إخلاص الطائي. طقوس الغربة، واستكشاف المكبوت

  • 27-08-2020, 18:36
  • نقد
  • 222 مشاهدة


قراءة في ديوان (طائر الظهيرة)

للشاعرة العراقية (إخلاص الطائي)


حين يحفر الشعر الذات بشيء من التغييب، يكون قد منح لنفسه فرادة وتمييزا في الحياة، فإمكانية الانفتاح لا تكون مثمرة ما لم يتم التعامل مع الأشياء واستحضارها بمنطق المخفي والمستور. وعليه يمكن القول: إن الشعر حضور في زمن اللاحضور، وهذا التلبس الدلالي هو الذي يمحي الفوارق بين (الأنا) الشاعرة، وبين (الآخر) المختفي في الذاكرة، لكنه يحيل على كل المكبوتات إلى الانتشار والتشتّت والبعثرة، وهو ما يمكن أن نسميه (هوية متحركة) تبحث في فضاءات النص عن شيء يلامس الوجدان بكل الإسقاطات المتنامية في الذات المتألمة.

وعندما نريد أن نهدم التلازمية التي سارت عليها أغلب نتاجات الشعراء في قصيدة النثر، نجد أنفسنا أمام استثناءات توقّع هوية أدبيتها بنفسها، أي بكينونة متفردة، تكتب الشعر وليس لها منه شيء، تفجّر الأشياء من دون أن تصيب أحدا، وهي الكامنة عبر إيحاءاتها وإيماءاتها وتكثّف حضورها الطاغي في الوجدان، إنها (إخلاص الطائي) التي تماهت مع المختلف، واختلفت مع المتماهي، فتوزعت قصائدها المبثوثة في مجاميع شعرية عدة، على مستويين اثنين، الأول: الرمز المختبئ الذي يقودنا إلى الإيحاء واستثارة اللغة والمتلقي في آن، وهذا الرمز توافد كثيرا في قصائد الشاعرة بمدلولات مختلفة في أكثر من موضع. والمستوى الثاني: هو تأسيس العلاقة مع (الآخر) الذي يرتدي قِناع التأنيث، لكنّه يحول اللغة إلى أيقونة بحدود انفلاته البلاغي، وهنا كان على الذات الشاعرة أن تشاكس اللغة وتتلاعب بها كثيرا كأنها تريد أن تغري المتلقي بتمويه القصد والإبلاغ. وقد نجحت كثيرا، وأول تراسيم نجاحها هو رغبتها في نقش الكلمات بريشة المتفنِّن الذي يخلق علاقة إبداعية بينه وبين المتلقي:

حين عدنا سوية

من حصاد الحكايا

تخطّت من جوار السور نجمة

لم يكن لديها بريق يكفي

لإنارة دربنا

فادلهمّ القلق

في راحتينا

واستحال الشوق جمرًا

والساقية التي تغفو

على الكتف الترابي

مبعثرة الخطى

ترتمي تحت خطاي

كأنها سراب

إن المشروعية المكتسبة لتحديد هوية (الأنا) داخل النسق العام للقصيدة، هي هذا العمر الخافت بتموجاته المستلبة للذات، هي هذه (النجمة) التي (لم يكن لديها بريق يكفي) لإضاءة هذا العمر. وهذا التحويل الاستعاري، عبارة عن مسكّن تخييلي للجسد، فيه يتحقّق الوجود وتتناثر الأمنيات في القصيدة، لتأخذ مدى أوسع يتموضع في رسم بناء علائقي يربط الذات بالآخر المجهول (كأنها سراب) ويبدو أن الوصول إلى الحقيقة بات أمرا شاقًّا، وعلى الذات أن تعي ذلك.

وفي مثل هذه اللحظات تتمدد أمامنا نصوص (الطائي) لتكشف عن حسٍ تراجيدي مليء بمغريات القول وحفريات الذاكرة. وهذا التمثّل يظهر جليا، كعلامة فارقة في حياة الشاعرة، فهي تكتب الكلام وتحطّمه بعين اليقين، لتبصر نفسها وقد اخترقت الصمت، ومارست كل طقوس العبادة، لتصل إلى مبتغاها، غير أنها اصطدمت بتجليات الآخر وتحولاته، ولم تتمكن من محاولة الوصول إليه، لكنّها حاولت أن تستغرق كلّ هذا الغياب ببعض مما تقول:

انتصف اليوم

غفت الشمس

مساء الخير يا حبيبي

قمْ ..

طلّق بالثلاث

دائرة انتمائي إليك.

