الظِّل

  • 13-10-2026, 17:34
  • قصة قصيرة
  • 7 مشاهدة

الظِّل                    قصة قصيرة

بشغف نصغي، متمنين أن لاتنتهي الحكاية...
في الليالي الباردات والدافئات منها على حد سواء؛ هو قطب الرحى، صوبه ترنو العيون،
أنّى حلّ؛ حلّت الألفة والسكينة.
لم يعكر الصفو ذاك، غير بضعة السنين تلك والتي حملت عنوان الجدب والعطش.
فلقد أُنهِكت الأرض، وانحسرت الحقول، وفاقت القيعان البور مدّ الأبصار، وصار بإمكانك أن تعد بيسر أضلاع من لم ينفق من الماشية!
لم تُضعف مقاومته إصرار أبي على  التخلي عن فكرة انتظار المطر، والشروع -على عجل- ببناء مصنع صغير لتدوير النفايات، وظل جدي يواصل رفض إصرار أبي، بعناد العاشقين أرضهم حد الوله.
وحتى إلى ماقبل أيام قلائل، حيث لوحظت محاولاته الانفراده بنفسه، وآضت تتكشف بجلاء نبرة الشجن في صوته، ولم يعد يحفل كثيرا بالمتحلقين حوله، وأمسى يكتفي ببضعة كلمات إذا ما تحدث أو أجاب، وغالبا مايقتصر رده على الإيماء وحده.
يبدو لي أن جدي في هذه الآونة، يخوض حوارا مريرا بينه وبين ذاته!
فأما المضي بتمسكه بأرضه، رغم يقينه باستحالت الحصول على المياه لريّها، وبالتالي مجهولية العواقب، أو الرضوخ لإرادة إبنه اللحوح، وفقدان الأرض إلى الأبد.
ذات ضحى، وكعادتي في ملازمته في حلّه وترحاله، وكانت لعبتي المفضلة مراقبة ظله، لأول مرة لاحظت انحناء ظل جدي، فما كان مني إلا أن أناديه ضاحكا:
-جدي جدي! انظر لقدأحدودب ظلك!
ولا أدري هل صعق من دقة ملاحظتي، أم أصابت قلبه شظايا رعونتي، إثر إخباره وإن بصورة غير مباشرة ببلوغه مراتبا متقدمة في سلم العمر؟
تسمر مكانه، وببطئ استدار  نحوي، ثم جثا على ركبتيه، ليساويني بالطول، أحاط خديّ بكفيه الخشنتين، وأمعن النظر مليا في عيني...
واستل كلماته من سويداء قلبه، قائلا:
- بني! ظلالنا هي نسخ أرواحنا التي  تعانق الأرض منذ الأزل!
وثمة ابتسامة متأرجحة على شفتيه المرتجفتين، وفي طرفي عينية كابدت السقوط بعناد دمعة حائرة، ثم أردف:
-أوعدني إن أنا غبت؛ لاتفارق هذه الأرض، ولاظلي!
..........
ولولا عويل عمتي الذي شقّ صداه صمت ذاك الفجر الخريفي الواجم! حيث بدا كل شئ فاقد الاحساس والحركة! حتى العصافير متسمرة على أغصان الشجيرات الجرداء دون أدنى حركة كأنها منحوتة من حجر...
ثم تتالى النحيب، أمي، جدتي... نشيج في كل مكان، فيما سار أبي بثبات متقدما بضعة عشرات من الرجال، مرددا بصوت لايخلو من حماس:
-لا إله إلا الله
وهم يرددون وراءه:
-لا إله الا الله...
وأمامه شبان أربعة يسيرون بانتظام، رافعين على أكتافهم صندوقا خشبيا مستطيلا، أخبرني أحد الصبية إن هنالك، وراء التلال البعيدة، قريبا من مغيب الشمس، مكانا يدعى مقبرة وأنهم ذاهبون بجدي ليسكن هناك.
تطلعت فيهم بازدراء، ضحكت في سري ووصفت جمعهم ذاك بالبلداء!
حثثت خطاي الصغيرة وراء جدي الذي تركهم خلفه، حاملا مجرافه على كتفه، ومضى عكس اتجاههم، قاصدا مشرق الشمس...
وكعادتي كنت مستمتعا بالسير وراءه، محاولا ما استطعت فتح خطاي، طابعا إياها فوق خطاه- مراقبا ظله- وهو يتجه نحو الأفق البعيد، باحثا عن أرض بكر  ولنبدأ معا ببذر الحب وزراعة الحقول من جديد.