نشيد تشريني / كاظم جماسي

  • 4-01-2023, 19:54
  • قصة قصيرة
  • 64 مشاهدة

الأوركسترا الوطنية المتعددة الأطياف والمقيمة منذ زمن بعيد، في جدارية فائق حسن، المزدهية باللآزورد والتركواز، والتي تهم حماماتها بالإنطلاق خارج إطارالجدارية، لتسمق عاليا في سماء ساحة" الطيران" ولكنها تعود لتترجل، وتمام مقيمي جدارية حسن، مع خيط النور البكر من فجر يوم تشريني معتدل، عمال وفلاحون، جنود وطلبة، نساء ورجال، صبيان وصبايا وأطفال، ينضم إليهم أعضاء مسطر شغيلة البناء وأصحاب بسطات الرصيف ، جذلين تطأ أقدامهم، بحنو ورشاقة، عشب حديقة الأمة قاصدين ساحة" التحرير".

   بمرورهم بهم، أنظم أليهم جمع من المقيمين في الحديقة، جياع وصعاليك ومشردون، من بينهم  بن منصور الحلاج وحسين مردان والحصيري عبد الأمير وجان دمو وكزار حنتوش والرياحي الحر  وعقيل علي والغزي جبار وبن قرمط حمدان والسوداني طالب وخضير ميري والبغدادي الجنيد ومغرم بدرية الراشد لطيف والفهد خيون دواي والجنابي ابو سعيد والسومري قاسم وبن عقيل مسلم والشريف باسم ورهط آخر من نظرائهم ومريديهم وكاتب هذه السطور آخرهم .. ولدى مثول الجميع أسفل نصب جواد بن سليم هرع أعضاؤه قافزين من رخامته الطليانية، وبمعيتهم  جواده النافر وثوره الهائج، متوحدين مع الجموع.

   ولم تكمل الشمس شروقها بعد، بدأت مطارق العمال بالنقر فوق بلاط الساحة بإيقاع منتظم وبطيء، لم تلبث أن عاضدتها معاول الفلاحين وقد استحالت كمنجات، أخذت ترسل أنغاما متساوقة وإيقاع المطارق، وفيما أضحت تتضح تقاسيم اللحن وتتصاعد، تمايلت أبدان الجموع ثم مضت تدق أقدامها البلاط تواشجا مع اللحن، لتنبجس من بين حواف البلاطات عيون نوافير تطاول دفقها وقامات الراقصين، ثم لتنثر ماء سلسبيلا زلالا تبل به الأجساد والأنحاء جميعها. 

   لما بلغ الكرنفال ذروة طبقته السابعة من نشوة الأنسجام، وذاب الراقصون والعازفون في بهجة رقصة ليس من رقصة مثلها، غير مبالين بزحف الغروب وقت شرعت تضمحل الشمس راحلة نحو مخدعها الليلي .. تفرقعت فجأة في قلب المشهد قنابل دخان ناشزة، وأزت خلل كثافة دخانها رصاصات" مجهولة المصدر" وبمسارات متقاطعة، شارخة صفو وسلام الكرنفال، وجعلت من الجموع، شذرا مذرا، يلوذ بالفرار في الأزقة والشوارع القريبة ..

   لم تنجل عجاجة المشهد إلا لتسفر عن مرأى أكداس فوق أكداس من جثامين حمام نازف على البلاط، راقصا" مذبوحا من الألم" تصطفق أجنحته، وتتلولب دماه، كما سارية، راحت ترتفع لتشهق حتى عنان السماء، فتفترش ذروتها راية خفاقة على وقع نشيد، توحدت الأرض مع السماء في ترديده، نشيد كما لو انه نشيج : موطني .. موطني..