الحفريات التاريخية في رواية لبابة السر - صباح محسن كاظم

  • 2-01-2021, 23:39
  • نقد
  • 114 مشاهدة

تمهيد
لبابة السر سياحة في أعماق تاريخ بلاد مابين النهرين بين الأناشيد والترانيم والطقوس  ، والغوص بالمسكوت عنه  بالمعبد،  وحياة الكاهن  والحاكم السرية والعلنية بوحشيته السادية ، بجمالية السرد بتقنات تفوق بها القاص والروائي "شوقي كريم حسن " بمشروعه السردي الذي عالج القاع الإجتماعي  بالروايات السابقة،  فيما يبدو ( بلبابة السر)  حاكم التاريخ برؤى سردية تقترب من الشعرية بين الحقيقة والفنتازيا  ، إختصت بها تلك الرواية التي تثير برأيه لواعج القلب بحضورها الراعف والمحترق بسنا غبار الوجع كما بالرقيم الثالث عشر وماسبقه وما بعده  ..  

تحولات السرد لدى شوقى كريم:
التاريخ المادة الخصبة بتشابك الأحداث، والأزمنة، والصراع ، يستقي منها القاص والروائي "شوقي كريم حسن " خزينه بالقراءات الإنثروبولوجية وإستدعاء التاريخ ، وهو يٌبحر بعمق إريكولوجي  إلى أقصى الحياة الرافدينية .. بإستدعاء الطغاة لمحاكمتهم لإفتضاض بكارة العذراوات ، والإغتصاب الذي كانوا يمارسوه ضد الضحايا ،كمختص بالتاريخ أقف بدهشة  دائماً بين مأنجزته الحضارة السومرية والبابلية ،فيما يثيرني  بإشمئزاز ورفض داخلي عارم ،وصرخة إحتجاج على السلوك الفردي المُشين لهؤلاء الذين مارسوا ضد أبناء وطنهم أبشع الأساليب بكل مراحل التاريخ التليد إلى الأمويين والعباسيين والهداميين ، إعتمد المبدع" شوقي كريم حسن "  بروايته على الوثيقة التسجيلية بالرقم الطينية ،والقراءة الإيروكولوجية العميقة بتفسير تلك النصوص ومحاكمتها برؤية معاصرة ، بين الإساطير المحكية ، وما حفظه الرقيم تناقل تلك الحكايات والخبريات المقززة ،لطالما يبتعد عنها السرد وحتى الباحث  لايغوص بتفاصيلها ،تلك الرؤية "الشوقية" التي إختلفت عن سردياته التي تقوفت عندها بدراسات  نقدية مختلفة ،كرواية الشروكية –الخوشية – الهتلية  أو برواية قنزة ونزة ، مذ عرفت المبدع "شوقي" مطلع الثمانينيات بقصصه المستفزة الصادمة غير نمطية من خلال التجريب والتجديد مع قرينه بالإبداع "حميد المختار"  تتطور تجربته ولاتتحجر بإستمرار بين السينارست والكتابة للمسرح وأخيراً أطل علينا بتجربة نقدية لقراءات مركزة إجمالية عن المبدعين بالعراق  ، لذلك تراكم النتاج المتنوع لعقود أنتج هذه التحولات المدهشة بهذه الرواية "الملحمة" بالبناء الزمني و بلغة شعرية أحياناً ومسرحية ومنولوجية تارة أخرى   ، كشف بلبابة السرد  رحلة  وخبايا سلوك الكهنة  المشين  لذلك السياقات السردية محكماتية ، وإستعراضية وصفية ، حلمية ،إسترجاعية  بمبنى حكائي  متراص طاف بأجنحة الخيال التاريخي للمعابد الرافدينية ، بالطبع منطق السببية ببناء الأحداث يشكل عقدة الأحداث التي برّع  الروائي  "شوقي كريم " بصياغة الحبكة التي أدت لتماسك الرواية من الصفحة الأولى إلى  الصفحة 463 ..  موضوعة الرواية التي يدنو منها السرد بحذر.   " لبابة السر"  فالرؤية السلطة الكهنوتية التاريخية وإختراق حياتها الشاذة  ،  من خلال محتوى السرد الكاشف بسوناره الضوئي
