تمام السابعة إلا... كوكا الجميلة

  • 29-06-2026, 13:24
  • قصة قصيرة
  • 10 مشاهدة

 

تمام السابعة إلا... كوكا الجميلة

 

محمد اسماعيل

تأخر الكبش عن النزول، فأدار أبي رأسه الى القبلة، ضَجِراً:

-       الله الغني عن تلك النبوة.

ورفعت رأسي، عن الارض، معفراً بالتراب:

-       ها.. ما راح تذبحني؟

وعدنا الى تهديم الكوخ، الذي فوجئنا بجدرانه، معبأة بالدم، عندما قررنا بناء بيت جديد، بدلا عنه. 

إستنفر حاشيته، ليبلغهم بآخر نزوة إبتكرها، فقَدِموا في موكب مهيب، يسوقهم كلب أجرب، أمسكه أبي فتلطخت يداه بالصديد، النازف من إنفقاءات الدمامل المتقيحة، تحت بقايا الشعر، الذي تساقط معظمه:

-       لا يمكن أن يكون هذا هو الذبح العظيم.

تملص الكلب مذعوراً، وقد إمتدت خيوط مخاطية مقززة، بين كفي والدي، و تهرؤات الجلد الاجرب.. المتكشط.

نهضت باصقاً بين عيني الكلب الوسختين، اللتين ظلتا تنظران إلي من بين الأقذار، نظرة ودود، ملؤها التسامح والمحبة، والـ… لمحت في عينيه نقطة صفاء إلهي معتمة.

الأشواك حارة، والشمس آخذة بالنماء، علينا ألا ننسى ذلك أبداً؛ لكي لا نسقط في الأخطاء نفسها.

سار بموكب الحاشية، في رهط مهيب، وخلّف ذكرى عينيه، تنبض في روحي، فبصقت بينها، في الذكرى، مرة ثانية، والى الأبد، ثم مسحت التراب العالق على وجهي من أثر الإضطجاع فوق الارض.. بإنتظار الفدية.. خبأ والدي مديته عن أعين الشرطة، لئلا يضبطونها معه.

نقطن هذا الكوخ المتهلهل، منذ بواكير طفولتنا.. ولدنا فيه، مثل هزال دجاجي كليل، يفتح عينيه، على أركان قن طيني هزيل، جدرانه مترعة بالدم الناضح من جوفها.

لم أشبع، في حياتي، بغداء أو عشاء أو… لم نكن نفطر أساساً.. كل خمسة أيتام بثلاث بيضات، ومن يقول: ما زلت جائعاً، يضرب بقسوة كأن جباناً مدججاً بالرجال والسلاح، أدرك ثأره ظافراً بقاتل أبيه أعزل، ذلك طوال سنوات الخير والرفاه، فكيف بزمن الحصار المسعور هذا.

جاء قرار التهديم، بمحض ارادة كاظم.. اخي الاكبر.. زير نساء ودلال عقارات، إشترط على أصغرنا.. المهندس.. منذ سنوات لم يمارس الهندسة قط، وسوف ينساها في آخر القصة.. إشترط عليه عزل غرفة "الضيوف" بعيداً عن مسامع والدنا، في خريطة البناء، وأن تؤدي باب الغرفة الى كراج السيارة مباشرة، منه الخروج وإليها الدخول عبره سواء أكان ذلك الضيف راجلاً على قدميه أم ملتقطاً بالسيارة، من رصيف ما.

المهندس يعرف كل شيء إلا هندسة البناء والإنشاءات التي درسها خمس سنوات في الجامعة التكنلوجية.. شارع الصناعة ليل نهار وتخرج فيها الى العسكرية.. حارب حتى تماهى مع الموت.. وكان بإمكاني جعله يستشهد في متن قصة "تمام السابعة إلا.. كوكا الجميلة" أو يهرب ويعدم على جدار واجهة بيتنا ويغرموننا ثمن طلقات إعدامه، لكنه ذاك هو يعلق بكلوريوس الهندسة على الجدار ولا يجيد صف طابوقتين...

