عمران العبيدي.. ومضة الشعر السردية - شوقي كريم حسن

  • 26-10-2020, 23:50
  • نقد
  • 208 مشاهدة

*حين تتأمل الشعرية العراقية منذ بداياتها التأسيسية البكر، حتى لحظة الانهزام الشعري الذي نعيشه كنتيجة لهيمنات الخراب الجمعي ، نكتشف ان ثمة فراغات لم ينتبه اليها سوى القليل من الشعراء، الذين حاولوا سد تلك الثغرات الواضحة والكبيرة، تلك واحدة من مهام الشعر المرتبط بالارث، او الذي يحاول الارتباط، ليجد لوجوده مع الجمع الاشتغالي معنى، وهذه المعرفية هي التي جعلت شاعر مهتم بذاته الشعرية الى حد نبذ الاخر واقصاءه، القول .. (انا الحلقة الشعرية المفقودة بين ابو تمام والمتنبي، )دون يحسب حساباً لزمنه ومؤثراته الوجدانية الخاصة جداً، ظلت روح هذا الفراغ الموحش تلاحق فتيان الشعرية العراقية، وبخاصة وقد اتسعت الفراغات وازدادت هولاً، تقاطعت معاني الشعر، مما اسهم في ارتباك فكرة التلقي وامتناعها عن القبول والحفظ، توقفت ذاكرة الشعر عند اسماء محدودة واهملت الكثير دون حساب لخسائر او مقبولات، داخل هذه الافتراضيات غير المسلم بها، نبق الاسكندري الشاب الذي كان يريد ان يصير صحفياً يراقب هموم الوجع السياسي والاجتماعي، لكنه وجد روحه المصحوبة بهدوء قلق، تثب الى حيث الشعر ، الذي كان يقرأه بنهم وحيرة ايضاً،خط مع ضجيج هشام العيسى، وركن الدين يونس وابراهيم الجنابي، والضاج رعافاً شعرياً حسين السلطاني، أول محاولاته الجمالية، كان يريد معرفة اسرار الابتكار والحداثة ، لكنه وجد نفسه في حيرة الارتباك فعلاً، الشعر خلاصة تجربة روحية، تشبه الى حد واسع تلك الخلاصة التي وصلها التصوف، لذا لافائدة من هذيانات طويلة تربك متلقيها، وتوقعه في دوائر من الرفض المقرون بالهم، اختار عمران العبيدي ، المنطقة التي ربما تشد المتلقي اليه، قصيدة واضحة المعاني، بفكرة واحدة لا ترغب بالشتات والتشظي، تفيد كثيراً من السرديات القصيرة جدا، ومضاته تتحرك ضمن مرسومات تمنح المتلقي معاني قرائية خاصة، ولاتسمح له بالانتظار او الهيام بعيد عن النص، والعبيدي، يتقن بتميز زوايا اشتغاله، يقف امام المشهدية بحيرة، ثم يعمل على تفكيكه، وبدربة يختار مونتيفا غاية من الصغر لكنه فاعل يمنح اللحظة اضاءات شعرية مهمة، ومع التدوين الاشاري الاول تبدأ معماريات النص تتصاعد، عبر مهمتين الأولى لحظة سؤال بسيطة يحفها الحذر ما تلبث ان تتصاعد لتصل الى الزمان التوضيحي الذي اهملته الاشتغالات الشعرية العراقية، والمهمة الادق هي الاخذ من السرد القصير جدا، حركته الانسيابية المشحونة بالفعل الدرامي، حتى ان ومضات عمران العبيدي، وفي كثير منها تعتمد الحوار القصير المعبأ بالشعر، وهو حوار يدفع الى تكرارات مشهدية ، تكون مهمتها الاساس توضيح المقصد، ولملمة القدرات التأثيرية للنص الذي قد يكون شتاتاً، تبقى موضوعات عمران العبيدي، واقصد ثيمه المعرفية، معتمدة على مفروضات الواقع اليومي، واثامه، وجبروت استحواذه، تلك اللحظات السود، التي سميت بالقصيدة اليومية، هي واحدة من منفرات التلقي، والانهمار الكتابي الذي يسمى شعراً، هذا الاستسهال جعل القصيدة الشعرية رجراجة غير قادرة على الثبات، لذا كان لابد من ملء الفراغ الذي قد يتسع اكثر، لاتزال حدة وجود الجيل السبعيني قائمة وثمة شعراء في الثمانينيات والتسعينيات، ولكن الامر بدأ بالتراجع، وربما سادت الفوضى بعد ظهور ادوات التواصل، وممكناتها، يظل عمران العبيدي، لاهدأ بين ابناء جيلة، لا يلاحق المنصات والمنابر، ولا يعلن عن وجوده الشعري رغم تأثيره الافيما ندر، مع اشارة هامه، انه لايستطيع الحسن بين خياراته الشعرية وتلك الوظيفية، مرة سألت الشاعر رشدي العامل، هل يمكن ان تتصور الجمع بين الشعر ووظيفة اعلامية اخرى؟

اجاب وهو يضحك بصوته العالي جداً.. الشعر حبيبة العمر ان فرطت بها.. ضاع عمرك هباء ولايمكن ان تلحق بالشعر بعد ذاك الضياع!!

تلك هي المهمة التي يجب ان ينتبه اليها عمران العبيدي، اما الشعر بومضاته الجمالية الباقية ارثاً، واما هموم اليوم ومواجعه والبحث عن مخلص وجداني خارج الروح الشعرية وبواعثها الانسانية الراقية والغاسلة الادران الانهزامات والفواجع التي نعيش.!!