 أتقن الراوي فضح الممارسة السلطوية للكهنة  بلب المعنى والتفاصيل الحوارية   ، مستقاة من الرقيم الذي يحمل تلك المأساة ،لهدر الكرامات من الطغاة بين الإحتجاج والإدانة لسلوكهم الصفيق المبتذل ، المحاكمة  بالنص السردي  بين جمالية  الرواية ورغبة الراوي  لسحب المتلقي لمناطق وإشتغالات  السرد  لإستيعاب الأسئلة بالمتن الحكائي ،و حركة التاريخ،وإستخلاص العبر  ، بسرد مشوّق من "شوقي"  تطوف بعوالم الخيال تلك التناقضات من سدنة المعابد  السومرية والأكدية والبابلية . من خلال إحالاته السيميائية  بالسرد تكشف العلامات والتأويلات  تلك الوحشية غير المبررة بالسلوك قياساً  لما ذكرت من إنجازات حضارية شاهدة على البناء العمراني ،والتخطيط  المُحكم  من لوائح الشرائح لأورنمو ثم بعد 3 قرون لوائح حمواربي أو ببناء الزقورات والمعابد  السؤال الذي أراد به الراوي العليم  شوقينا لماذا تلك الدماء من الضحايا البريئات !؟ أو بتعدد الأصوات  وبالميتا سرد الذي تفنن به الراوي العليم  شوقيينا، الرواية التاريخية كما برع بها أمين معلوف برواية سمرقند ، أو الروايات الإسلامية لجرجي زيدان وغيرهم ،تفوق المبدع شوقي بالتنقيب بتلك الحفريات الروائية بسعة الخيال ،ولغة السرد ،والتحكم بخبرة بمسارات الرواية رغم حجمها الكبير وسعة الأحداث  .  يؤكد القاص والروائي والناقد "علي لفته سعيد" 1 ص162- بكتابه النقدي فهم الزمن  ودلالته في النص السردي:
 ( إن الزمن هو اللّعبة الأكثر إدهاشاً  في عملية التدوين ، وهو الأكثر نصاعةً في عملية التلقّي ، و الأكثر وضوحاً في عملية التأويل ، وهو الأكثر قدرة في عملية الإنبهار .. )) .أو من خلال رؤية دقيقة بفهم النص كما بالتأكيد  على ذلك بكتابه النقدي الآخر 2- ص 155 : ( إن ثقافة تلقّي النصّ في بعدها السايكولوجي قد تبدو ثقافةً فرديةً وهي خاضعةٌ الى النسبية والى القدرة العامة للفرد ،ومقدار وعيه وثقافته ،ولكنها أيضا غير مجزّأةٍ عن المحيط والبيئة والأثر..).
في الرقيم الأول بمفتتح لبابة السرد يبدأ السؤال  ص7 :
هل اهتزَ عرش مدوك ؟!!!
ولِمَ خَلَت المدينةُ المشعولةُ بالتوسلاتِ من عطرِ وجوده ِ العابقِ عبرَ قرون الإمتداد ِ،كنا نَراهُ أينما اتجهَت تراتيل ُ ألسنتِنا، نهمسُ لحضورهِ فتُملأُ المعابدُ بشذا الصندلِ والآس وتعتمر ُ قلوبُ الكهنةِ بنداءات التكبير ِ لاستلهامِ ،نبصرُهُ أملاً في الوصولِ إلى خلاصٍ أبدي .......)..  