قبل الدلالية، كان كاظم عامل مطعم، حسب علم والدي، وصبي خدمة، لدى قوادة محترفة، في بيت للدعارة، حسب تواطئ الجميع، مثلما أختي "كوكا" التي أكبرها بسنتين، عاملة في نفس المطعم.

ما زلنا نتجادل، انا وابي،…، نتجادل ونتجادل ونحاول ونحاول،..، عندما مر الموكب، عائداً من دون الكلب.. بعضهم صامت، بملامح حيادية، وبعضهم منهمك في حديث جاد، مع زميل آخر، معه، في الحاشية، كما لو نازلين، من قمة جبل الأولمب، في طريقهم الى سقر، عبر جلجلة أبدية، لا مبتدى لها ولا منتهى.

-       منحوس؛ أضعت الفرصة، يا إبن الفاعلة، لو كان لقبرها شارب، لحلقت لها نصفه، إهانة، على إنجابها ولداً خائباً مثلك، هذا اليوم، يصادف الذكرى الـ(….)(*) لليوم السابع، من أيام الخلق، وهو مناسبة أزلية طيبة، للإبتهال، بتقديم القرابين.

والدي قضى شوطاً من حياته، عاكفاً على تنشئة إله صغير، إنتقاه من بين قراءاته الإسطورية المعمقة، وفي سكرة دلال منتشٍ، قفز على الشمعة، فأحرقت ذيله؛ وحين وجده أبي قابلاً عطب، إنثلمت قدسيته، في لوثة تصورات والدي المهووس بالخوارق؛ فعافه.. يسيب.. بين الشوارع، وخرج الى أمي التي ماتت ونحن لم نزل صغاراً... صفار بيض،.. صفاره، والزلال... كلما عاد الى البيت، لم يجدها، فقد كانت مشغولة بالبغي المقدس، كأي عشتارية منذورة لخدمة الجمال.

اول من دخل معترك الحياة، كاظم، فحالما إشتد عوده، إشتغل في مطعم، وما أن نهدت نياط قلبي، تحت ثياب كوكا، صار يأخذها معه للعمل في المطعم ذاته.

وأفلحت (نضوجتها) الريفية الساخنة، في التألق، وفك مغاليق أسرار العمل... صار لها ردفان وصدر، يثلمان نصل المقصلة، ويفكان الفريسة من براثن الأسد.

آه مني، ليتني لم أكن اياي، وليت كوكا لم تكن اختي.

تركنا طريق الحاشية، وعدنا.. أنا وابي للإشراف على التهديم... الجدار كيس طيني منفوخ بالدم الراشح من مساماته، قبل التهديم، فإنبلج الدم، بقوة، متدفقاً، حالما شجه المعول.

لا أتذكر من أمي، سوى حاجبيها الكثيفين، اللذين أبيضا بسرعة، وقد وافتها المنية، بعد شيخوخة عجلى، إنتابتها مبكراً، ولم نزل بعد صغار السن.. في الأيام الأخيرة، من حياتها، ظلت تلتقط الشعيرات البيض، كي لا يتعطل (بغيها) العشتاري المقدس، الذي تعتمد فيه، على شهوات اليافعين، من أعمار، ذات مزاج، قابل للتلكؤ، إذا ما لحظوا الشعيرات البيض. وشيئاً فشيئاً إمحى حاجباها، تماما، لم يبق منهما، على صفحة الجبين، سوى أثر الوشم.

عندما فتح كاظم دلاليته، أطلق على نفسه لقب (الشرعي) قبلها كان يصطحب كوكا الى عملهما في المطعم، ضحى، ويعودان منه قبل الفجر.. خوفان يمسدان على عمائم المؤذنين.. يهدهما التعب، فينطمران تحت جدار النوم المنتصب، بين أواخر الليل وأعالي النهار، ثم إنقطعت كوك عن العمل، نتيجة سفلس أصابها؛ جراء كثرة الأكل.

