باسم الياسري.. البحث داخل سرديات الإرث - شوقي كريم حسن

  • 2-11-2020, 23:38
  • نقد
  • 144 مشاهدة

*كيف يمكن لولد يحلم باجتياز نهاراته من أجل الوصول الى غايات ومقاصد غير واضحة المعالم والحدود، من تحقيق تلك الاماني التي اصابته بالدهشة والخوف؟

كان يريد ان يكون سارداً، لونياً يمازج بين مكونات المدن الضاجة، والقرى المسترخية عن ضفاف الدجلتين، وهوس الحناجر التي ابعدت الابتهاجات لتصنع مروجاً من الأحزان والترقب، خلطة صبي، لم يتقن بعد حتى كيفيات ترويض الاحلام وجعلها رفيقة طيعة لينه، لكنه وكعادته حتى اللحظة، يطمح بأن يضم كل معنيات الجمال إليه، يحول بصمت وبغفلة من عيون مراقبيه، البياض المنطفيء، الى تسلسلات سردية، ليعلن بأبتهاج لنفسه، انها مخططات شريطه السيمي الأول، صدمته الكونية الأولى، تحدياته التي تسحبه بأتجاه ستوديهات هوليود ورفاهياتها الباذخة، يجلس عند حضور كاري كوبر متحدياً، ويحاور بازوليني من اجل تصحيح مسارات الفهم التذوقي لاشرطة الحكي السيمي، وربما صادف هيبورن ليوضح لها نبوته، وضرورة الأيمان به، وتقديس مهمته الجمالية الكبرى، لم تغب تلك الهواجس عن روحه ولو لهنيهة وقت، يطلق بلابل اطيافه موصياً اياها بضرورة تحدي امكنة التصوير وضرورات الاختيار الدقيق لكل ماسوف يثير الضجيج والارتباك والغضب ربما، الخطوات تباطئت لدى باسم الياسري، وصاحبت وجوداته كلها مساحات خيار قلق، كيف يمكن تحقيق كل تلك الجنونات الوقحة دون رأس مال يأويه، ويسهل له مهمة التعريف بفيوض مواهبه، وحيثيات افعاله التي لاترضى بغير اقتحام المستحيل، وحين امسك الوقت، تحركت اداة تصويره الفقيرة ليكتب سرداً سيمياً، طرحه امامنا ذات وقاحة ، نحن شظايا القراءات والاهتمامات الفكرية والاجتماعية الموغلين بالفقرو مقومات الاجتياح، هذا هو شريطي السيمي الأول امامكم، ابحثوا لنا عن مكان عرض؟

فماكان الاختيار الا في غرفة خصصت للضيوف في بيتنا، عرض السرد، كان الجمع صامتاً والعثرات اللونية والحركية وتوقفات العارضة تحبس انفاسنا، هل نجح باسم الياسري بمهمته المتحدية تلك؟

رحنا ندفع حواراتنا الى رضا الفعل بعامته، مع جرأة نطالبها أن تستمر، لكن الياسري غادر اوكار احلامه، ليحط عن الدرس الاكاديمي المعرفي، حمل وصايا مخاوفه وامتهن الغربة، لايمكن للحياة ان تمنح الناس كل مايرغبون به، في غربته التي امتدت لدهور، ظل يحاول صناعة افلام قصيرة، مع قدرات مهمة في اعادة الحياة لمخطوطات وكتب تكاد اروقة النسيان الاستحواذ عليها، وجد الدكتور باسم الياسري، ضالته بين طيات تلك المعارف الثرة، فاخلص لها، ورافقها بهدوء وتئن وحذر ايضاً، يوماً سمعت الدكتور المعلم علي جواد الطاهر.. وهو يتحدث عن التحقيق واهميته في اعادة احياء الاجساد المعرفية المسجاة، فشعرت بالرعب، كنت اشعرها مهمة سهلة، ولا تحتاج لغير بعض التصويبات والتصحيحات والشروح، لكن القصة ابعد، واعادة الحياة لكتاب مدفون في دروب الضياع مهمة شاقة، استطاع باسم الياسري ان يمد وجوده العلمي بتلك التحقيقات التي وضعته عند الصف الأول، ولكن روحه ظلت ترنو الى حيث الوجد السيمي ومتاعبه، لهذا يهرب الى حيث الهناك عله يقدم ضالته، ومايلبث ان يعود مصاباً بالخيبة والرعب، يكتب سرداً اكاديمياً داخل مساحات وعي غير مكتشفة بعد، مع الشفاهية امسك زمام الشروحات والتوضيحات، لكن الياسري، غير المستقر نفسياً والباحث عن وجود يعوض له خيبات امل الايام، خطى الى امام بجنون، حين اعلن عن تأسيس مجلة ضفاف التي اراد لها ان تكون داراً متزنة تهتم بالمعارف والعلوم والفنون الرصينة والمفعمة بالأنسانية، تلك الانتقالات رمت بالياسري الى شطآن عزلته، وحده يخطط بحذر صبي يروم عبور نهر، ووحده ينفذ مراميه ويقدم مقاصده، ووحده يحلم حتى مع فوات السنوات، كيس ايامه يحفظ الكثر من الاحلام المتحدية، يشتغل وهذا اهم شيء، اراه مرات قليلة، متراجعاً حاساً بالخيبة والأنكسار، لكنه مغرم بذاك المحكوم بدفع الصخرة الى علو جبل، يتقمص روحه المتحدية، ويبدأ الدفع باصرار ولا تهمه فكرة التراجع مادام ثمة امل يالوصول الى قمة الجبل المرتجاة، هو هكذا سيزيف المعرفية العراقية، ومتحدي عوالمها التي كادت ان تنساه ذات سنوات، لكن الياسري اعلن عن وجوده، عن افكاره، عن امانيه، ومازال يعلن بصوت حاد، يمسك متخيلاته السيمية ويلوح بها، الأحلام اجمل سفن النجاة لارواحكم، هذا ما قاله لي عارف بالمجهول ومؤثر فية، لكن الامر يحتاج الى متابعات نقدية لمنجز الياسري الثقافي والعلمي، وهذا ما لاتقدر عليه النقدية العراقية ولا تحبذ الاقتراب منه لانها تؤمن بالمهام السهلة والسريعة الوجود.