اشكالية الاستبداد المقدس والنزعة الإسقاطية - عباس لطيف

  • 29-11-2020, 19:29
  • نقد
  • 215 مشاهدة

قراءة في رواية (لبابة السر) لشوقي كريم حسن

                                                          

تمثل موضوعة التحولات توجهاً ابداعياً مهماً في تجارب الكتاب وهي مظهر من مظاهر الجدل الذي يتبناه المبدع للتعبير عن تحولاتِهِ وتنوع ثيماتهِ وأساليبهِ في التعاطي مع الواقع والفكر, ونجدُ ظاهرة التحولات في تجارب والشعراء والمسرحيين والروائيين وحتماً الرسامين وانتقالاتهم على مستوى الشكل والمضمون والمدارس والمذاهب الفنية والفلسفية, فقد انتقلَ بيكاسو من السريالية الى التكعبية الى المرحلة الزرقاء وتنقل دستوفسكي بينَ الواقعية والواقعية الاجتماعية الى الوجودية والى السايكولوجية, وتنقلَ نجيب محفوظ من التاريخ الفرعوني والى الواقعية والى المرحلة الميتافيزيقية وغيرها.

ولهذهِ التحولات ضرورتها وبواعثها وهي نوع من القلق أو البحث عن المعنى في أكثر من شكل وطريقة وفضاء.

بهذا الاثملال يمكن النظر الى تجارب الروائي شوقي كريم حسن وانتقالاتِهِ بينَ الواقعية (الشعبية) وأدب المهمشين أو واقعية القاع والواقعية الاجتماعية ذات البعد السياسي وصولاً الى روايتِهِ (لبابة السر) التي استثمرَ فيها المتن الميثولوجي باتجاه الاسقاط والترميز واستكشاف العوالم والصراعات للتعبير عن أزمةِ الانسان بإطارها الوجودي عبرَ الزمان والمكان. وهي رواية تثير الكثيرَ من الاسئلة وتؤشر لمرحلة اشتغال فني متقدم لدى الكاتب وحصيلة لتوغله وتشابك تأملاته في الفكر الاسطوري العراقي القديم وتفكيك رمزيتهِ ومعطياتِهِ.

وإذا كانَ الشعر العراقي والعربي عموماً قد حفلَ بالكثيرِ من تجاربِ التعالقِ مع الاساطير واستثمارها شعرياً فإنَ الرواية العراقية والعربية عموماً ظلَّت بعيدة نسبياً عن هذا الانشغال ومنذُ البدء تضعنا رواية (لبابة السر) ازاء عتبات قرائية بدءاً من تأويلِ العنوانِ وتاريخ احداثها الذي يعود الى (556) قبلَ الميلاد وليس آخرها  حضور شخصية الكاتب شوقي كريم وتماهيهِ مع أحداث وشخصيات الزمن المثيولوجي وحوارياته مع الحكماء والكهنة وغيرها من الشخصيات وكأنه يمثل شاهداً على ما جرى من احداث وفضائح وقتل وسفك وما يقابله من مواجهة وتحدٍ وتجليات عبرَ لعبة سردية تؤشر نوعاً من الفانتازيا والتجريب وتعميق الدهشة والانتباه وتفعيل توجهات النزعة الاسقاطية وانزياح التاريخ المثيولوجي الى التاريخ بمعناه الكورونولوجي والانساني, وكأنه يسعى لتوكيد مقولة ان التاريخ بكل تجلياته الواقعية والاسطورية يعيد نفسه ولكن في المرة الثانية أكثر سخرية ومرارة وان الاستبداد بصيغته المقدسة لا يختلف في فضائحه وشروره عن التاريخ الانساني وتحليقات الخيال المثيولوجي.

ويتخذُ الروائي من مدينة بابل مكاناً وساحةً للصراعِ والاستبداد الذي تتعرض له بسبب طغيان ونزق (مردوك) وحرقه المدينة وارتكاب العنف واشاعة الفساد في المعابد والرذيلة في كلِّ مكان, ويمثل الصراع ببشعته الصمودية للكشف عن أهمية الآلهة وانصاف الآلهة والكهنة على مقدرات الناس وبما يحول شكل الصراع ثنائية الانتسة والالهنة , ولا بدّ لكلّ طاغية من مدينة يعيثُ فيها الخراب ويشعل في مفاصلها النار... حتى يمكن القول ان النار بشكلها الفيزيقي تمثل دلالة سيمائية للطغاة والأشرار والمستبدين وبما تذكرنا ثنائية (تيرون روما).

