حين يكون التاريخ قناعاً - د.عيسى الصباغ

  • 4-12-2020, 22:07
  • نقد
  • 213 مشاهدة

قراءة في رواية "لبابة السر" للروائي شوقي كريم

تعد عتبات النص علامات دلالية لا يمكننا تجاهلها أو أن نغضّ الطرف عنها ونحن نتّجه الى النص ، فهي نصوص موازية شارحة ومفسّرة – في كثير من الأحيان - تضيء ما يعتم من النص وربما تختزله أو توحي بمقطّعات صورية عنه ، والأهم أنها تكشف مقاصد المؤلف من كتابة عمله الأدبي ، وإن حاول إخفاءه أو الالتفاف عليه أو تمويهه .
عادة ما يُقال عن العنوان بأنه مفتاح إجرائي يختزل أنساق النص ، ويُظهر معناه ، كما وُصِف بأنه مرآة النسيج النصي ، وسلطة النص ، وطاقة توجيهية وما الى ذلك من توصيفات لا تتوافق مع كل عنوان . غير أنه مما لاشك فيه أنه واجهة إعلامية تتصيّد القارئ وتُغريه باقتحام النص .
وضع شوقي كريم لروايته " لبابة السر " عدة مداخل أو عتبات ،  فبالإضافة الى عنوانها ، هناك عتبتان ومقدمة بقلم الدكتور جاسم الخالدي ، فضلا عن صورة الغلاف التي وُضِيعت لتدلّ سيميائيا على قوة حضور التاريخ وسلطة ملوكه في الرواية . مثّلت صورة الغلاف مشهدا بابليا يظهر فيه أحد ملوك بابل وهو يقف بانتصاب ، وقد فرد ذراعيه فوق المدينة للدلالة على الهيمنة والقوة ، انتصب خلفه هيكل مواز لارتفاع الملك شبيه بالزقورة ، دلّ على وقوف المعبد وكهنته خلف السلطة الحاكمة ، وتحته بأحجام صغيرة بدت بابل وبوابتها وأفراد من البابليين يعملون في مهن مختلفة ، لابدّ من القول هنا أن تباين الأحجام أيقونة سيميائية أشارت الى حجم التباين بين عالمي الملوك ورجال الدين من جهة ، وبابل وسكّانها من جهة أخرى  .
   أما بالنسبة للعنوان فأنه لا يكاد يُفصح كثيرا ، فهو يُشير الى مُعمّيات تُثير فضول القارئ ، ويومئ الى مغلّف ينطوي على سرّ ينبغي هتكه وإظهاره للعيان . غير أن المداخل الأخرى أكثر فصاحة ، ولها القدرة على البوح والتصريح .
 ورد في إحدى عتبات الرواية تحت عنوان توضيح المقصد : ( وأيّ شبه بين الحقائق والآتي من الأيام ... إنما هو من باب الكشف عما هو مؤهل للإعلان ..) .
  المقصود بالحقائق – في هذا النص - هي الحقائق التاريخية التي وقعت بعد عام 556 قبل الميلاد بحسب تحديد المؤلف ، والآتي من الأيام ربما المقصود بها عصرنا ، وتحديدا زمننا ، على هذا النحو صاغ المؤلف مفارقته الزمنية .
إذن هناك زمنان أحدهما مضى وانقضى دون أن نشهد منه لحظة واحدة ، غير اننا عرفنا وقائعه وحقائقه من خلال الرُقم الطينية واللُقى وكسر الجرار وأساسات البناء ، والآخر زمننا الذي نختبر فيه سعاداتنا وآلامنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا لحظة بلحظة .
