رواية ( خبز على طاولة الخال ميلاد) و جائزة البوكر

كمال عبد الرحمن
  • 12-09-2022, 17:23
  • مقالات
  • 99 مشاهدة

نبدأ بسؤال قد يبدو غريبا، من لدية القدرة أو الإمكانية على تقييم أية رواية، ويقول هذه أفضل من تلك، وهذه تستحق جائزة وغيرها لاتستحق، مؤكد أن هذا الأمر صعب، وهو في النهاية أمر ذوقي غير قياسي،  فينبغي علينا أولاً أن نفهم( ما الرواية؟)، فإذا لم نتمكن  من الإجابة عن هذا السؤال، فليس من حقنا أن نقول هذا النص السردي أفضل من ذاك، وتبقى المسألة كلها وجهات نظر لاغير.

يقول ميخائيل باختين(( إن تعريف الرواية لم يجد له  تعريفا بعد بسبب تطورها الدائم)) ،ويؤكد عبد الملك مرتاض صعوبة تعريف الرواية ، فيقول((و الحق أننا بدون خجل و لا تردد نبادر إلى الرد عن السؤال بعدم القدرة على تعريف الرواية))،ومع هذا فهناك آراء كثيرة تحاول تعريف الرواية بطرق مختلفة.

وما يهمنا هنا نريد أن نؤكد بأن الرواية منجز سردي معقد يصعب الحكم عليه، وبخاصة اذا قارناه مع نصوص روائية أخرى، فلا توجد قواعد لتفضيل نص على آخر، وانما هي آراء وأمزجة واسباب أخرى لانود الخوض فيها بهذا المقال.

رواية( خبز على طاولة الخال ميلاد) للروائي الليبي محمد النعّاس الحائزة على جائزة البوكر لهذا العام 2022، لا تستحق الجائزة للأسباب الآتية:

*قصة الرواية بعبارة قصيرة (قروي ساذج تبهره أضواء المدينة وسحرها وبهارجها)، فيغرق في " الأخطاء" ثم تنتهي القصة بجريمة قتل، وهذه الحادثة قرأناها عشرات المرات في قصص وروايات عديدة، وهي أشبه بفلم لعادل إمام(قروي ساذج يتزوج امرأة لعوب من المدينة) وكما يحدث في الرواية، حيث يكتشف البطل خيانة زوجته في نهاية الرواية، وهو يشبه الى حد ما فلم عادل امام الذي يقتل زوجته ( تقوم بدور الزوجة الممثلة ايمان) بعد اكتشاف خيانتها في نهاية الفلم، فالرواية من حيث المضمون لايوجد فيها شيء خارق يؤهلها للفوز  بجائزة عالمية مثل (البوكر).

*الرواية تسيء الى القرية العربية كفضاء مكاني يشكل العمق في جذورنا التي تمتد مع امتداد تأريخنا وتراثنا الأصيل.

*القصة فيها رموز كثيرة، لعل أهمها (الخبز) والذي يعني روح الحياة في الأنسان، لكن الخباز عندما يكون قرويا، فحياته ساذجة ترفل بالحمق والغباء ــ هكذا تخبرنا الرواية ـــــ، وخبزه (أي حياته) سطحية لاقيمة لها، وهو مغفل بلاشخصية، اضافة الى أخطر لعنة يصاب بها الإنسان" الديوثة" عن طريق التطبيع، وليس بشكل مباشر، وانما تدريجيا يتحول البطل" ميلاد" الى آلة بيد زوجته" زينب" ابنة المدينة، حيث يتحول هو الى (ربة بيت) وتتحول زوجته الى( رجل البيت) الذي يعمل ليصرف على بيته.

*منذ العتبة النصية(الخال ميلاد) تبدأ حكاية (عيلة وخالها ميلاد) وهي ترمز في المجتمع الليبي الى ( الرجل الذي في بيته نساء كثيرات سيئات ولاقدرة له على السيطرة عليهن)، تبدأ حياته مع زينب بطريقة غير منطقية، فهي تسميه( المخنث) وبالوقت نفسه تقول أنها تريد رجلا قويا يشبع رغباتها.

*تبدأ (ديوثة) أو "دياثة" البطل ميلاد تدريجيا، فهو يُطبّع أخطاءه خطأ بعد خطأ، فحينما يختلي بحبيبته "زينب" ويفض بكارتها يجد أنها ليست عذراء، لكنه يقبل بالأمر ويتزوجها،  ثم بعد ذلك وهُما في رحلة شهر العسل في " تونس" تقول له( أتسمح لي بالتدخين) فيوافق، ثم تقول له( أتسمح لي بشرب شيء من الخمر) فيسمح لها، وتقول له (إنها تريد ان تسبح بالبكيني في البحر) فيوافق، مع أنه يدرك أن ليبيا بلد عربي اسلامي لايقبل أن تحدث مثل  هذه الأمور في الأماكن العامة.