لكن الروائي ومن أجل خلق معادل وجودي مضاد لهذهِ السيمائية الشريرة فإنهُ يجعل من نهرِ الفراتِ كنوعٍ من المواجهة والتصدي لمقاومة شرورِ النزق السلطوي حتى يتحول نهر الفرات الى نهر (الغانج) المقدس, وقد عززَ هذهِ السيمائية الرمزية بقصة العشق المتوهج بينَ (نبونيد) و (مالونيد) ليضعا صورةً من صور التحدي والنهوض ومواجهة العنف والكراهية والغاء الآخر, وقد حفلت الرواية بالتحريض الذي اقترنَ بالمواجهة, لتقرأ هذهِ السطور التحريضية:

(عاطل سيف الخطأ

عاطل دم الانتظارات

عاطل دم الوردة الآفلة

*****

  (الانتظار مهنة كاسدة)

(العيب أن تبقى الكلمات خرساء

    عندَ عرش السفاحين).

وهذا العشق وقدسية الفرات والتحريض كلها مؤطرة بوصايا الحكيم(سن), ولم تكن بابل وحدها تعاني نزق وعبث الكهنة وعنف المعابد بل امتدَ الشرّ الى مدن نفر وكيش/ أريدو/ ايسن وسومر.. لتصبحَ أرض السواد كلها أرضاً للاحتراقِ والبغضِ بعدما حوربَ ونفي ديموزي وعشتار وذهبت تراتيل التضرع ادراج الرياح.

وقد اشتغل النص الروائي على استثمار اللغة الشعرية وتحليقها ثماهياً مع فضاء الاسطورة ومنطقها واجوائها.

إنَ رواية (لبابة السر) لم تكن ترجمة حرفية للمتن الاسطوري لكنها سعت الى تفكيك الاستبداد وإنَ ما حدثَ قبلَ الميلاد قد حدث بما يطابقه ويماثله ويزيد عليه في ظل نوع آخر من الاستبداد السلطوي وهو الاستبداد الايديولوجي والفكري وبما تمثله الحروب والصراعات والاقتتال والارهاب والعنف تحت مسميات وتوجيهات مختلفة ما هو إلا امتداد لنزق الآلهة الميثولوجية وإن أساطير العنف والقتل تتناسل حضيرة شريرة أو متوالية رثة.

ومن الظواهر الفنية التي وظفها الروائي الى جانب اللغة الشعرية المحلقة ظاهرة استثمار الحوار بشكله المسرحي لتعميق الاثارة وكشف مستويات الحوار وتوجهات الشخصيات, وظلت الرواية مشدودة في نسق صراعها الى التقييم المانوي للوجود: النور والظلام/ استبداد/ حرية/ قوة/ ضعف/ المرأة, الرجل, الأرض, السماء, الحاضر, المستقبل, الآلهة, الشعب, الواقع, النبوءة, الظلم, البشارة, الموت, الحياة.

ومثلت الاسئلة الوجودية للإنسان في العيش والكرامة والحرية والشقاء والسعادة ... اسئلة محورية انتظمت مسار الصراع منذ البدء وحتى النهاية, وكانَ جوهر الفكرة المركزية يتجوهر حول قصة عشق (نبونيد ومالونيد) ليؤسس تحليقاً خلاصياً مفاده إن الحب ينقذ العالم وهو الذي يهزم الجبابرة والطغاة وانصاف الآلهة رغم الاستبداد والقبح ومن أجل ألا يتحول الانسان الى مجرد قربان مجاني للمتسلطين والبغاة... وكانت الجملة الختامية في الرواية أو لحظة التنوير ذات دلالة سيمئية وترميزية ( يا لأرض السواد... كم أنتِ عامرة بالرجاء!!) وقد فتح الروائي بها زمن التحريض وملحمة الضوء الآتي من المواجهة والمطاولة وتجاوز الخدر الطقوسي باتجاه الأمل وكفاح الانسان من أجلِ الحرية والكبرياء والوجود لأبهى.

وتبقى هذهِ الرواية علامة مهمة في السردية العراقية باشتغالها ومضمونها الانساني المتقدم.