ظلت سنين مقعدة السفلس، في البيت، عانت خلالها شتى أنواع منغصات الحرمان، ثم ماتت.

واصل بعدها كاظم العمل، في المطعم، فترة قصيرة، ثم فتح مكتب الدلالية، الذي نصب في مقدمته، لافتة، كتب عليها: (كاظم الشرعي.. رجل اعمال).

كتب اللافتة، باربع لغات، ليذكر النساء، اللواتي يتعرف اليهن في الفنادق الراقية، التي يرتادها سياح أجانب، بأنه رجل أعمال.

Kazem Al-Shari’i... a businessman

Kazem Al-Shari'i... un hombre de negocios

Kazem Al-Shari'i... un uomo d'affari

Kazem Al-Shari’i... ein Geschäftsmann

وهكذا، أنشأ كاظم الشرعي، شبكة استثمار واسعة، قوامها النساء من مختلف القوميات، جامعاً نساء من أنحاء الارض، أمامه وخلفه حشد من الذكريات.

كوك.. ثار المهاجرين لدى المدينة، يظل قائماً، أبداً لا تفك له دية، يعلق كاظم، صورتها خلف مجلسه: (المرحومة.. المأسوف على شبابها الطاهر.. ربة العفاف.. الآنسة المصون فاطمة الشرعي.. الفاتحة).

كما ترجم الكلام نفسه الى الانكليزية، مستبدلا (فاطمة) بـ(ماري الشرعي). 

The deceased.. who is regretted for her pure youth.. the goddess of chastity.. Miss Al-Masoun Marie Al-Shar’i.. Al-Fatihah

قال والدي:

-       لنبنِ البيت في هيئة منارة؛ كي تحل البركة على رأي الناس فينا، ويحل الايمان.

قال اخي المهندس مندهشاً:

-       يعني برج.

-       منارة يا عاق.

رفعت كوكا رأسها من القبر:

-       لا جدوى.

قال والدي:

-       ما معنى ذلك؟

اجاب كاظم:

-       أضغاث موت، وما نحن بتأويل الفجور عارفين.. لم تكن تفصلني، وأنا في صالة المطعم، عنها وهي في المطبخ سوى ستارة شفافة، لا تمنع اصغائي لتأوهات الجلافة، بين يديها، فوق الصحون.

بعد كل هذه التناحرات، والدماء النازفة، من خلال الكوخ، إصطدمنا بجهلنا في البناء، لم تبقِ في اطلاع دلال العقارات، فضلة عن النساء لمعرفة كيفية بناء الدور، ولا المهندس يعرف شيئاً عن البناء، بعد سنوات من الغبار، قضاها، مغشياً على حدقة بئر ظلماء، في ذاكرته: سبخ ورمال سبع، تذروها الريح، ظل الدبابات يدور والدم كسيح.. ظل الدم يسيح من أساسات الكوخ المكشوفة، وينز من ثقوب في الجدران، نتلصص منها على النساء ونفترض رؤيتهن عاريات ونستمني؛ فتنهد قوانا.

خرج الكلب الأجرب من نزوته المبتكرة، وتمطى، فتكسر القيح اليابس، وإنفغرت.. جزئياً.. بعض انفقاءات الدمامل التي تساقطت منها ثلم مدماة من الصديد الجاف، و... توارى ثانية؛ فقال أبي يحدثني من حيث ننتحي جانباً غير بعيد:

دخل لينزو.. لا أنا إبراهيم ولا أنت من البر بأبيك، أن تقدر على أن تكون إسماعيل، قم وإنهض،...، لكن لا تمسح التراب عن وجهك، إبقه، كي تحل البركة، على نظرة الناس في غبرة ملامحك.