العنصر الثالث

  • أمس, 14:30
  • قصة قصيرة
  • 3 مشاهدة

العنصر الثالث/ قصة قصيرة

الان صباح الأمين

     سكب القهوة الساخنة في قدحه المعدني كعادته كل صباح، حرصه على تناول القهوة لم يكن إدماناً ولا عادة قديمة تأصلت فيه منذ الصغر، بل هي عادة اكتسبها منذ أن أطلق سراحه من السجن قبل بضع سنين، ربما تكون القهوة وسيلة يتوسم فيها اليقظة على اعتبار إنها غنية بالكافيين، واختياره لهذا القدح المعدني بالذات ربما يعود للتاريخ الطويل الذي يربطه معه، فقد كان رفيق دربه لسنتين قضاهما في السجن، وظل كذلك بعد أن نال حريته، والمزج بين القهوة وهذا الوعاء العتيق قد يمثل سعيه لفهم ما كان وما يجري، مستعيناً بالعنصر الثالث والأهم في هذه المعادلة، صورته الجاثمة على قصاصة اقتطعها من جريدة قديمة لصقها على حائط مطبخه مقابل المنضدة الصغيرة التي يجلس إليها كل صباح لتناول الفطور، مع خبر الحكم عليه بالحبس، بتهمة تخريب ممتلكات عامة، تهمة لم يلم بتفاصيلها الدقيقة لحد هذه الساعة!. 

   انبعاث البخار من القهوة يشبه هروب الذكريات من محيطها الكامن في وجدانه، ولكنها لم تهرب جميعها، فما زال مثلاً يذكر التفاصيل الدقيقة لالتقاط هذه الصورة له، فبعد أن صدر الحكم الأول بحقه بالحبس لأربع سنوات، همس محاميه في أذنه بأنه يمكنه أن يطلب استئنافه، فعاد له شيء من الأمل، وطلب منه أن يبدأ باتخاذ الإجراءات اللازمة، وواصل هو السير بصحبة الحارس، كان من المفترض أن ينقل فوراً إلى السجن، إلا أن محطة سريعة طرأت على المشوار، فقد ساقه الحارس إلى غرفة جانبية، وجد فيها صحفي ومصور برفقة ضابط التحقيق الذي كان يستأسد عليه منذ أول يوم أوقف فيه، لم يكن يملك حتى أن يسأل عن الغرض من ادخاله لهذه الغرفة، ولم تكن هناك حاجة لذلك، فقد بادره الضابط على الفور قائلاً:

- أبشر فسوف تنال الشهرة.. لقد جاءت الصحافة لتنشر خبر صدور الحكم عليك.. سيلتقط المصور لك صورة جميلة لتتباهى بها زوجتك أمام صديقاتها.

   لقد اعتاد على سماع هذه اللهجة المتهكمة من الضابط الغليظ، فكتم شعوره بالمهانة واستسلم لتعليمات المصور، فوقف في الزاوية التي حددها له، ونظر إلى العدسة ببؤس مستعداً لاستقبال صفعة فوتوغرافية تضاف للصفعات التي تنال من كرامته الجريحة،  إلا إن الضابط استرسل:

- مهلاً.. ماهذه النظرة المستفزة؟ أتدعي بها البراءة وتتظاهر بالمسكنة؟ تريد أن توصل رسالة للقراء بأنك مظلوم ومغلوب على أمرك؟ لو لم أكن ضابطاً لأصبحت مخرجاً مسرحياً.. فلا تتحاذق علي.. غير نظرتك.

امتثل لأمر الضابط، حاول أن يتظاهر ببعض الصرامة، ولكن هذا لم يكن ليعجبه أيضاً:

- ماهذا؟! أتريد أن تقول للمجتمع بأنك ناقم عليه؟ نظرة حقد كريهة لا أسمح لك بها.

   وهكذا، ظل يغير تعابير وجهه كل مرة، فيعود الضابط ليعترض عليها، من دون أن يحسب حساباً لرأي الصحفي والمصور صاحبي الاختصاص في هذه المسألة بالذات، ولم يعترضا هما على ملاحظات الضابط، فكان المشهد برمته يوحي بأنهما ليسا إلا شرطيين يعملان بإمرته، لا رجلي إعلام جاءا ليغطيا خبراً صحفياً.

