النص الأنوي وأسئلة السيرة الذاتية في (لوحة الحرب الجديدة) لعارف الساعدي - كمال عبد الرحمن

  • 23-10-2020, 23:48
  • نقد
  • 365 مشاهدة

هل طغيان (الأنا) و(الذات) في النص وما لهما من سلطة أنوية،بمقدورهما أن يغرقا القصيدة في الغنائية؟،التي  ربما اتهمها بعضهم بالخطابية والمباشرة والتقريرية،لتحل محل أجواء درامية ذات شحنات ديناميكية لها القدرة على تفجير اللغة في القصيدة، بدلا من  انتشالها واخراجها من قمقم الذات وقوقعات (الأنا)،ان ((الشعر العربي الحديث قد أدرك قصور الشعر الغنائي عن استيعاب تجربته الانسانية الادبية التي بدأت تميل على الشمولية والكونية))( 1) وتمثل الأنا الشاعرة ــــ بوصفها فاعلا شعريا نائبا عن الشاعر في ميدان العملية الشعرية ـــ المركز البؤري الساس والجوهري،الذي يجب فحصه ومعاينته وتأويله حين يتعلق الأمر بأي اجراء قرائي يغامر باقتحام القصيدة(2) كما يفعل عارف الساعدي:

 قبل أربعين عاماً

كنتُ في الصف الأول الابتدائي

المدرسة كان اسمها الطليعة العربية

أيام الحرب العراقية الإيرانية

كنتُ فاشلاً في درس الرسم جداً

لا أرسم إلا دبابات وأسرى مسحولين

وشمساً خائفة

فوق أكواخ الفقراء

هكذا كنتُ

وواضح بروز مؤثرات(ألأنا) في:

(في تكرار كلمة " كنت" ثلاث مرات ) كما كرر الفعل الناقص (كان/ كنت / كانت..) اكثرمن  مرة ،وتبرز(الأنا)المضخمة في مواضع كثيرة من القصيدة وبشكل لافت للنظر،بحيث يمكن تغييب الاصوات الاخرى في القصيدة تحت(سلطة الأنا الشاعرة):

لا اجيد إلا رسم الجنود الهاربين

والطائرات النازفة فوق القرى والبنايات

لم أكن أعرف إننا نستطيع أن نرسم مزارع ونساءً جميلاتٍ

وقبلاً عابرة

كنتُ أتصور أن الحرب هي اللوحة الوحيدة التي تتكرر في كراسة الرسم

لذلك كنتُ فاشلاً في رسم الأنهر

كلما رسمتُ نهراً .... غرقتُ فيه

وكلما غازلتُ قمراً في ليل الفلاحين، انجرحتُ به

وحين كبرت

كنتُ أضحك كثيراً على رسوماتي

ولااجد مبررا في الخوض في المزيد من(أنات)أو(أنوات) الشاعرالدكتور الساعدي ـــــــ كما يحلو للناقد أ.د. محمد صابر عبيد ان يسميها ـــــــــ ،فلاشك ان هذا العدد الكبير من متعلقات (أنا :د. عارف)وهي بالتمام والكمال(17) مرة ذكرت فيها متعلقات الأنا من فعل واسم ومصدر واضافة وغيرها) وهذا رقم كبير نسبة لشاعر مبدع يعرف تأثير ( الأنا) وخطورتها على النص الشعري اذا لم يتم استعمالها استعمالا ابداعيا خاصا(3 وبخاصة في قصيرة قصيرة مثل هذه.

ويمكن تعريف«الأنا» حسب المعجم العربي بأنه ضمير متكلم قائم بذاته ولذاته، ولا ينازعه، أو يشاركه في ذاتيته وبصفته آخر، فهو مستقل عن غيره، وان كان منتجاً له وناتجاً عن علاقته به، والأنا في هذه الحالة، متقلص في مساحته، مسكون بنزعته الفردية، وقابع في مكانه وزمانه، ولكنه متوسّع في علاقته بالضمائر الأخرى و بها، حركة وسكوناً.