يبدو أن اكتشاف الآخر بهذه الطريقة التي تتحدث بها الشاعرة، يحيل على علائق متناوبة تزرعها الساعات، تمهيدا لمرحلة انفلات قادم: (قمْ .. طلّق بالثلاث..)، فالذات هنا، تريد أن تتحرر من مقاومة الآخر، وهي ذاتها تريد أن تخرج من دائرة الحصار المفروض على قلبها إلى فضاء أنوثتها، لكنّها تدرك في قرارة وعيها أن ذلك لن يتحقق إلا لفظيا، وأنها محكومة بأشراط البقاء، لكنّها في كل مرّة تراوغ اللغة، وتفرط في استخدام الألفاظ بحثًا عن لحظة مسروقة تعيد إليها بعضًا مما تعاني، فاستكشاف المكبوت صار لازمةً من لوازم خيالها، (ودائرة الانتماء) التي تتحدث عنها هي لحظة مسروقة من كل هذا الصبر المزروع في الذاكرة.

إنّ لحظة النزوع إلى التجلي تتداخل خصوصيتها، لتجعل من الذات الشاعرة حقلا وافرا من رموز القول الذي ينتظم بتبادل حر بين الأنا والآخر، فالرغبة في هذا السياق تستلزمها خصوصية التحولات الذاتية والاجتماعية في حياة الشاعرة. هذا يعني أن البؤرة المهيمنة تؤثر في كل مكونات النص الشعري الذي يضمن الفهم الأولي لكل عوالم (الطائي) وهي تستجمع اعترافاتها الصامتة، وتقدم حلولا ترميزية وقدرًا وافيا من الإيحاء والكثافة، لتثير المتلقي في فرادة نصّها وتعابيره المكتنزة في الذات. فالبحث عمّا هو مغيّب لم يزل يستدعي هذه الهوية أن تأخذ لنفسها مكانا يمنحها موقعًا يشعرها بوجودها بدلالة الثبات والحركة، والحضور والغياب:

سرّك المحبوس في صحوة أنثاه

يحتفل بصمته خائفًا..

خشية البوح

فألقيه في غيابة العمر

كي ينفض عن غباره عذارى الغُدران

يحتفي حديثُ عذابات الذات (المؤنثة) بالكثير من دلالات التمويه التي تنفتح على الداخل، لتثير الخارج بأدق العبارات وهي تلتمس من المستحيل ممكنًا ومن اللامتوقع ما هو متوقع. وهذا ما يضفي الكثير من الإثارة التي تفكّك زمن الذات بهذا الانقلاب الجميل الذي يمارسه الآخر، حين لا تستطيع الشاعرة أن تمسك باللحظة المستعصية على القبض، لكنّها ذاتها – أي الشاعرة – تضع لنفسها عنوانَ دهشتها حين تحتفل بصمتها بلوحة شعرية شفّافة تضيء بها اللغة بأجمل الاستعارات.

ومثل هذا النظام الإحالي الذي تشتغل عليه (الطائي) هو الذي يدلّنا على البناء التخاطبي في رسم معطيات النص بتقنيات اللغة الخاضعة لا إراديا للآخر المنفي بعيدًا، لأنه هو مَن يسِم هيكلية القصيدة ويشكّل أرضيتها بظروف الزمن اللاإشاري الذي يرافق الماضي ويفرّعه إلى مجموعة خطوط، تفرض على القارئ الكثير من الجهد ليفهم مُراد الشاعرة. فالإمساك المحكم بكل خيوط القصيدة المتشابكة والمتداخلة، ما هو إلا تحفيز لمناخ المتلقي أن يتنامى مع الحدث، ليشارك في صنع دلالاته المستعصية، نظرا لما تحمله من ظلال وارف على النص.

وحين نقف على الكثير من ملفوظات القول عند الشاعرة (إخلاص الطائي) يتواتر عندنا ذلك الاستخدام المثير لذهن القارئ، فهي تُكثر من الإيحاءات المؤنثة في فضائها الشعري، بحكايات فرعية القصد منها هو سرد المغلق ومحاولة فتحه، ولا يكون ذلك إلا من خلال عمليات الاختراق للغة وإضاءة المخبوء فيها. فحضور الصوت الهامس وغياب الحركة، هو الذي يطغى على أغلب قصائد الشاعرة. ويبقى فضاء الهواجس والتأملات هو واحدا مما نعنيه:

بحثتُ عنكِ

تعطّلت بوصلة الاختيار

فكان وجه أبي مرسى افتتاني بهمهمات العربات

وأنت ترتبكين في ظلمة أسئلتي

وتضيئين مفاتن مكتظة بفضاءات مقمرة

تهدم القوافل المهجّنة أراجيح العصافير.

