الإيغال المبهر في الموروث الريفي - عدنان أبو أندلس

  • 6-11-2020, 20:21
  • نقد
  • 260 مشاهدة

* عن رواية " خُبز العَوْنية " لـ يونس على الحمداني

  

في روايته الثالثة ( خبز العونية) المنشورة عن الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت ـ لبنان 2018 بطباعة جميلة وانيقة ، حاول الروائي يونس علي الحمداني الايغال في عالم الريف اذ سهل عليه ذلك ؛ كونه عاش صباه فيه فبقي محفورا في خلده عالم الزرع والهواء والشجر والخضرة والفضاء المنفتح على الحياة ، ويبدو أنه كان يتمتع كثيرا وهو يحكي عن قصة الحبوب المعفرة بالزئبق رغم المأساة التي خلفها توزيع تلك الحبوب على الفلاحين، و(العونية) لفظ شعبي مأخوذ من المعينة التي قدمتها الدولة للفلاحين في خريف عام 1971 تعويضا عن القحط الذي اصابهم قبل سنة. كنت اتمنى أن يكون عنوان الرواية ( الخبز الاحمر) لأن الاسم سيكون مشوقا أكثر ويكون صداه أعمق  وارصن  ويشابه الى حد ما العتبة القرائية  لرواية (الخبز الحافي) لـ محمد شكري التي تعني الخبز الذي يأكل وحده بلا غموس.، لكن يبدو ان الروائي فضل (خبز العونية) وبقي عليها ، كونها تسمية أطلقها الناس على تلك السنة التي عرفت بسنة " العونية  " أي تماشيا مع ذائقة الناس  حيث دارت عليها الألسن ، وتخليدا لهذه الذائقة وفق بهذا العنوان .   

     ولقد كان للنهر (الزاب الاسفل) تأثير كبير في احداث الرواية وحياة الابطال حتى بدا وكأنه أحد ابطال الرواية كون كل ما جرى كان بمحاذته وعلى حوافه وساحله وربما بين امواجه ، حيث ما يمتد مع النهر الا ساحله الذي خاضت في سطحه وبين امواجه منذ جريانه اجناسا من مشارب شتى وبقيت حكاياتهم صدى عابرا يتلوى متحديا النسيان والافول، ورائحة ذكريات يحفها الموج ويغمرها تقادم السنين، هذا النهر الخالد في ذاكرة من يسكنون حوله حمل مرآته الساطعة منذ أبصرته العيون كي يتراءى لهم من خلال الصور الصقيلة العاكسة على امتداد البصر حتى يتلاشى عن النظر.

     وبهذا استجمع الروائي ذاكرته الخصبة المتوثبة لمواكبة الحدث عبر روايته المذكورة  والتي تقع في (349 ) صفحة من القطع المتوسط وتحتوي على (33) فصلا سرديا، المنجز الزاخر بالموروث والذي يُسطر تاريخ نهر ، وحياة قرية تحتضنه ضمن حقبة زمنية أطول من فترة المأساة التي خلفت ضحايا كثيرة من الفلاحين البسطاء، ويبدو أن لهذا العمل قصب السبق في مؤانسة المكان وملائمة الحدث ـ أي استشعار الماضي بلسان اللحظة واستحضار المأساة بعين الاحفاد وتخليد ذاكرة من الشجن والفرح، أي انعكاس بأثر رجعي ـ انعكاسات ذاتية لفترة مشحونة ومخيمة على مشاعر الجموع بالحزن (الأسى الموحد الشامل).

    استخدم الروائي تقنياته في اسلوبه الأمثل بوصف طبوغرافية ـ تتخللها سرديات من الميثولوجيا وأساطير وأمثال من طابع يوميات المكان ومشاهد متحركة وثابتة متكررة في حياة الناس هنالك . أعتقدُ بأنهُ أعتمد شفاهياً على لسان راوي عاصر الاحداث منذ بداياتها أو عاشها من خلال احاديث الناس حوله وقصص ممن عاصروا وشاهدوا سقوط الناس المُريع  بعد أكلهم ارغفة الخبز القرمزية في زمن كان لا يوجد فيه سوى خبز الشعير المخلوط بالذرة المتعفنة.. هذا أن وجد. وهذه الاحداث والحكايات اختزنها منذ بداية السبعينات حيث ولج في مفصل الجزئيات الشخصية والخصوصيات المروية عن ضحايا الالم المفاجئ القاتل.     