جماليات الإبتكار والتخييل :
في تلك الرواية تمكن القاص والروائي "شوقي كريم حسن " من القفز خطوة بجمالية الإبتكار بصنعة السرد المُتخيل لتاريخ بلاد مابين القهرين ،المليء بالأسى ،والطغيان ،فالحكام بالتاريخ يسعون لتحقيق متطلبات الشعوب؛  هنا يفضون بكارة النساء !!  حوكمة لسلوكيات مٌدانة  بعمق التاريخ ، وبكل تحولاته.. المُتلقي المتفحص يعده إدانة لكل الأزمنة  بإستدعاء التاريخ وتمثلاته  وإسقاطاته الآنية، وإستشرافته المُستقبلية، فالزمن السردي يستمر بتلك الإفرزات   ، هنا  تفصح قوة التخييل لتلك المأساة ! حاكمه المبدع "شوقي" بتلك السردية ،  بمهارة  وتقانة  بتلك الرؤى والأفكار المُنضدة بتراتبية عِبر الرُقم الأربعة عشر ،مزج بتجانس بين التاريخي والتخيلي بقدرة وصفية وتوصيف لما يجري ببلاط الكهنة  لذا كتب بمقدمة الرواية الناقد أ.د .جاسم الخالدي  ص5
(( .... عاش الانسان تحت سلطة الالهة، وكهنتها المشغوفين بالحياة الباذخة ، في حين تحمل الانسان نزق الالهة، وظلمهم الذي وصل الى حد انتهاك حقوقه ......... إذا ماهتكت المحارم ، وفكت بكارات العذارى، .......وهو ماحول المعابد فضيلة الى معابد رذيلة  يمارس فيها كل مايحقق رغبات الملك والكهنة ....))
 تماسك وحدات السرد :
غالباً الترهل بالرواية اليوم  يدعو المتلقي للعزوف عن إتمامها بعصر العولمة،والسرعة ، إن لم تشده قدرة الروائي المُحكمة بإطروحاته الضمنية بمناقشة الفكر- التاريخ –الفلسفة – الحكم –الدين – التحولات الإجتماعية كما فعل ماركيز بإستلهامه رواياته الواقعية السحرية  بتفوق مدهش من  الإستلال  من البيئة المحلية والتاريخ والاساطير للإنطلاق للعالمية   ..إستطاع المبدع "شوقي كريم حسن " تخليق عنصر التشويق  وهو يسأل شوقياً !؟ بكل الرقائم المتتابعة من  خلال صنع الأجواء الساحرة  لمن يروّم معرفة التاريخ، والطقوس ،وأسرار الكهنة والحضارة ، بتقانة التنوع الإسلوبي الذي دوّن به آلام ومحن الفتيات وهن يفقدن عذريتهن تجده يطرح الأسئلة ،والحوار برؤى العارف بما جرى يتماهى مع الأحداث بالعناية مع الشخوص ومدى تأثيرهم بصناعة الأحداث مع الإعتناء بالبنية السردية ،بتماسك الجملة السردية وعدم هشاشتها ،محاكمة الموروث الرافديني المستمر ليس المنقطع فالمكان  والزمان لايتوقفان " بلبابة السر " وقد تحقق وحدتيهما بالنص فمن يظن الرواية تاريخية إسطورية  نظرتهم قاصرة واهمة ، أعدها بعلاقة جدلية  دائمة مع المكان  والمعاناة من بطش الطغاة وسفالتهم وحروبهم المجرمة وشهواتهم الصادمة التي تخدش الكرامة والانوثة   ،تُلهب الإحساس والشعور  وتبعث بشفرات الرفض والإدانة لكل الإنتهاكات اللانسانية  ..
  مجتزأ من الرواية بصفحات متناثرة :


