حين يصبح العقل منطقةً خاضعة للسلطة

  • أمس, 15:41
  • نقد
  • 6 مشاهدة

رواية(المواطنة 247)
 لـِ بشرى الهلالي:
 حين يصبح العقل منطقةً خاضعة للسلطة

لا تقرأ رواية المواطنة 247 بوصفها حكاية عن أفراد يعيشون تحت ضغط سياسي فحسب، بل بوصفها رواية عن المصير الذي ينتظر الإنسان عندما تصبح السيطرة على تفكيره أهم من السيطرة على جسده. فالرواية تنشغل بسؤال عميق ومقلق: كيف يمكن للسلطة أن تعطل قدرة الإنسان على التفكير الحر، وأن تستبدل الأسئلة الجريئة بأجوبة جاهزة، حتى يغدو الفرد جزءاً من منظومة تكرر نفسها بلا وعي؟
فإذا كانت الفكرة الجوهرية في (المواطنة 247) هي القطع المبرمج للتفكير وتحويل الإنسان إلى كائن مطيع يُدار من الخارج، فإن القراءة يمكن أن تنطلق من هذه البؤرة؛ فلكل مواطن رقم مؤرشف يُتابَعُ على مدار الساعة، وتُعرَف حركاته وسكناته وماذا يدور في رأسه.
في هذا السياق لا يعود الرقم في عنوان الرواية مجرد إشارة إدارية أو ترميز بيروقراطي، بل يتحول إلى علامة على إلغاء التفرد الإنساني. فالإنسان الذي يحمل اسماً وتاريخاً وذاكرة يصبح رقماً قابلاً للتصنيف والتوجيه، وكأن الرواية تريد القول إن أول خطوة في مصادرة العقل هي تجريد صاحبه من خصوصيته.
تكشف الرواية أن أخطر أشكال القمع ليست تلك التي تمارس بالعنف المباشر، وإنما تلك التي تجعل الإنسان يشارك في قمع نفسه. فحين يُعاد تشكيل الوعي باستمرار، وحين تُفرض على الفرد صورة واحدة للعالم، يبدأ العقل بالتخلي تدريجياً عن وظيفته النقدية. عندها لا يعود الخوف خارجياً فقط، بل يتحول إلى رقيب داخلي يسكن الذات ويمنعها من التفكير المختلف.
إن محور الرواية هو شخصية (آمنة)، التي يتداخل في حياتها الخاص والعام، حيث تتحول قصة حب قديمة عاشتها (آمنة) إلى نافذة لقراءة زمن كامل. فالحب هنا ليس حدثاً عاطفياً منفصلاً، بل وسيلة لاستكشاف أثر السلطة على أدق تفاصيل الحياة الإنسانية. إن اعتقال شابين بسبب لقاء عابر لا يمثل حادثة فردية، وإنما يكشف تغوّل المؤسسة الأمنية وقدرتها على التدخل في المصائر الشخصية وصناعة الخوف الجمعي.
تنجح بشرى الهلالي في تقديم هذه الفكرة من خلال عالم روائي تبدو فيه الشخصيات وكأنها تعيش داخل شبكة من المراقبة المعنوية. الجميع يتحرك، لكن ضمن حدود مرسومة سلفاً. والجميع يتكلم، لكن ضمن لغة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الاعتراض. وهنا تلامس الرواية إحدى القضايا الكبرى في الأدب الحديث: صناعة الطاعة والانصياع الدائم، عبر إعادة تشكيل الإدراك بذوبان الفرد وتجريده من خصوصيته.
إن القيمة الفكرية للرواية لا تكمن في إدانة مرحلة سياسية محددة بقدر ما تكمن في كشف آلية إنسانية متكررة عبر التاريخ؛ آلية تحويل الإنسان من ذات مفكرة إلى أداة منفذة. ولذلك تبدو الرواية أبعد من حدود زمانها ومكانها، لأنها تناقش علاقة السلطة بالعقل، وعلاقة الخوف بالمعرفة، وعلاقة المواطن بحقه في أن يفكر بحرية.
في نهاية المطاف تقدم المواطنة 247 صورة قاتمة ولكنها ضرورية؛ صورة لعالم لا يُطلب فيه من الإنسان أن يتوقف عن الكلام فقط، بل أن يتوقف عن التفكير نفسه. ومن هنا تنبع قوة الرواية، لأنها تجعل معركة الحرية تبدأ من الداخل، من قدرة الفرد على حماية عقله من التحول إلى رقم آخر في سجل الطاعة الطويل، ومحاولات الإفلات من رقابة السلطة بأساليب شتى.

 هناك فكرة نقدية أراها جديرة بالإضافة، وهي أن بشرى الهلالي لا تكتب عن السلطة بوصفها مؤسسة سياسية فقط، بل بوصفها بنية تتسلل إلى اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية.
بمعنى أن القارئ في أعمالها لا يجد الصراع التقليدي بين حاكم ومحكوم، وإنما يجد صراعاً أكثر تعقيداً بين الإنسان وصورته التي تريد القوى المحيطة أن تفرضها عليه. شخصياتها غالباً ليست شخصيات بطولية تواجه العالم بصوت مرتفع، بل شخصيات تحمل جروحها بصمت وتحاول الاحتفاظ بجوهرها الإنساني وسط محاولات الترويض والتشويه.
ما يميز كتابات بشرى الهلالي أنها لا تنشغل بوصف القمع في مظاهره الخارجية فقط، بل تتجه إلى آثاره العميقة في النفس البشرية. إنها تفتش عن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالتخلي عن جزء من ذاته تحت ضغط الخوف أو العزلة أو التكرار اليومي للهيمنة. ولذلك تبدو شخصياتها وكأنها تخوض معركة داخلية من أجل الاحتفاظ بذاكرتها الفردية وهويتها الخاصة. وفي هذا المستوى تصبح الرواية عندها بحثاً في هشاشة الإنسان وقدرته على المقاومة في آن واحد، لا عبر المواجهة الصاخبة، بل عبر التمسك بحقه في أن يرى العالم بعينيه هو لا بالعين التي أُعدّت له مسبقاً.
أسلوب بشرى الهلالي لا يعتمد على الحدث وحده، بل على الفكرة التي تتحول إلى بنية سردية. لذلك يمكن قراءة (المواطنة 247) كرواية أفكار بقدر ما هي رواية أحداث، لأن السؤال الفلسفي فيها أهم من الحكاية نفسها: كيف يفقد الإنسان حريته الفكرية؟ وكيف يمكنه استعادتها؟

حميد الساعدي
كاتب وشاعر