وجدان عبد العزيز.. مقتضيات السرد وتعددياته - شوقي كريم حسن

  • 27-10-2020, 20:47
  • نقد
  • 203 مشاهدة

*في الشطرة، التي لاتشبه مدن بلاد الرافدين، يبدو كل شيء حائلاً، تعلوه غمرات تراب مسود، يحكي كلما سنحت له فرصة السرد، عن عوالم وازمنة، حفرت بقوة البقاء، داخل حجر التواريخ، الشطرة، بغتسل صبيانها بغير ما يغتسل به ابناء ارض السواد، نواح حناجر الامهات، وجنون الليالي التي لاتهدأ حتى لحظة شق زيق الفجر، لتهرول خطوات الصبية المأخوذين بدسومة الماء وزفرته، ليرتموا في جوف الغراف، السارد الذي توارث الحكي ابا عن جد عن حفيد، طقوس الارتماء تبدأ بصراخ متوحش دون ايضاحات، او وضوح معاني، ترتفع كتل الطين ثم تتهاوى، وتتصاعد الضحكات وهي تبصر طريق الخطى علها ترى ما تتمنى من روح هيامها، ذاك ملخص شطري، يحمله الشطريون، كأرث حكائي، شطر فتيتها كنشطار ضفتيها، حكاء سارد، وشاعر حكاء، لا يمكن الجمع بين اللحظتين ، وإن حدث مثل هذا الجمع فثمة خلل معرفي قد وقع، خطأ ربما يزحزح ثوابت المدينة وحواراتها، تلك كانت واحدة من قواهر وجدان عبد العزيز، الذي امتهن نقل روح حكايات الكوانين، مقدما نماذج كشفت عن اسرار التاريخ وتفاعلاته النفسية، ومالبث ان وجد الدرب سالكاً بأتجاه لواعج السرديات الشعرية، فراح يدون ما يجده مؤثراً، وقادراً على تجاوز المألوف السائد، والبحث عن دروب للمغايرة، لكن الوعورة في التجاوزات صعبه ، ومحيرة معاً، يشتغل وجدان عبد العزيز، على ماهو ذاتي، مليء بالاسئلة التي توقف المتلقي عندها حائراً، وستتابعه هذه الحيرة حتى وهو يتابع الآخر نقدياً، لايميل الى المباشرة، ولايتمنى ان تهيمن الصورة اليومية على المشهدية الشعرية او السردية، يعمل على رمي كل المحيطات الارثية التأثيرية، ليبقي شخصياته، امام لوعات الذات وفقداناتها، دائماً يقف متلقيه ، عند لجج الأسئلة التي تتخلص من قيود الماذيات وتوابعها، يقترب من جلال الرومي، وابن عربي، والبسطامي، والنفري، تتسع مساحات تأمله المتحرك بين الارجاء، فتضيق سعة الكلمة، تبدو مثل شفرات سريعة الوثوب الى متلقيه، صدمات وجدانية متلاحقة، وجريئة، ومن خلال سرديات وجدان عبد العزيز القصيرة، تظهر توصيفاته المكانية ، لانه معني بالمكان وحضوره النفسي، واسهاماته بقيادة الثيم بتراتبية تقترب من البناء التقليدي ، من اجل الوصول الى المقصد الاشتغالي العام، ومثل السرديات الشعرية، تعيش سردياته الحكائية ذات الازمة، ضيق الامكنة وقهر وجودها، وانبثاق سيول من الأسئلة التي تلاحق المخيلة، علها تبحث عن منقذ او وخلص، في السرديات العراقية، نجد مثل هذه الاشارات دائمة الحضور، مخلص لابد منه حتى وان كان نفسياً، وتلك واحدة من اوهام القصة الستينية التي فلسفت العزلة على انها رفضاً اجتماعياً، وقبولاً سلوكياً مثيراً للفزع والجدل، عزلة وجدان عبد العزيز، لا تخلو من المقاصد الاجتماعية والسياسية والفكرية، هي مزيج من كل هاتيك المكونات، التي اسهمت في تعثر الحياة، والاسهام في خرابها، في دراساته النقدية، يبدو وجدان، الاقرب الى الانطباعية منها الى المدارس النقدية الحديثة، وانطباعيته هذه هي رسالة واضحة لمتلقيه، من انه لايريد ان يكرس ناقداً من قبل كهنة النقد العراقي، والانظمام الى معبد هذا الكهنوت، الذي بات عاطلاً عن اتيان ثمار وجوده برغم اتساع المحطات الجمالية في السرد والفن والشعر، توقفت النقدية عن بعض التنظيرات المعتمدة على وجود العقل الآخر، وابتكاراته المتتالية ضمن اسس معرفية تتفق ورؤاه ومحلالته، وعمل وجدان عبد العزيز الانطباعي ليس عيباً او مثلبة، لانه الانطباع وجهة نظر قرائية يحتاجها المتلقي اكثر من تلك التهويمات والارباكات المؤطرة بمصطلحات مستغربة ونافرة.

تحتاج تجربة وجدان، بكافة فصائلها الى قراءات متأنية تأملية لانه جزء مهم من المشغل الثقافي الجمالي العراقي، دؤوب ، مثابر، وعارف بكيفيات الاشتغال وتأثيراته!!