سالفة ورباطها .. ​​مأزق الترحم على الطغاة !

فاضل ثامر
  • 28-08-2020, 14:37
  • مقالات
  • 1138 مشاهدة

يحكى في قديم الزمان أ ن هناك حاكماً ظالماً ، وقاسياً ، ومستبداً ، فتمنى قومه موته ، وكانوا يكيلون له الشتائم في السر والعلانية . وكان هو يدرك ذلك ، لكن مكره دفعه الى التفكير بطريقة شيطانية تجعل قومه يترحمون عليه بعد وفاته . فعندما حضره الموت ولّى واحداً من اشرّ الناس وأكثرهم خسةً ودمويةً وبطشاً بالأبرياء. وكان يبتسم في داخله:

"سترون منه ما لم تروه مني، وسوف تترحمون عليّ. "

وما أن إنتهت مراسيم دفن الحاكم ، وتنصيب الحاكمالجديد ، حتى بدأت جرائم الحاكم الجديد تزكم الأنوف. فقد كان قاتلاً محترفا ًيتلذذ بقتل خصومه بيديه . ولم تأمن منه أسرة على بناتها ، فقد كان يختطفهن ، ويغتصبهن عنوةً . وشارك التجار وأصحاب الصناعات أرباحهم ، وحول الجميع الى عبيد .

ولم تمر سنة واحدة ، حتى طلب الناس الغوث من هذا الطاغية وأفعاله . وبدآ بعض الناس ، وخاصة الجهلاء والشيوخ وأنصاف الرجال منهم بالترحم على الحاكمالاول الذي لم يبلغ ما بلغه الحاكم الجديد من إجرام وقسوة وتوحش وسفالة .

هذه الحكاية أو "السالفة " ، لها ربّاط كما يقال في الامثال، وربّاطها له علاقة بما يدور في وضعنا الراهن ، ويقترن بشكل محدد بمحاولة البعض الترحم على رموز الانظمة الدكتاتورية والاستبدادية ، ملكية وجمهورية ، على إختلاف ألوانها . فقبل أيام قليلة أطل علينا إعلامي وطني معروف هو (د. هاشم العقابي ) في فيديو يثير الأسى ، وهو يتحدث فيه بإنفعال كبير ، غير مسبوق ، عن مساوئ النظام الحالي ، وبشاعة الجرائم التي ترتكب بحق المواطنين ، ومنها الإعتداء الاجرامي الجبان الذي قام به بعض أفراد حماية القانون على طفل صغير أمام مرأى الكاميرات . وقد أعلن هذا الإعلامي أنه بسبب هذه الجرائم سوف يترحم على الدكتاتور صدام حسين ، ويعتذر منه عما بدر منه من آراء واحكام أصدرها بحقه .

وهذه ليست هي المرة الاولى التي يجرى فيها الترحم على نظام أو حاكم مستبد. فقبل ذلك وجدنا من ترحم على نوري السعيد وعهده " الديمقراطي " في العهد الملكي ، بل وهناك من ترحم أيضاً على الحكم البريطاني (أبيناجي ) و قبله على الحكم العثماني الذي إستعبد الشعب العراقي لمدة اربعة قرون ،بإسم الدين والخلافة العثمانية التي يحلم أردوغان اليوم باستعادتها لنشر رسالة الاخوانجية الذين خرجت من عباءتها كل المنظمات الارهابية في العالم . وربما تتواصل عمليات الترحم في تاريخنا الى ما لانهاية ، أو ربما الى الفترة التي كنا نعيش فيها في الكهوف. ومن المفارقات أن يطالب أحد اللبنانيين، قبل أيام، بعودة الاحتلال الفرنسي للبنان .

والقضية واضحة وبسيطة : ان الحاكم السابق قد يساعد بقصد ، او بدون قصد في مجيء حاكم مستبد أكثر دموية وقسوة منه، لكي يتم الترحم عليه علانيةً بعد موته أو إزاحته ، وهو ما يدل عليه مغزى حكايتنا أو " ربّاطها " .

ومن المؤسف أن تتكرر هذه الحالة، مرات ومرات ،وذلك ناجم عن حالة الجزع أو اليأس التي يصل إليها المواطن بعد أن يجد أن كل الطرق موصده في وجه التغيير والإصلاح ، وأن الأمور تسير من سي الى اسوأ .

قد تبدو الحالة مبررة بالنسبة لبعض الناس البسطاء ،من ذوي الوعي السياسي المحدود او الناقص ، وقد تبرر أيضا بالنسبة لبعض أنماط الشخصيات الانفعالية والعاطفية والسوداوية ، أو تلك التي تصاب بعمىً سياسي ،أما أن تبدر من رجل إعلام واعٍ ،فأمر يدعو إلى الأسف ، وإذا مابدر الأمر من رجال السياسة والقادة العسكريين . وشريحة المثقفين والكتاب والفنانين والأكاديميين التنويريين ، فيبدو الأمر غير مفهوم مطلقاً، ومدعاة للأسى .

إذْ يفترض في هذه الشرائح القدرة على تقديم التحليل السليم والقراءة العميقة لكل موقف وطرح حلول عملية وواقعية لتجاوز حالات الإخفاق والفشل والهزيمة ،أو حالات القمع المفرط ،لتمكين المواطن على مواجهة إشكاليات الواقع المعقدة المستجدة، التي يصعب عليه أحياناً فهمها أو تفسيرها .

وفي تقديري ،يجب ان يمتلك قادة المجتمع الحقيقيين من الساسة والقادة المدنيين ، وممثلي القوى المدنية المنتفضة والمثقفين والإعلاميين القدرة الخلاقة لطرح حلول تنويرية ، شجاعة ومبدئية في حالات النكوص ، وعدم الاستسلام لحالات الهلاس والتشوش والهياج والهستيريا والهلوسة التي نجدها أحيانا في ملاعب كرة القدم مثلاً، أو عند حدوث كارثة كبيرة بحجم إنفجار مرفأ بيروت الكارثي ، أو مقتل الزنجي الأمريكي فلويد بهذه الطريقة البشعة التي فضحت زيف ديمقراطية الرأسمالية المتوحشة.

انا واثق أن الصديق د. هاشم العقابي سيصحو من هذه النوبة الإنفعالية التي إجتاحته، وسيعيد النظر فيما قاله. وبالتأكيد سيعتذر ، ولكن ليس من صدام حسين أو من بقية الجلادين في تأريخنا ، وإنما من الناس الذين أحبوه ووثقوا بكلماته وأحكامه،وبوصلته التي لا يعتورها الخلل،وهو المدرك قبل غيره مغزى ربّاط " سالفة " هذا الحاكمالطاغية ، الذي مهد بذكاء شيطاني الى مجيء حاكم أكثر منه إجراماً وتوحشاً ، لكي يجد في النهاية من يترحم عليه وينسى تاريخه الدموي المخزي.