ففي شعرية  الخطاب يبدو الأنا كامنا في سياقات علائقيّة بالآخر(الضمير)، مثل ما يظهر الآخر(الضمير) في علاقات سياقيّة مع الأنا في الخطاب ذاته. والأنا، هنا، يقوم بدور محوري متحفز، بكونه ذاتاً مركزية، يتحدد بعده الجغرافي، في أضيق حالاته:

لكني فوجئت اليوم بلوحةٍ لطفلي الصغير

وقد انتشرت فيها الطائرات والدبابات

فيما هناك قتلى فارَّون من اللوحة

فالأنا هي مركز الهوية الواعية، في حين أن الذات هي الشخصية الكلية بجوانبها الشعورية واللاشعورية كافة، وتحتوي على «الأنا» التي هي دائرة صغرى في الدائرة الكبرى (الذات)؛ فالذات كلٌّ ومركزٌّ في آن، تتحدَّد في ضوء توقها الدائم إلى الآخر وفق ليفيناس.
وقد نقرأ الذات من وجهة نظر سيميائية، إذ إن «كل ذات تجد نفسها في موضع تساؤل، لأنها تفتح ثغرة داخل الدال أينما تموضع» والذاتَ السيميائية هي : «عندما توضع الذات السيميائية في الخطاب، تتّبع مسارا يمكن تشبيهه بمسار الذات المتكلمة في التحليل النفسي».إن العالم، وبالتالي الإنسان، لا يمكن أن يكونا إلا إذا أُوِّلا بواسطة العلامات، فبحسب العالم الأميركي «بيرس»، فإن العالم بما يحويه من أشياء وكائنات، هو عبارة عن منظومة سيميائية، كما أن الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي ينتج العلاقات ويكتشفها ويتداولها وينقلها إلى غيره، يمكن عدّه العلامة الكبرى، وهذه العلاقات والعلامات هي التي تجعل من الإنسان إنسانا، أي تصنع هويته الإنسانية والثقافية، وتجعله متميزا عن الكائنات والموضوعات الأخرى.

من هنا ننتقل الى أسئلة السيرة( تعالق الذات والأنا الاخر بالوطن)، ولابد هنا قبل كل شيء ان نتساءل: ماهي انواع واشكال السير، وهنانحن نذكرها بالتفصيل لأغراض الفائدة اولا:

أسئلة/ السيرة/ / السيرة الغيرية/ السيرة الذاتية(4)

أولا:السيرة:

  • راوٍ يكتب عن سيرة عامة لأشخاص غادروا الحياة منذ زمن بعيد(انبياء/ ملوك/ قادة/ ابطال..الخ) وفي هذه السيرة يشتغل السارد أولاً على الأمانة التأريخية والوقائع كما حدثت وباسلوب فني بسيط، ومثال على ذلك ( السيرة النبوية) لإبن هشام وغيره

ثانيا:السيرة الغيرية:

 هي (سيرة) لكن يختلف  فيهاهنا أمران، الأول: يكتب السارد عن شخص حي او ميت منذ زمن قريب، والثاني: يعرف السارد الكثير من تفاصيل هذه الشخصية من خلال علاقته المباشرة أو غير المباشرة به.

ثالثا: السيرة الذاتية:

شخص يكتب عن نفسه سيرة كاملة ودقيقة بتقانات فنية ووقائع حقيقية، ويشمل ذلك جميع الاشخاص الذين يتعالقون سلبا وايجابا مع حياة السارد، ويفضل ان يكون السرد بضمير المتكلم وهو الشخصية الرئيسة او المركزية في السيرة وهو أيضا( الأنا) الراوية العالمة بكل تفاصيل وحيثيات السيرة.

تتشكل عناصر السيرة الذاتية  في قصيدة(لوحة الحرب الجديدة) لعارف الساعدي  على المبنى الانساني  قبل كل شيء من الآتي:

أ.بنية القصيدة السير ذاتية

أولا: سيرة (الأنا)

ثانيا: سيرة(الأنا ـــ الآخر:قصيدة العائلة)

 

القصيدة السير ذاتية:

أولا:سيرة(ألأنا)