   اعتراضات الضابط كانت كثيرة، من قبيل "تتظاهر بالشموخ.. وكأنك تستعلي على الشعب المسكين الذي يتحمل منك ومن أمثالك كل هذه الإساءات" أو "تضحك؟ أتستهزيء بالقانون أم تسخر من الشعب؟" أو "تبتسم.. وكأنك سعيد بما اقترفت يداك" أو" تدعي الحكمة؟ تريد أن تصبح مثلاً أعلى للصبية كي يسيروا مستقبلاً على خطاك؟".

  تلقى كلمات جارحة من هذا الضابط، ولكنه أدرك بأنه ليس من مصلحته أن يجادل أحداً هنا، فلا يدري أية تهمة أخرى قد توجه له إن انفعل، وهو الذي حكم عليه بالحبس لأربع سنوات بتهمة هو بريء منها تماماً، لقد قام بواجبه بأن أمر بهدم بناية صغيرة حقيرة متهالكة آيلة للسقوط، وذلك استناداً إلى التوصيات المدرجة في التقرير الذي رفعته اللجنة الفنية المختصة، ليفاجأ حال انتهاء الهدم باتهامه بجريمة الإضرار بالأملاك العامة وهدر أموال الدولة، والصادم في الأمر أنه وجد نسخ التقرير الفني، بما فيها تلك التي يفترض بأنها كانت بحوزته، تختلف عما كانت، حتى أعضاء اللجنة شهدوا ضده نافين أن يكون التقرير قد تغير، وهكذا حكم عليه بالحبس لأربع سنوات، ومن الواضح جداً بأن الأمر كان مدبراً لغرض إبعاده عن العمل، بعد أن وقف عائقاً في طريق صفقات فاسدة أراد عقدها بعض الكبار.

   وأخيراً وبعد أن انهكه السعي وراء نظرة مناسبة وملامح تستقيم مع مزاج الضابط، ارتسمت في وجهه ملامح اللاشيء، ملامح خالية من أي إحساس يمكن أن يستشفه عنه من يراه، نظرة كليلة جامدة لاتدل على شيء ولا تعبر إلا عن فراغ كبير، غباء أو بله، ولكن الغريب في الأمر، هو أن هذا التعبير قد أعجب الضابط كثيراً، فسمح بالتقاط الصورة قبل أن ينفد صبر المصور بقليل، وبعد انتهاء التصوير أجرى معه الصحفي المقابلة السمجة التي لم تستغرق سوى دقيقتين، وقبل أن ينصرف بصحبة الحارس، قال له الضابط، ولكن هذه المرة بلهجة رقيقة خالية من التهكم والاحتقار:

- سأسدي لك نصيحة.. حافظ على نظرتك هذه.

   انتهى من احتساء القهوة الساخنة، ومازال يحدق في هذه الصورة الغريبة، لقد كان الضابط جاداً في نصيحته العجيبة، وفي جلسة محكمة الاستئناف، لم يكن ينوي العمل بها، لم يكن راغباً في أن ترتسم ملامح الغباء والبلاهة عليه، ، ولكنها ارتسمت على قسماته لاشعورياً،  حين وجد ومنذ بداية الجلسة، بأنه ليس في جعبة محاميه أدلة جديدة قد تسند موقفه، ولم يسجل أمام المحكمة أي خرق قانوني في الإجراءات المتبعة منذ القاء القبض، وحتى الشهود الجدد الذين استقدمهم، لم يدل أي منهم بشهادة مباشرة تنفع في تبرئته، بل وحتى المرافعة لم تكن سوى قطعة نثرية ساذجة يلتمس فيها الرحمة، ولكن مع كل هذا، فوجيء بالقاضي يخفف عنه الحكم، من أربع سنوات إلى سنتين فقط نظراً لسيرته الوظيفية المتميزة طوال مدة خدمته السابقة، معللاً القضية الأخيرة بأنها هفوة قد يقع بها أي إنسان، والعقوبة يجب أن تكون بهدف الإصلاح والتقويم وليس الانتقام، بدا الأمر غريباً جداً.

  وبعد أسبوع واحد فقط، زاره شقيقه في السجن، وروى له بأن المحامي قد أخبره أن قاضي محكمة الاستئناف قد أسره قائلاً:

- لقد تعاطفنا معه أنا وأعضاء الهيئة.. إذ رأينا في عينيه نظرة معبرة.. لقد شعرنا من خلال تلك النظرة بأن بوادر الحكمة موجودة فيه وبأنه سيستفيد من هذا الدرس وسيندمج مع المجتمع بسهولة بعد هذه التجربة.