ص30 : (... يومَ عادَ الجندُ ، وامتلأَت الشوارع ُ بالتراتيل ِ والاغاني وشمرَت نسوةُ بابلَ عن ابتسامات ٍفارهة ٍ ظلًت أمي  حبيسة َ مدامعِها ..كنتُ أحدقُ بما وراء َ الملكِ فلا أجدُ غيرَ وجوه ٍ لا أعرفُها ، وجوهٌ لاتبالي بحضوري ووغيابي ...حين عرفتُ معلمي لم تنطفأ نيران ُ الأمهات ِ حين يذهبُ الآباء إلى الحروبِ ..)
لغة الحوار تنوع إستخدمها بتقنية الكتابة السردية بلبابة السر ،روّح النص بلغته الحوارية ، بإستخدامه المجاز والتشبيه وبالإستعارة والكناية والنثر الشعري المركز بقوالب سردية جعلت من الرمز أحياناً أو بالحوار المباشر بصياغة تقريبية لواقع الأحداث رغم عمقها التاريخي ..الإجراء و المثال على ذلك   ص 46

-أقسم لك بمردوك إن عقلي يُفكرُبهذا !!
   - أظنُ أني أصدقٌ سيدي دون القسم ِ بالهٍ مثل مردوك !!
- ولِمَ لاتريدُني أن أقسمَ بمردوك وهو ربُّ بابل وناصرها ؟
ص 84

-أو رأيت َ ثمةَ حقيقةٍ أخرى !!
 - أعرفُ أيُّها الطيبُ ..ومن هنا اخترتُ بدايتي !!
--حسناً ،لابد لك اذن من رقيمِ الطينِ
- نعم !!
-- أربعُ رجالٍ على استعداد ٍ لتهيأ لكَ ماتريدُ
بلاغة الحوار بنغم وموسيقى الكلمات وجرسها ووقعها وتأثيرها البنورامي الآسر بمعمارية السرد بإلتقاطه المهمل من والمسكوت عنه من فضائحية الكهنة ، لقد أتقن  "شوقي " صنعته    يؤكد الدكتور سلمان كاصد بكتابه صنعة السرد ص 20 :
((    هي صنعة أغلبها يرتبط في أنظمة الشكل والتلاعب في كيفية سرد الأحداث ، حيث نجد روائيين يقدمون  ثيماتهم  باعتباطية ، وآخرين يحسون أنهم يقدمون وجبة فيها كل نوع من انواع الاجناس الادبية ، الشعر مختلطاً بالحكاية ، والنثر الشعري ممزوجاً بحدث لايمكن أن تلم به بسهولة ، ونجد نوعا ثالثا من الروائيين من تراه يحسب للجملة حساباً ،وللتركيب أهمية ، وللصياغة حرفة .
)).. قد عزف الروائي عزفاً شعرياً محكماً في الرقيم الثاني عشر بصفحاته المؤنسة بلغته الشعرية كما في  ص270
( تلتفت مالونيد محاولةً لملمةَ الرؤيا التي بدأت تتسعُ، كانت ثمةُ خطوطٍ بيضٍ ترتبطُ والعرشِ وهالاتٍ تسبحُ في نورٍ وجوه ٍ تلهجُ بذكر ٍ فاتنٍ ، عطرٌ جعلَ مالونيد تحرك ُ أطرافها استحساناً ، تقدمُ الخطواتُ ببطءٍ فتتراجعُ الأنوارُ وتنكشف ُ أستارُ البحثِ عن أرواح ٍ تدورُ معززةً ألقَها ، قالَ المضيءُ بسعادات ِ أطيافِهِ.....)

أجزم بتفوق  "شوقي "  برؤيته التاريخية والميثولوجية بمنجزه "لبابة السر" الذي أحدده بقفزة سردية تاريخية  تحتاج للصبر بالقراءة الواعية من أطلال بابل وعِبرَ الرقائم والألواح والمودنات من ديموزي عشتار وابن انليل  والعالم السفلي والطموحات غير المشروعة للحكام الآلهة  التي فككها  بتلك الرواية لذلك إجتمعت الخصائص الفنية  (لغة السرد- قوة الحبكة – الخيال الواسع) بإنتاج رواية عراقية مميزة ، تحاكم المكان والزمان والشخوص بالشكل الدائم رغم الإشتغال التاريخي  .