     لا شك ان الراوي يعتمد على النسيج العضوي الذي يجسد الحدث بأركانه والمماثل لشخصيات الرواية ذاتها ، ولقد ناور بتصرف لتجسيد العمل والامكنة الملائمة له ، وهذا السرد الضخم أخذ منه جهدا وفيراً  للوصول الى ذروة الحدث من خلال تصاعد النسق التدرجي للحكاية ثم الانسلال السهل للوصول الى نهاية الرواية أو القصة التي يبتغيها حيث خلد حياة نهر وتاريخ منطقة وصوّر حالات التسمم اليومية  للناس الذين عاصروا المصيبة بأيامها الثقال من خلال ما اعطى للفصول من حكائيه منوعة وملونة من فرح وحزن ومكابدة وعالم صيد وماء جاري ومزارع وخضرة وعادات وتقاليد قد لا يعرفها من عاش بعيدا عن عالم الارياف الساحر، ويبدو لي ان الاستقراء والاستبصار عن وعي متفحص  لذلك الاستبطان وهو أبن البيئة التي تتميز بخصوصيتها من مستويات الحكي التلقائي ، والتي تلهم الكاتب من خلال الموروث حيث يختلط القديم التراث بالجديد المكتسب، واذا علمنا ان الرواية كتبت بأسلوب الراوي العليم الذي يجمع كل خيوط الاحداث وحياة الشخصيات وتحركاتها بيده من خلال ضمير الغائب المسيطر على كل شيء رغم أنه ليس له وجود بين ابطال الرواية فقط صوت وظل نحس به بقوة لهذا تنزلق اللغة في الايغال بعيدا عبر استذكارات عديدة وربما احيانا رومانسية ـ خاصة ـ أن الروائي هو بالأصل شاعر، وهذا ما أقصده أي الايغال بالموروث والعادات حسب الاحداث المروية فربما أخذته الاحداث المروية والسرديات بإغراءاتها فراح رويدا رويدا وبلهفة استرجاع عالمه المفقود وكل ما يمكن أن يسطره للاحتفاظ بالحلم الجميل الذي عاشه أيام طفولته بين الشجر والماء والحلم المنفتح على الفضاء الواسع.

     وأكثر ما سحرنا به ، هو وصفه للنهر بأمواجه المتقلبة  وسرعة مياههِ المتسارعة  نحو الجنوب والذي اصبح لونهُ  أحمراُ قانياُ مرتين خلال احداث الرواية، مرة من كثرة ما ألقي فيه من حبوب حُمر طافت حمرتها وغبرتها على وجه الماء، ومرة في يوم عاصف غطى فيه التراب فضاءات القرية، وقد يتبادر الى الذهن أولا بان شفق المغيب سطع على وجه النهر فازداد النهر حمرة تتوهج أو ما يحمله النهر من طمي وغرين أيام فيضاناته المهولة.. الخ. ولكن حين يستغرق في القراءة أكثر يتبين القارئ مغزى ذلك جليا، غير أن لسان حاله يقول: هذا النهر الهادر في أيامه الخوالي لا يبدل لونه خلال أيام نحسه ويستدل من ذلك أن وصف الراوي للأمواج التي اصبحت حمر، فالمعنى اللفظي معروف لكن دلالته مختبئة خلف تكتمها وبما تحمله من استنتاجات القارئ لحاجة ابتكرها بتصرف وخيال قاص يستقرأ اراء جديدة، واستنطاق لصمت لاذ بالنسيان تحت أوحال ركست بقاعهِ منذ عقود من الزمن.

