيّدتها في رأسها لتصبح واقعاً ملموساً يبتلعها، فخانتها الكلمات في منتصف الطريق، وتحجّر الهواء في صدرها، وسقطت أمام الجميع كما توقعت دائماً، دون أن يشفع لها وعيها الحاد أو يحميها دفاعها الاستباقي.
عادت إلى غرفتها الصامتة، لا كمهزومة تجر أذيال الخيبة، بل كمن أنهت أسطورة انتظاره الأبدي. جَلست في زاويتها المعهودة، محاطة بلوحاتها الممزقة وأشيائها المبعثرة، وفي ذلك السكون المطبق، كفّت عن تنسيق الخارج، وتوقفت عن عدّ الخطوات، وجفّ الماء على يديها دون غسيل. أغمضت عينيها لتكتشف السرّ الأكبر الذي أغفله وعيها طوال سنين النزيف: لقد وقعت الفجيعة الكبرى أخيراً... ولم تمت! تجرّعت الهزيمة كاملة أمام العالم، فتحطّمت الصنم الأخير للخوف. وفي لحظة التحامها بالعدم، انقشعت أشباح الغد كدخان واهن؛ إذ لم يعد لدى المجهول ما يبتزه منها بعد أن سلبها كل شيء. ولأول مرة في تاريخها، أخذت نفساً عميقاً غير مجهد، وفتحت عينيها على الفراغ، لا لتراه هاوية تبتلعها، بل فضاءً بِكراً خالياً من التوقعات، مدركةً في سريرة روحها أن الموت في الفكرة هو الذي كان يقتلها، أما السقوط في الواقع... فلم يكن إلا بداية تحرّرها العظيم!