ويطول هذا البحث في حضرة (الآخر) المليء بالمفاجآت المعتمة وهو يملك كل هذه الرائحة الخفية الهامسة، وما مسألة البحث عنه، إلا نوع من الاختراق والتجاوز تمارسه الذات، وهي تهتك كل هذه الحجب الفاصلة بينها وبينه. وقد امتزجت جغرافيتها النابتة بجغرافيته المتحولة، فمراسيل الشوق تتدفق بسرعة، وقراءة المكبوت هي الأخرى تمارس لعبتها الشاعرة بكل إتقان، وهي المبرأة من كل عيب إلا من عيب الاشتياق المسيّج بضمير (التأنيث) فالخوف من المجهول كان دافعا (للطائي) أن تستدعي مجموعة من المفارقات في مدوّناتها اليومية، وهي تستعمل كل تقنيات اللغة وتعمل بالمرئي، لتعرض صورها المتزاوجة مع المعنى، وهي ترسم لنا أوراقا كثيفة من أشجار قصيدها المفعم بعاطفة راسخة يغطيها ضباب الغياب المدوّن في الذاكرة، وكأنه تراسيم جبال هامدة.

واللافت أننا كلما قرأنا نصا للشاعرة (إخلاص الطائي) ينتابنا ذلك الشك بقدرة الوصول، فنظام عرض الصور الشعرية لديها يتحدد بجملة مفاهيم، لعلّ من أبرزها هو ذلك الانزياح الحكائي المذهل الذي تمارسه الشاعرة بنظام دقيق لايسمح لنا أن نفكّ شفرته بسهولة:

وأنتِ كما أنت

تحذرين خريف الأشجار

وأسراب الرحيل

كي لا تخلو من الهمسات تلك الشرفات

ولا تطبق أجفانها الأبواب

والصدور العاريات من القلائد

إن الرغبة في الإمساك بحبل السراب بدت واهية، وما ذلك الجوع الفاجر لمقدم الآخر (المنفي) بعيدا إلا انزياحا ماثلا أمام الذاكرة أن تشق طريقها إليه، فعناد الاختلاف، وعناد الهوى لم يكن ذريعة لتقديم القرابين، وتقريب الذات البعيدة القابضة على أسراب الرحيل. ولا نريد أن نتكئ على تبرير نقدمّه لأنفسنا، فمدار الرهان خاسر مادامت الشاعرة تتقنّع بهذا القطيع من الحجج، فإن قبلنا التأويل بقدرتها على إتيان الربيع وإبعاد شبح هذا العمر المتساقط، نكون قد جانبنا الصواب. فالانفتاح لم يكن مبررا وتجريب الآخر يخضع لنظام دقيق من استرجاعات جوهرية بناها هذا التركيز الإشاري والمرجعي من قبل الذات التي تعوّدت – على ما يبدو – على إشارات الفقد والحرمان.

وحين تفتح (الطائي) بوابة أخرى للتواصل والاتحاد، في تبادل الأدوار والأفعال مع زُحمة العناوين الطارئة التي تسابق بها الزمن، تكون قد عثرت على ضالّتها المنشودة، لكنّها استدركت أن حكايتها مع الوطن، تخضع لشيء مضاد أرغمها على المغادرة قبل أن يزدان فرحها:

استوحشتُ كل طرقك يا وطني

لأني لم أجدك في حقيبتي

حين أرغموني على المغادرة

فهذا التأويل وما يحويه من صورة حركية تغذي المشهد بالكثير من دلالات اللجوء، فما من شك في كون أن معرفة الذات متطابقة مع معرفة الوطن المشتّت في منطقة الغياب، وما هذا الإرغام إلا تخصيب لعملية السرد المتحكّم بالتناقضات الداخلة في توريث الماضي وجعله عبارة عن أنساق تخييلية روّضتها الشاعرة وجعلتها تتوغّل أكثر في أزقة الذاكرة لتختصر لنا كل هذا العناء بماهية ما تريدنا أن نفهمه:

مات الجدار

توقّفت الساعة

هلموا لنرحل !!!

الواضح أكثر، أن المتّكأ الذي تستند إليه (إخلاص الطائي) قد انهار بلحظة لا تتوقعها هي ذاتها، وبات على الرحيل أن يكون حقيقة، فالاستعانة بالحاضر لم تكن ذات جدوى، باعتبار أن الزمان قد تكسّر، ومقاومة التهميش صارت ضعيفة، والتأسيس لإمكانات البقاء صارت أضعف، ولم يكن أمام الشاعرة إلا الرحيل، لتتلاشى أمام تداعيات الذاكرة، وتمارس شعريتها بعلامات دالّة غرست فيها رغبتنا في القراءة والتذوق..