المعروف ان السيرة الذاتية: هي((سيرة شخص يرويها بنفسه))(5) ،ولكن هذا التعريف لايعطي السيرة الذاتية خصوصيتها  وسماتها وقواعد كتابتها ،اذ ان من الصعب ايجاد تعريف دقيق وجامع لهذا النوع الادبي الجديد،نظراً لما يثيره من اشكالات عديدة،منها ما يتعلق بطبيعة العلاقة أو الصلة بينها وبين المناهج النقدية،كالمنهج التاريخي، والمنهج النفسي ، فاصحاب المنهج التاريخي عدّوا السيرة الذاتية ظاهرة حضارية تنشأ وتتطور في ظروف معقدة وضمن سياق اجتماعي ثقافي ذي طابع محدد أما اصحاب المنهج النفسي فقد ربطوا السيرة الذاتية بطبيعة الشخصية التي تؤلفها وركزوا على مشاكل نفسية اخرى كقوة الذاكرة أو ضعفها مما ابعدها عن جوهرها الادبي والفكري ،وللسؤال(ما هي السيرة الذاتية ؟) يضاف احيانا سؤال آخر (ما هي سمات السيرة الذاتية الجديدة؟)، وبذلك نكون قد اضفنا مفهوما جديداً، ربما يكون مفهوما شخصيا عما يجب ان تكون عليه السيرة الذاتية،وهذا الانتقال من الحكم على الواقع الى الحكم على القيمة،يبدو حتميا في هذا المجال  الذي تدخل فيه القيمة نفسها ضمن مقاييس التعريف.

وتطبيقا على ذلك قصيدة الشاعر  الساعدي ( لوحة الحرب الجديدة ) يقول عارف محدثا بصدق عن واقع حالة نفسية تحاوره وتضايقه حد الاختناق كل يوم:

كنتُ فاشلاً في درس الرسم جداً

لا أرسم إلا دبابات وأسرى مسحولين

وشمساً خائفة

فوق أكواخ الفقراء

هكذا كنتُ

وتعريف لوجون إذا ما استبعدنا منه لفظة الرواية النثرية،نجده يؤكد على معايير يمكن تواجدها في النص السيرذاتي الشعري والنثري معا،على النحو الآتي(6):

1.شكل الكلام:قصة حياة مستعادة وهذا يتطلب حضوراً فعالاً للذاكرة(وهذا ما يتوفر بدقة وحرص لدى الشاعر  عارف الساعدي ،من خلال صدق الأقوال الشعرية لديه):كما في القصيدة  نفسها:

كنتُ أركض إلى المكتبات القريبة منا

لأهديه الألوان المائية والخشبية

وها أنا أنتظرُ رسوماته كل يوم

عسى أن يرسم امرأةً جميلةً أو نهراً صغيراً

يلعب به بدلاً من حمَّامه البلاستيكي

وكنتُ أظن إن الزمن تغير

وإن الحياة ستمنح الأولاد زمناً أجمل

لكني فوجئت اليوم بلوحةٍ لطفلي الصغير

وقد انتشرت فيها الطائرات والدبابات

فيما هناك قتلى فارَّون من اللوحة

2.الموضوع:سيرة حياة المؤلف وتاريخ تكوين شخصيته(أي الأنا موضوعاً للسرد)كما يقول الساعدي:

قبل أربعين عاماً

كنتُ في الصف الأول الابتدائي

المدرسة كان اسمها الطليعة العربية

أيام الحرب العراقية الإيرانية

3.موقف الشاعر:

    أ. التطابق بين ــ أنا المؤلف ــ وأنا السارد ـ وأنا الشخصية المركزية كما في :

كنتُ أتصور أن الحرب هي اللوحة الوحيدة التي تتكرر في كراسة الرسم

لذلك كنتُ فاشلاً في رسم الأنهر

كلما رسمتُ نهراً .... غرقتُ فيه

وكلما غازلتُ قمراً في ليل الفلاحين، انجرحتُ به

ب. النظرة الخلفية في السرد أي التشبث بالمنظور الاستعادي في القصيدة( النص السيرذاتي الشعري) كما في القصيدة وهي لوحة تتشكل من سلسلة مشاهد تتأنس  من  سيرة وذكريات ومذكرات الشاعر  عارف الساعدي لم يأت بها من خيال او فنطازيا،ولكنها لوحات حقيقية مهمة وغالية على الشاعر وتشكل مدخلا حقيقيا لمرحلة من مراحل  عشق الشاعر ومعاناته الانسانية:

وحين كبرت

كنتُ أضحك كثيراً على رسوماتي

حتى أني انتظرتُ أربعين سنةً ليدخل صغيري المدرسة

وهاهو في الصف الأول الابتدائي

في مدرسة اسمها الجهاد

وما بين الطليعة والجهاد

زمنٌ حاشدٌ بالغائبين

ثانياً: سيرة(ألأنا ــ الآخر:قصيدة العائلة) وهذه النوع غالباً ما يتحرك على ثلاثة أو اربعة  أصعدة( منها الأم والأب  والأبن.. الخ)

