تفجير اللغة الشعرية في لبابة السر-رسمية محيبس زاير

  • 16-12-2020, 14:25
  • نقد
  • 169 مشاهدة

في لبابة السر رواية شوقي كريم  التي هي مونولوغ طويل بين الحاضر المتمثل شوقيا حيث اتخذ من نفسه البطل والراوي وبين الماضي الذي هو بابل بأربابها وكهنتها ومعابدها حيث يبدأ الحوار متخذا من الخراب الذي حل ببابل منطلقا حيث يغلب الطابع الاستذكاري على السرد ليس هناك احداث يلاحقها القارئ بلهفة لكنه يمضي مع البطل الذي تتدفق الحكمة على لسانه الحوار بينه وبين الارباب هدفه النهوض ثانية ومغادرة هذا الخراب يحكي بلغة ذكية مقارنا بين بين الماضي حيث يتمثل في خراب بابل وبين ما حل بالبلاد من خراب ودمار في الوقت الحالي حيث يخاطب الرب قائلا انا المسؤول عن سر وجودي اشتعلت في اعماقي اسرار المعنى وأسئلة لا اجوبة لها كلكن هذا الرب الذي يدينه شوقيا حيث يتهم الارباب بأنهم سبب الخراب الذي حل ببابل يقول الرب ليس ايرا ابدا من دمر بابل الارباب لا يمكن لهم ان يمتهنوا الموت
ايرا عاشق لبابل ولا يمكن لعاشق ان يدمر حبيبته
يؤكد الارباب الذين يحاورهم شوقيا بان الانسان العارف يقول له الرب لقد اخذ الناس من بابل اكثر مما اعطوها وتلك هي المأساة وهذا يضعنا اما سؤال حول مصير البلاد ازاء انانية الانسان في وطن مستلب يأخذ افراده ما يريدون دون ان يقدموا لهذه البلاد ما يمكن ان تنهض به وتغادر خرابها
( ما الذي قدمه بيل شاحر لبابل لقد اخذ منها كل ما يريد لا شي غير جنونه وسفالاته وحروبه التي تلاحقت دون معنى وهذا ما يحيل القارئ الى ما يفعله الطغاة في العصر الحديث من حروب ليضع قدم القارئ على راهن البلاد
بابل وجدت نفسها محاطة بآلاف الاعداء دونما سبب وجيه وجدت نفسها مغسولة بالدم والأحزان صفحة (79)
وجدت نفسي كقارئة بمواجهة الاحداث التي عصفت بالعراق بعد التاسع من نيسان 2003 وقبله حيث وقفت البلاد بمواجهة 30 دولة عظمى بكامل اسلحتها التكنولوجية والنووية لتنسف البنى التحتية ولا تقوم للبلاد  قائمة بعد ذلك
قد تكون لبابة السر اجود ما كتبه شوقي كريم العارف بإسرار السرد فقد خرج من نمط الروايات التقليدية ودخل في حوار افتراضي يمتد من البداية الى النهاية حيث تجري الحكمة على لسانه وهو البطل الرئيسي الذي يصول ويجول على مساحة الرواية التي تتجاوز ال 460 صفحة بدون فواصل ولا محطات استراحة يمنحها للقارئ بل يسير به في طرق ملغومة بالمفاجآت السردية التي تدهش القاري وتزيده اصرارا على مواصلة القراءة
الرواية لا تخلو من وجود انثوي حيث تنبثق مانوليد قريبا من احد المعابد وهو هائم هناك يحاور الارباب فيانس بها ويحاورها ويكون هو الرب نبوئيد الذي تبعثه الالهة لهذه المراة التي تجسدت امامه بكامل انوثتها والتي تبهره بمنطقها بينما يتخيلها هو جسدا جميلا يجب ان لا يتعب رأسه بالأسئلة المحيرة لكنها تؤكد له ان الأسئلة ذاتها يحملها كلاهما وكأنها تريد ان تكون ندا له لكن السارد يعيدها الى وظيفتها التي خلقت من اجلها الحب والزواج لتنجب لبابل جيلا جديدا يعيد لها مجدها انه وهو يجوب الكهوف وحيدا لم يحقق ما يحلم به من اعادة المجد لبابل ويقول ان عمران بابل لا يحدث الا باندماج الكيان المقدس ومجيء جيل جديد ياخذ على عاتقه إعادة اعمار ما خربه الاجداد لذلك يخاطبها
قولي لي كلاما غير هذا كي لا يتوقف قلبي عن الخفقان
وتردد لا ادري كيف كنت تعيش ولم خلت ايامك من امراة
لكنه يتسائل لا ادري لم وقع الاختيار على هذه المرأة دون سواها ؟ مع انها الوحيدة التي وجدها في ذلك الخراب ولا وجود لأنثى غيرها في الرواية سوى عشتار الربة البعيدة
في لبابة السر يكتشف القارئ ان شوقي كريم شاعر وان روايته نشيد طويل ومناجاة كتبها في لحظة تجل حيث تنهمر المعاني والأفكار فيغترف منها كما يشاء فقد فجر شوقي جميع قدراته الشعرية في هذا العمل بعد ان كتمها طويلا بل ان الرواية كلها كتبت بلغة الشعر الموزون ( شعر التفعيلة ) يبدو ان في اعماق شوقي يختبئ شاعر لم يتمكن من اعلان موهبته سوى في عمله الاخير لبابة السر .
