حميد المختار...السردية العرفانية

  • 26-08-2020, 23:09
  • نقد
  • 250 مشاهدة


* كلما نظر الحرف إليه، ساحت روحه، متأملة تلك الومضة التي لاتريد الانطفاء، ينحني ببطء الزاهد، ليلم وجدانيات الفقراء واحلام المساكين، ووجع الافئدة، وآهات النوائح، والمشدودين الى مقاصل الاحلام، لم يك يعرف ايام كانت خطوات صبانا الى اين تتجه، ماالذي يمكن ان يصير إليه، توقفت فتوته عند خشبة المسرح، فأختار الكوميديا معبراً نفسياً لما يرغب، لا اظنه يبحث عن نجومية سينما، ولم يرد الجمع بين خطوات محفزة للروح، واخريات كاسرات لها، مع لهاثات الشباب، اكتشف حميد المختار، ان ثمة بياض وجداني يجب ان يرحل إليه، اقتعد الصمت، وراح يدون خفايا الروح شعراً امتزجت فيه الوجدانيات الخاصة بأكتشافات الارث العرفاني، وان كان بسيطاً، راح ينظر الى اطمار اطمار الروح ليخرج المعاني التي يمكن ان تكون المساعد الامثل، لم تتعثر ملامح رغباته بين العمود والسيابي، كان يقف عند اطلال التأريخ قليلاً متأملاً مايمكن حدوثه، ثم يرتحل عازماً الوقوف عند شباك وفيقة، مخترقاً نهر بويب، الذي شبه له انه النهر البصري الاعظم، ومع قلق المختار وحيرته، ازدادت المعارف، وكثرت القراءات التي دلته بحذر على بوابة الزهو السردية، فتح المصاريع ببطء ودخل، ليرى عوالم السرديات القصيرة، تفحص معظم تجارب السرد الانساني، قرأ تشيخوف، وتلمس معطف كوكيل، ثم رحل بأتجاه امريكا الاتينية ليرافق ماركيز وصحبه، في لحظة هيام اظنها خارج الزمن المرأي دون المختار اول سردياته، سلسل الهم ليعطيه معاني دلالية مغايرة، لكنه ظل يلاحق العرفانيات وهموم الوجد، وهيامات الارواح الباحثة عن معاني لوجودها الراغب بالتلاشي مع الذات العليا، جلس طويلا عند ابن عربي، والحلاج، والبسطامي، وجنيد البغدادي، ومعروف الكرخي، ليلج عظمة الحرف والفعل العلوي ومخلصية، امتحن المختار ذاته ايام اكتشف ان هناك نزلاء يستحقون التدوين، لكنه حمل روح الاصوات العالية، في خضم حرب، كانت التوابيت والنواحات اهم معالمها، سعى الى ان نتحدى، الى ان نغاير، وهذا ما كان فعلاً، لم يخف من مقدمة الراحل يوسف عبد المسيح ثروة، الصاخبة والمثيرة للجرأة، حتى ان الخبير امر ان لاتنشر، فاحتال الوقت على الخديعه ونشر بعض منها على خلاف المجموعة الخلفي، ومع السرد الذي امسك المختار بكل معارفه، ومنحه لغة سردية ميزته وسط ذاك الزخام، قرر الجنون ان يمحو كل اثام القص ليعلن عن المرآئي التي حطمت الأمال، واثارت جدلاً استمر لزمن طويل، مع الانهمارات الحربية، دون المختار ربيع ضوارية، ورسم ملامح السرد الدلالي برموز معرفية وعرفانية، الى ماذا يريد المختار حميد ان يصل؟

اختار منطقة حرث لم تلجها السرديات العراقية من قبل، وظل ممانعاً عن الرحيل، استهوته تلك المغايرات التي قد تكون ممنوعة وغير مسموح بدخولها في اغلب الاحيان، لكنه يعتبرها الأرض التي منحها كل ما عنده من مستكشفات قرائية ، وله الحق بأن يأخذ ويدون ويهيم سرداً بين ثناياها الخصبة، تمتاز لغة المختار بعنصرين مهمين، اولهما البعد عن الاسهاب التوثيقي الاقرب الى الانثيالات التدوينية التذكيرية، وثانيهما وهو الاهم، ايجاد منافذ لصراعات ثيمية درامية، وان كانت في بعض محطاتها ترفض التطور والتوالد، تظل كما هي تابعة لشخوصها، ومحركة لبعض مؤقتتات الزمان، ومع الازمتة المتلاحقة تعنى سرديات المختار، بالمكان، وتوصيفاته، ومؤثراته النفسية والاجتماعية والسياسية، يشيد روابط بين الشخوص والامكنة وزمان الفعل السردي، بقترب السرد لمرات من الاسراع المشهدي السينمائي، مع هدوء تأملي يشد المتلقي إليه، ويعطيه حقوق التفحص والاختبار ومعرفة اسرار البوح السري والعلني ايضا، ولان المختار مسحور بأزمنة الشهداء واهل المواقف الانسانية الخاصة ، يراه متلقيه، وهو يحمل بياضه ليعطيه نصوصاً توازن بين وصفيات السرد، وانتماءات الشعر، التي تحولت في الزمن الاخير عند حميد المختار، الى الومضة السريعة، الكاشفة عن غاياتها ومراميها بسرعة مدهشة وفاعلة، لكن المختار مايلبث ان يعود الى مخلوقاته السردية التي تعيش ازمات نفسية مهمة، تشبه تلك الازمات التي عاشها المختار وخبرها؟

النقدية العراقية ومنذ ثمانينيات القرن الفائت اهمت بالمختار سارداً، مغايراً، لكنها لم تلتفت إليه مدونا شعرياً مغايراً ايضا، تلك واحدة من محن التعددات الكتابية، التي تطفيء جميع الهموم، وتبقي على هم واحد، ولايستطيع المختار وغيره ، معرفة السر واعلانه، لذا تنصب التدوينات عند مكامن السرد، وحيثياته، وكيفيات تطويره، والسعي الى اكتشاف مطوريه في الشسع الانساني،!!