ففي  هذه القصيدة في الديوان يستذكر الشاعر عارف الشاعر طفولته وشبابه ثم يقارنهما مع طفولة وشباب ابنه ،  ثمة اكثر من دال يشي  مباشرة بشيء من القيمة  المادية والمعنوية والانسانية لمرحلة تبادل الأدوار بين طفولة الأب وطفولة الأبن، التي تكررت بألم يمزق في شغاف قلب الشاعر:

وكنتُ أظن إن الزمن تغير

وإن الحياة ستمنح الأولاد زمناً أجمل

لكني فوجئت اليوم بلوحةٍ لطفلي الصغير

وقد انتشرت فيها الطائرات والدبابات

فيما هناك قتلى فارَّون من اللوحة

وضعهم طفلي الصغير خارج الإطار

لايحمل  هم الوطن أحد مثلما يحمله المثقف والاديب، فالسياسي ينطلق من خلفية سياسية محض، اما المثقف فينطلق قبل كل  شيء من وعيه الانساني وفكره الخلاب وشعوره بأهمية بناء الانسان أولا، ومن هنا انطلق الانسان الشاعر عارف الساعدي، في الكتابة عن الوطن ، اثناء الحوادث المؤلمة المؤسفة المفجعة في العراق  والتي لن تنتهي الا قبل يوم القيامة بدقيقتين ونصف!؟ .

 شاعر  مخلص لعراقيته وبلده، وشأنه شأن بقية الادباء والمثقفين، كان يحس بوقع الحرب على بلده، وبضغط تبعياتها على ابناء شعبه، من حصار اقتصادي فرضته امريكا على العراق بسبب تصرفات صدام، أو مجموعة التهديدات الايرانية والامريكية التي  كانت تطال العراق بين وقت واخر، ولم تكن الحكومة العراقية لتقوم  برد فعل منطقي ازاء هذه الحروب والتهديدات، وانعكس  رد فعلها على الشعب بسلوكيات رفضها الادباء والعلماء والمثقفون، فرفعوا اصواتهم باكبر (لا) عراقية.

ولم تكن الحكومة مهتمة بالشعب كما يرى عارف، بل كانت ردود افعالها الاستهزاء بامريكا، وكان صدام يصرح دائما ان لديه مليون مقاتل لتحرير القدس،وانه قادر بأية لحظة يشاء ان يدمر امريكا واعوانها، والحقيقة الرجل ليس لديه الا مليون بعوضة وزعها بعدالة وانصاف على مستنقعات ارواحنا فانثقبت قلوبنا.. وبكت قصيدة عارف الساعدي!.

ان قصيدة الساعدي ،قالت الكثير والكثير ،مما لم  تقله قصائد عربية واجنبية،وهي تحتاج  الى قراءات متعددة..واصغاء نقدي خاص ، رغم  صوتها الهادر في الزمن..لقد ابد ع  عارف الساعدي  في  سيرته الوطنية هذه.وتفوق،ليمنحنا أعلى شعرية قراءة  ممكنة كما يقول أونيس!

الهوامش والمصادر والمراجع

1.بنية القصيدة في شعر عز الدين المناصرة،د.فيصل القصيري ،وزارة الثقافة، الاردن،20006،:36

2.شعرية طائر الضوء،أ.د. محمد صابر عبيد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1،بيروت،2004،:45

3.كلام المرايا(دراسات نقدية في الشعر والقصة والمسرح والرواية)،كمال عبد الرحمن النعيمي، الشؤون الادبية،النشاط المدرسي،تربية نينوى،(39)2011،:42

4.انظر دراستنا: أسئلة السيرة الذاتية ـ قراءة في (أمواج ــ سيرة عراقية) لعبد الله ابراهيم، مجلة (شرفات) العدد الثالث عشر، السنة السادسة، أيار، 2019، العراق/ الموصل:53

5. أدب السيرة الذاتية في فرنسا (المفاهيم والتصورات)،  فليب لوجون ،ترجمة:  ضحى شيحه، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد الرابع، السنة الرابعة،   1984م، : 28

6. م.ن: 35