يقول المؤلف بما معناه  إذا وقع التشابه بين الزمنين فهو من باب كشف ما ينبغي كشفه لضرورته أو تأهّله . المهم في قوله هذا أن المؤلف أو الراوي الرئيس في الرواية إنما يروي حقائق تاريخية من خلال الرُقم ، أما التشابه مع الآتي من الأيام فهو ليس من دأب المؤلف أو من مقاصده الرئيسة في هذه الرواية التاريخية  (لُبابة السر) ، وإنما وقعت بوصفها مقصدا ثانويا بفعل بعض الشبه مع الآتي مع الأيام . إذ لما تشابهت بعض الوقائع بين الماضي والحاضر أصبح من الضروري التعامل مع هذا الشبه على أنه كشف (عما هو مؤهل للإعلان) هكذا يريد منا هذا النص أن نفهم الرواية . طبعا هذه حيلة فنية لجأ اليها المؤلف لتمرير إدانته لواقع سياسي مضطرب يقسو على الإنسان ، ذلك أنه من غير المعقول أن تكون وظيفة الراوي / المؤلف أن يروي حكايات تاريخية أو يسرد حقائق من التاريخ لأغراض الحكي والتسلية وعرض المعلومات ، إذ لابد من أن تكون له غايات ما وراء الحكي وإلا فإنه لا يعدّ روائيا بمفاهيمنا المعاصرة . المؤلف يعرف ذلك جيدا ويتفهّمه لذلك فهو يتفق معي بأن عتبته حيلة فنية تكمن وراءها مرامٍ يريد إخفاءها أو الالتفاف عليها لأغراض فنية  ، حسنا ما المرامي التي يريد المؤلف إخفاءها ؟ قلت آنفا لتمرير صورة واقع سياسي متسم بالاضطراب والقسوة  ، والملاحظ أن هذا الواقع المضطرب مرتبط بـ(الآتي من الأيام) وليس بالحقائق التاريخية التي يسردها المؤلف ذلك أنها مرآة فحسب . إن سردية التاريخ في الرواية  ليست أكثر من مرآة تعكس تداعيات الحاضر ، يعني أنها وسيلة سردية ، وبصورة أوضح استخدما المؤلف التاريخ بوصفه قناعا للحاضر . مما يعني أنه (أي المؤلف) معنيّ بوقائع (الآتي من الايام) ، وما الحقائق الرُقمية إلا وسيلة ذات طابع سردي وظيفتها الإشارة الى (الآتي من الأيام) وكشف ملامح قسوته وقهره للآخر المغاير أو المعارض . فالمؤلف في نصه / العتبة أراد شيئا ، وأظهر شيئا آخر مغايرا ، قد تبدو هذه الوسيلة البلاغية معتمدة من المؤلف لإيهام المتلقي ، ولكنها في الحقيقة للفت نظره وتنبيهه على نحو فنّي غير مباشر ، أي أنها واقعة سيميائية يجب أن نُحسن قراءتها ، وتجدر الملاحظة هنا أن صيغة الآتي من الأيام معنيّ بها ما تأتي من أيام وسنوات بعد السرد التاريخي ، وهذه أيضا لعبة سردية فالأمر في كلا الزمنين سيان ، وهذا ما لم يُشِر اليه كاتب عتبة مقدمة الدكتور جاسم الخالدي إذ حصر الامر في التاريخ حسب .
   ولكن لماذا كُتبت الرواية في إطار التاريخ ؟ فالملاحظ أن وقائعها وأماكنها وأسماء شخوصها وأسماء الآلهة والملوك والارتباطات الاجتماعية وهياكلها الدينية تشير جميعا الى العراق القديم . نُعيد صياغة السؤال : إذا كان الراوي معنيّ بـ(الآتي من الأيام ) ، ومقصده – كما اتضح آنفا – هو كشف واقع سياسي – اجتماعي متسم بالقسوة وقهر الانسان وإذلاله ، فلماذا لجأ الى التاريخ مستخرجا ومستنبطا ومتعقبا الشبه بين الحقائق ؟ يُخيّل لي أن الجواب يكمن في تضاعيف السؤال ، فالراوي ، على ما يبدو ، يُريد أن يؤسطر أحداث (الآتي من الأيام) ، أن يُضفي على الواقع الذي شهده غلالة أسطورية ، لتعظيم المكابدات ، وكشف حجم المعاناة إزاء نظام سياسي يراه غاشما ، فضلا عن إضفاء طابع الديمومة (الخلود) على حقائق الآتي من الأيام ، والمقصود بالعبارة الاخيرة – مرة أخرى - هي الأحداث التي شهدتها أجيالنا المعاصرة.
 يختار شوقي كريم عتبة أخرى لها مساس مباشر بوقائع الروية ، هذه العتبة عبارة عن أغنية سومرية تقول :
لقد سقط القدح مُحطّمًا
ولم يعد ديموزي على قيد الحياة
وذهبت الحظيرة أدراج الرياح .