*تؤسس الرواية لظاهرة خطيرة تقع نادرا لدى الشباب، وهي فض بكارات الفتيات بحجة الحب والصداقة، وتكون النتيجة إما ان يتزوج الشاب الفتاة كما فعل" ميلاد" مع صديقته " زينب" أو يهرب الشاب بجلده ــ كما يقولون ــ مثلما حدث مع" خدّوجة" وصديقها الذي تركها وهرب، فتحولت الى عاهرة محلية مشهورة تمارس الدعارة انتقاما من الرجال بسرقة أموالهم، وقلنا (تؤسس)، فالرواية تتحدث كثيرا وباستمرار عن موضوع فض البكارة وكأنه موضوع رئيس في الرواية وليس أمرا عارضا أو طارئا لاينبغي الكلام عنه بالتفصيل،  حيث تكرر البطلة عدة مرات على طول الرواية عبارة ( أنت تزوجتني لأنك فتحتني!) وهذا لفظ فاضح  خادش للحياء ولاداعي لتكراره على طول الرواية.

*الرواية مملوءة بالأحداث غير الأخلاقية والمسيئة للشعب الليبي والشعوب العربية، منها أن البطل كانت تربيته تربية نسائية وهو محاط بالنساء ويتحدث الراوي عنهن وعن تصرفاته معهن باشياء غير لائقة.

*كما ان البطل لاينام مع زوجته كما تنام الناس، فهو مشوش، ساذج، ضعيف مع النساء في الفراش، ومع هذا فهو يعتز بزواجه من "زينب" التي فقدت عذريتها بطريقة مجهولة، ويغض النظر عن علاقتها  المشبوهة مع مدير دائرتها، ويسامحها قبل أن تخطىء، فهو المغفل الأحمق الساذج الديوث الذي يرضى بأي شيء تفعله زوجته حراما كان أم في الحلال.

* حادثة قيام البطل" ميلاد" في نهاية الرواية بقتل زوجته الخائنة أمر غير مقنع، ومع محاولة المؤلف اقناعنا بأن البطل تفاجأ بخيانة زوجته وتأكد أنها تمارس الرذيلة مع المدير وغيره، إلا أننا لاحظنا منذ بداية الرواية أن البطل يعلم بطريقة ما أن (زينب) لم تكن له وحده، والإثبات على ذلك  أنه لم يفض بكارتها، ولايعرف كيف فقدت عفتها، وفي الحقيقة هو لايهتم للأمر أصلا، ومنذ بداية زواجهما الى نهاية الرواية، كان  لديه احساس أن زوجته تخونه بطريقة ما، لكنه لم يكترث لخطورة الموضوع،وكان يتغاضى عن ذلك عندما تواجهه هي وتؤنبه لأنه يحاول مراقبتها والشك في اخلاصها له، والحكاية واضحة، ولم يكن بحاجة الى من يهمس بأذنه (زوجتك تخونك مع المدير).

* ثلث صفحات الرواية هي زيادة وحشو وترهل، وقد حشرها المؤلف حشرا في جسده نصه السردي، الى حد كنا فنا فيه نغفو أو نأخذ قيلولة، وننسى الصفحات التي وصلنا اليها، ونبدأ من حيث نعتقد أننا انتهينا ولايؤثر ذلك في مسار الرواية وحبكتها وحركيات اشخاصها، رواية مملة، وفيها الكثير من المفردات الشعبية الليبية التي تعمد المؤلف زرعها في ثنايا النص، بحيث كنا نتوقف عن القراءة أحيانا ونذهب الى آخر الفصل، لنعرف ماذا يقصد الروائي بمفردته  هذه  أو جملته الغامضة.

*الرواية فيها العديد من الشخصيات الثانوية اضافة الى شخصيتي البطلين "ميلاد" وزوجته "زينب"،  و مجموع هذه الشخصيات يشكل نوعا من الفسيفساء في خارطة البشر الذين يتحركون في الرواية ،  فهناك شخصية (العبسي) ابن عم ميلاد الذي يعلمه كيفية التعامل مع فتيات الدعارة، وشخصية( المدام مريم ) صديقة زوجته التي تحولت الى عشيقته، وشخصيات ثانوية أخرى كانت لها أدوار محدودة في الرواية.

* خلاصة القول، رواية( خبز على طاولة الخال ميلاد)  لليبي محمد النعاس، قد تكون رواية جيدة  ومبدعة في  بعض جوانبها ، ولكنها لاتستحق جائزة البوكر على الاطلاق.