     لقد وفق الروائي الى حد بعيد بزج شخصية الجدة (سوده) كونها تمثل حياة  ريفية بكاملها من حيث التسمية : احتشام، كرم، طيبة، واجهة، اعتبار، حتى الاسم المختار لها يدل على الموائمة والمؤانسة في خضم حياة قاحلة تضج بالفقر والتهميش والكدح اضافة الى (عبدالله) بطل الرواية الفتى الذي واكب الاحداث من بدايتها حتى نهايتهاـ أي من لحظة تسلمهم للحبوب المعفرة بالزئبق واكلها من قبل كثير من الفلاحين حتى شارك بدفن الموتى بيديه ـ هو عنصر التواصل المستديم  والرابط بين حياتين – الحياة والموت  رغم كل الهفوات التي طالته والاحباطات التي نالته بخسارة حبيبته (فرحه) وكثيرة هي العثرات التي اعترضت طريقه أيام صباه وفتوته، لقد صبر وصابر واجتاز حاجز النكبة بتفاؤل رائع رغم الألم الذي يعتصره، ليقف على اطلال الحدث. وكذلك شخصيات مهمة من النسيج الواقعي في بؤرة الحدث اعطت للرواية جمالها وترابطها النابض مثل (مزنة وعواد وفرحه وعاشور والشيخ فتحي ودرويش) أما (خلف الجربوع) ذلك الصياد المستوحد  والمتفرد الذي أعطى للرواية سحرها المنثور والذي كان يسهر الليل عند النهر ليعطي ما يصيده الى أهل القرية بلا مقابل حيث كان شغفه بممارسة هوايته أو مهنته بلا حدود. كل تلك شخصيات سايرت الاحداث لتكمل أدوارها كما أرادها الروائي من خلال الاستطالة التي عبر بها عن جزئيات المكان المخفية حتى غدت وثيقة تاريخية وتقويم جميل للمنطقة، ربما أرشيف مكاني زماني لتلك البيئة المغلقة والمطلسمة الى حد ما.

     ولقد توضح جليا بانهُ خاض بتفاصيل الحياة الريفية المريرة والجميلة درجة درجة دون أن يمس بنسقية الاحداث المروية بالتدرج، وكأن عينه البصيرة تدون ما يتراءى أمامها من حدث ماثل كونه قد خزن أدواته واستعد لذلك منذ زمن وأخذ كل الاحتياطات الازمة للخوض في غمار ذلك العالم المتحرك بمحاذاة النهر وأمواجه التي يبدو هديرها ساحرا في الليل، بالنسبة للفلاحين الذين يسهرون يحمون مزارعهم من هجمات الخنازير اللئيمة. هو يمتلك خزينا لا بأس به فالرواية بقدر ما تبدو مكشوفة باعتبارها من المدرسة الواقعية فهي تمتلك سحرها المبطن الخاص كون الروائي كتبها متأثرا بالواقعية السحرية وآداب امريكا اللاتينية كما اعتقد، وهي عمل أبداعي خلد المكان وثبت الزمان في لوحة المستقبل بتلك الاضاءات التي شعت في ارجاء امكنة لم تكن معروفة وخصوصية قرية (الخازر) التي لها صدى بين القرى المتناثرة على حافتي نهر الزاب الاسفل. ولكن قد يسأل قارئ ما ن لِمَ كل هذا الوصف الدقيق لمتن الرواية وعجنها بالموروث الشعبي العام ؟ ... فالجواب ربما استهوت المؤلف  متعة الوصف وشدته العاطفة نحو مراتع الصبا فأوغل في سرديات صوفية وذكر أنواع كثيرة من النباتات والطيور  وخاض في مواريث سالفة دون أن يجعل ذلك على شكل حوار بين ابطال الرواية ـ أي ان الحوار قليل خاصة في النصف الاول من الرواية ـ نقول ان الحوار في الرواية داخلي وهو جزء من عملية السرد، أي حوار ضمني يشع من بين السطور ويتراقص فوقها، ولقد استخدم كثير من الكتاب المشاهير هذا الاسلوب في الكتابة في بعض رواياتهم كماركيز والروائي التركي أورهان باموق.. على سبيل المثال.