لكن دور المراة فيها لم يتعد حدود الجنس والرغبة التي راودت الرب من خلال التقارب الجسدي الى نشوء جيل جديد يعيد لبابل مجدها فهي ليست صانعة للحدث بل وسيلة للإنجاب والشهوة
ان الرواية عبارة عن مونولوغ طويل تتخلله مقاطع شعرية موزونة
لم يتطرق شوقي الى الماضي ماضي بابل وإحداثها الجسام ولكنه استل منه رموزه وشخصياته لينفذ من خلاله الى الحاضر الغارق في الظلام والفوضى
ان القارئ لا يلهث وراء الحدث وإنما. يستمتع بلغة الحوار وما يصاحبه من صور فنية مشرقة
وكمثال على وجود نصوص شعرية مكتملة في الرواية ما جاء في صفحة 433 من لبابة السرد
من ينزع من ذاكرتي حلما
من يقدر ان يمنع وشما يتربع فوق عقودي الاربع
يغرس وسط كياني جذرا
الى آخر النص الذي يحتل الصفحة كلها علما ان الرواية كلها صيغت بأسلوب شعري
ولم تكن اللغة الشعرية جديدة على الرواية العربية بل يعود ذلك الى ستينيات القرن الماضي وذلك تأثرا بالرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا وأثرت على كتاب الرواية في العالم وهناك تباين في وجهات النظر لدى النقاد حول الاسلوب الشعري وتوظيفه في السرد منهم من يعده ضعفا ومن النقاد من يتكلم عن التأثير السحري الذي يخلفه عند قارئ الرواية ( اذ يقوم بتحرير الدال وتركه مفتوحا على تأويلات مختلفة )
ومن الامثلة على استخدام اللغة الشعرية في الرواية ( وليمة لأعشاب البحر ) للروائي  السوري حيدر حيدر كما ان الشعر موجود في السرد كما في قصائد امرو القيس التي هي قصص شعرية كما نجح الشاعر عباس بيضون في روايته ( خريف البراءة ) حيث تمكن من صياغة خطاب شعري بلغة السرد وقد دحر مقولة النقاد بان الشاعر لا يستطيع كتابة رواية ناضجة
يقول مارتن هيدجر ( الشعر هو جوهر الفن )
وشوقي كريم لم يكن شاعر فهو روائي غزير الموهبة كتب عشرات الاعمال الروائية كما جرب الكتابة للمسرح والسيناريو وقد حولت بعض رواياته اعمالا درامية مثل احلام السنين لكنه استخدم جميع طاقاته الفنية والشعرية في عمله الجديد المختلف عن رواياته السابقة لبابة السر التي يمضي معها في حواره مع الارباب حتى أخر الرواية فيتمرد عليهم ويدينهم بانهم هم سبب الخراب الذي اطاح ببابل ودمر مجدها وهم سبب الخراب في كل زمان ومكان رغم نفيهم لهذا المنطق
تبقى هذه الرواية جديدة بفكرتها وحوارها وحتى علاقة بطلها بالمرأة تبدو غير تقليدية ولم يستغل موضوعة الجنس الساخن ليعول عليه في اجتذاب القارئ كما يفعل بعض الروائيين الذين يحولون رواياتهم الى حفلات حاجنة للجنس والاتارة وكأن الهدف الوحيد هو اصطياد الالقارئ المراهق الذي يطمح ان يجد خبرة ومائدة شهية بالافكار والتطلعات وتجاوز الصيغ القديمة التي غادرها الكتاب العالميون وولجوا مناطث جديدة لم يسبق ان ولجها غيرهم وقد يكون شوقي كريم احد هؤلاء الكتاب الكبار الذين  اختاروا طرق المجازفة واضافة ماهو خارج الاطر التقلدية للكتابة