هذه الإضاءة الشعرية خير تعبيرعن الشعور باليأس والتداعي النفسي الذي كان يكتنف نفوس الساردين وبعض الشخصيات في الرواية (تناوب على السرد أكثر من سارد ، هذا إذا لم تكن هناك لعبة تماهي الشخصيات ) . ولكن ما يُعد مفتاحا للدخول الى حيثيات مهمة في الروية هو موتيف " الحظيرة " الذي انطوى على حمولة رمزية عالية ، فأنه يشير الى المكان : بابل سومر في ماضيهما والعراق في حاضره أو في الآتي من الأيام بحسب تعبير الراوي ، كما يشير الى الارتباطات النفسية والاجتماعية أو ما يسمّى ذاكرة المكان . في الحقيقة أن عشق المكان والتعلّق به يشكّل موضوعة رئيسة من موضوعات الرواية ، وفي تمثّلها استخدم المؤلف تقنية تيار الوعي أو تداعي الذاكرة الحر، وقد اصطبغت صفحات عديدة بهذا التداعي ولاسيما في الصفحات الأولى من الرواية ، والمُحاور المفترض الذي يتخلل سيل الوعي الحر للأفكار إنما هو وسيلة سردية لتحفيز الوعي على المزيد من تساقط الكلمات وانهمار الصور .
يوصف عادةً هذا الأسلوب (تيار الوعي) بأنه نوع (من كتابة الحوار الداخلي للشخص، لذلك غالبًا ما تكون الجمل مفككة والأفكار غير مترابطة يكون من الصعب معها متابعة النص، أو المشاعر التي تكون متداخلة في النص) .
  إن عبارة ( الجمل مفكّكة والأفكار غير مترابطة ) لا تؤخذ على حرفيتها ، فمن المؤكد أن هناك حافزا نفسيا ، أو حساسية نفسية تنطلق منها الأفكار وتسيل خارج النفس ، والحوافز النفسية لا تأتي من فراغ ، ذلك أن وجود المكان في الذاكرة  نشأ نتيجة العلاقات القائمة على قيم الحضور والتعايش ، عليه أن هذه القيم تمنع الأفكار من التفكك ، ولكنها لا تستطيع منع التنقّل من موضوعة الى أخرى ، وهذا ما لمسناه لدي الراوي ، فالأسئلة تتدفّق لديه حول موضوعات مختلفة : معرفية ووجودية  وسياسية وطبقية وأخرى عن الكتابة وماهيتها وكيفية تجاوز ما نقشه السابقون ( هذه أيضا موضوعة رئيسة في الرواية )، وتتدفق  الأسئلة ، أيضا ، عن الآلهة وفعلها وغاية وجودها ومدى الحاجة اليهم ، والملوك ما الذي جعلهم ملوكا وأسباب استبدادهم وطغيانهم ، وعن الزمن ومفارقات الماضي والحاضر ، والتميّز والخمول ، والفناء والبقاء والعبودية والحرية والفوضى والانحلال وسقوط العروش وما الى ذلك من ثيمات كثيرة متفرقة تنفثها نفس أسيانة محطّمة تشعر باليأس والانخذال .
موضوعة المكان والتعلّق به تتكرر لديه كثيرا إذ ( يرى علماء النفس أن العلاقة بين الإنسان والمكان، تبدأ من الخطوات الأولى للطفولة وبمرور الأيام تتخذ هذه العلاقة صفة الاعتيادية، ثم تترسخ لتأخذ طابع الحميمية لتصل في بعض الأحيان درجة العشق، وهو ما أطلق عليه باشلار مصطلح ( الطوبوفيليا ) الذي يعرف على أنه حب المكان أو محبة المكان ) والأمر برمته مرتبط بالحساسية الإنسانية العالية لأماكن وفضاءات معينة . وقد لوحظ أن لدى شوقي كريم مقدرة عالية على وصف المكان وإظهار لوعجه إزاءه ، فهو يمتلك معجما غنيا بالمفردات يُسعفه في وصف المكان الواحد عدة مرات وبكلمات مغايرة . هذه المقدرة والخزين اللغوي أوقعاه في فخ التكرار وتفخيم الوصف مما نجم عن ذلك أنْ يتباطأ الحدث ويتلكأ نموّه في بعض المواضع ، ومن الطبيعي أن يشعر القارئ بالملل .
    لم يستخدم شوقي كريم الفصول في توزيع روايته ، وإنما استخدم الرُقم نحو الرقيم الرابع أو الخامس وما شابه .. وهي دالة سيميائية توحي بأنه رقّام أو كاتب ومهمته تنحصر في توثيق الوقائع التاريخية ومنع الحقائق من التسرّب أو أن تُطمس وتُمحى ، فالكاتب في عرفه ذاكرة شعب أو أمّة ، وما يميّزه عن المؤرّخ أن لديه مؤهّلات إبداعية ، وموهبة قادرة على إظهار الحقيقة وصياغتها في قوالب فنية مؤثّرة تُبعده عن الانحياز وتُبهر المتلقي في الوقت نفسه .