     ولقد ظل النظر الى الماضي بعين الذكرى يتدفق لاستعطاف الوجدان من صور متوالية: طفولة، فتوة، شباب، كهولة، ولعل الطرح الروائي يسحر المتلقي ويصور له أحيانا في بعض الصفحات وكأنه ينظر الى مفازة شاسعة في ورقة واحدة من الرواية السحرية، حتى كأنه يحمل في داخلة اشكاليات الواقع المحسوس والملموس في آن واحد، كل ذلك من خلال تصوير القرية وجوها وما تحمله من انبعاثات خاصة هي المكان الاثيري للتفاعل الاجتماعي ونوازع الخير والشر وسط الخضرة والماء وهنا المفارقة الخلابة بالوصف السحري الجاد . ولا يخفى ان القرية تعيش اجواء قريبة في كل مكان رغم الاختلافات البسيطة بالمناخ،  فالقرية في شمال العراق لا تختلف عن أي قرية في أي مكان وهي ترمز لكل القرى التي أكلت من الحبوب المعقمة بالزئبق في العراق وتشبه في اجوائها الاجتماعية الى حد كبير كل قرية في أرض العرب.

     الشيء الملفت الجرأة الصارخة التي بدا عليها المؤلف اذ تكاد تكون نادرة بين ادباء جيله والمنطقة من خلال تجسيد حي ونابض لكل مظاهر المسكوت عنه روائيا، حيث باح لأول مرة وصرح ومثل وصوّر بريشة رسام متمكن، فلقد أحسن في وصف غرام الارياف بكل اسراره التي تغطيه احيانا حشمة مصطنعة وقسرية بقيودها  الصارمة  ، غارقة في ضوابط مقيدة كحركة الهوى التي تنوء بتقاليد متشنجة أو هكذا تبدو.

     من خلال ما ورد في استرسال الاحداث استفاد الكاتب من اللغة الدارجة في اماكن حددها من دون تزييف تماشيا مع موجات التغيير، أراد أن يتركها كما هي على فطرة نطقها من فم الشخص الريفي لتعبر بصورة اصدق، اللفاظ متداولة بين متحادثيها فقط، كي يعطي للمتلقي انطباع خصوصية الرواية وخصوصية المكان، حيث استخدم صراحة هذه المفردات الخشنة والمجلجلة بالصوت لملائمة مناخ الديار، مفردات تبدو غريبة بالنسبة للشخص الحضري مثل: طش، اعجار، بحروثه، كَران، الكُر، تتهدرس، الاباعر، طرابيش، الحاوي، هاركا، وغيرها. ولو اعدنا هذه الكلمات الى جذرها اللغوي ربما نستخرج اصلا آخر لها من لغة آشورية أو آرامية أو لغة عربية فصحى أو من لغات المنطق المحلية ، لأنها أي المنطقة تاريخية وأثرية تعاقبت على سكنها اقوام شتى.

     ختاما أود توضيح أمرا من خلال استقرائي المتأني، وهو ان الرواية كتبت بلغة رجولية مستمدة من القوة انبهارا ودهشة، ورغم شفافية الكاتب وليونته وشيء من صقل المدينة له ولكونه ـ كما أعرفه ـ شاعرا حساسا  شغوفا مرهفا الا أن الخشونة راحت تلقي بظلالها على الواقع السائد المفعم بالرجولة، ولقد أطلق على نهر الزاب لفظ (الفحل) ربما لأن (الزاب) مذكر كلفظ أو لما له من رهبة في قلوب الناس أيام فيضاناته العارمة، أو حسبما اعتقد هذه التسمية يصح ان تطلقها أنثى، وقد يأبى الرجل من اطلاقها أو التفوه بها خشية المساس به وهو الكامل القوي والمرتبط بالأرض الا اذا أراد أن يوحي الى شيء أعظم ويصور هالة لها صدى حقيقي. كون تلك الارض وما يحيط بها من صراعات يكتنفها قلق ذاك المجتمع المشبع بالعادات والتقاليد الصارمة، بعد ان غلف الفقر والتعب وضعه وتواصل معه الى تجاهل الجهل وهذا ما وقع لضحايا مردها الجهل أو التجاهل رغم الوصايا والارشادات الخجولة والتحذيرات المعلنة عبر وسائل الأعلام التي قد لا تصل الى اعماق الريف والقرى البعيدة، حتى ادركتهم المصيبة والتي  مازالت تتشظى الأوجاع بعاهاتها الى الآن.