عشرة أميالٍ مع الفتى مروان-ج2

عدنان أبو أندلس
  • 17-05-2021, 21:13
  • مقالات
  • 287 مشاهدة

ونمضي ، وفي كل شارع وفروعهِ واماكن الجلوس نصادف الأصدقاء وبعض المرات نتحاشى اللقاء إلا البعض في مزاجهِ اللحظوي .. وعند وصولنا لتمثال " السعدون ، حياهُ ايضاَ بقولهِ " يا أيها الحائر بدنياه ، لقد تخلصت منها بفعلتك الشجاعة .. حتى سرقوك أخيراً " في كل الجولة يطلق تعليقاً ينطق بالصراحة .. وطالت الجولة حتى أرهقنا السير إلا هو مما اضطررنا أن نصارحهُ بالتعب الذي بدا علينا وبحجة الجوع وافق وادخلنا مطعم " سرجنار " واخذنا الواجهة الأمامية كي يرى ويشاهد لحاجة في نفسهِ ، التمسنا لشراء حاجة من الخارج فكانت علبة  سوداء من سجائر" esse  " ناولني منها سيجارة والأخرى لـ رباح ، أخذ هاتفي وقاسهُ على العُلبة فكان الحجم متساوي تماماً لوناً وحجماً ، فانفلقت ضحكتهِ  مُجدداً ترنُ بأذني ، أشعل سيجارته وأخذ منها نفساً عميقاً وزفرهُ في الحال قائلاً : لقد بدت الدنيا ضباباً ، أليس كذلك !.. كانت حقاً كما قال حتى النادل لم يستدلِ علينا رغم الوقت عصراً وهذا شهر " آيار " الذي سرقهُ الصيف في جدولهِ .. تناولنا الوجبة وكانت شهيتهً " الباذنجان " كونهُ من لوازم السواد الذي يرتديهِ ، قُمنا وجلسنا أمام المطعم حيث طلب فنجان قهوة ، وأوصانا بشرب اللبن ، ثم نهضنا نواصل جولتنا هذهِ حتى ساحة الفردوس وشاهدنا العشرات من الأدباء يخرجون متجهين الى مقر اتحاد الأدباء لقد أوقفونا للمصافحة وكان منهم صبيح عمر وهاني عقيل ووسام جعيجع وعلاء المسعودي ونمرود قاشا وأمير بولص عكو ووعد الله ايليا وحسين الهاشمي والكثير غير أنهُ لم يتوقف بل مضى باتجاه آخرين بجوارنا عرفتُ منهم نادر عمانوئيل وشورش قادر ويوسف الصائغ وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ومحي الدين زنكنة صافحهم معانقاً بلهفة . كان  يُحدق في بناية فندق الشيراتون والمريديان المتقابلان والمتعانقان في الطوابق الأخيرة منهما ، وحين سالتهُ لِمَ تُطيل النظر بهما : ردَ قائلاَ : أود التحليق في كل لحظة ولولاكما لحلقتُ منذ فترة ، لكني أحبذ هذه المسيرة معكما حتى النهاية التي اوشكت أن تنقضي ..

         ثم تابعنا الجولة من يسار ساحة الفردوس حتى ساحة " الفتح " وقد رشقنا بعدة ضحكات ونكت كان يخزنها منذ طفولتهِ المُحببة . التفت عليَ قائلاً : قال لي : أتذكر بأني  قدْ طفتُ معك بعض شوارع البصرة في إحدى المرابد ،  حين كُنا  نسكن في فندق العيون ، نزلتُ ووقفتُ أمام الفندق كنت أنت واقفاً ، سلمتُ عليك ، وسألتك : اين وجهتك ، قلتُ الى قاعة " ابن النديم " لحضور جلسة نقدية .... قلت : إذن  سنمضي على بركة الله ؛  نعم أتذكرها يا " مروان " وسرنا نتحدث طوال المسافة وحين وصلنا الجهة المقصودة لم ندخل القاعة ؛ بل غيرنا الاتجاه  الى نصب " الفراهيدي "  ومن خلفهِ الى سوق " الهنود "  كي نشتري التوابل كما اتفقنا مسبقاً  ، كانت عجلة نوع " بيك آب " متوقفة  بجنب الجسر كانت آتية من " الكويت "  للتو تحمل بضاعة من الألبسة الرجالية ، وقد اشترينا منهُ قميصاً لي وآخر لك ورجعنا ولم نتبضع ما نوينا شراؤه من السوق  ، بل عُدنا الى مأوانا فتحناهما  وقدْ ظهرا بنصف " ردن " فرحنا لأن الجو كان مُلتهباً ، قلتُ اذكرهُ جيداً ،  ارتدينا ذلك وبوجهتنا الى تمثال " السياب " للزيارة والتي أسميتها " عُمرة الأدباء "  عبرنا الشارع ،  وبعدها ارتشفنا شاياً في الطريق ورجعنا غروباً نلوك الذكريات مع الغيبة الشرعية بذكر الطاف الأدباء وتقريعاتهم في ما بينهم من حيث النصوص التي يتشاكسون بشعريتها مع بعضهم البعض  ، عُدنا الى غرفنا المقابلة ، نعم يا مروان أتذكرها جيداً وكأنها اليوم . فجأةً توقف لإستذكار حدث ما ، أو طنين إذن طارئة ، لا ادري ، سألتهُ مابك ؟.. لزمني الصداع المؤلم وقد غشى بصري ، ذهب فوراً رباح وجلب لهُ مُهدئاً من صيدلية قريبة ، أعطاها لهُ ولم يمسكها وكأن يده لا تمسكها ، قال ضعها على كم سترتي وسأتناولها بلا ماء. وحالما إستراح وتماثل بزوالهِ ، إنعطفنا يسار الساحة التي تذهب بنا بعيدا عن أمنياتنا ، كان يود ان يمضي يميناً ونسلك الفروع المؤدية الى الاتحاد ، لكني أقنعتهُ بمواصلة السير الى ساحة " الفتح " وقد ايدني " رباح  " بذلك ، ردَ قائلاَ : كما تُريدان ، فأنا ضيفكم وطوع ارادتكم ، قالنا سوية : لا ، لا  نحن معك وما تريد ، هل نبدل رأينا في هذه الخطوة ، لا ، سنمضي كما طرحتم رغبتكم ،  أولاً .. وسرنا وحين وصلنا شخصنا بوجوهنا رأس  " الفانوس السحري " وقفنا نتأملهُ ونحلل شكله والغاية من صمتهِ دون كشف الأسرار ، نكس راسهِ مردِداَ ما عندهُ للمزحة : يا فانوس يا فانوس طلع سحرك المغشوش ، وخلصنا من هذا المنحوس " لم يقُل : شُبيك لُبيك ، بل هدر بغضب ، امضوا في طريقكم ، وإلا.....  مضينا برهبة أشبه بالخوف المجهول ، كانوا جماعة من الأدباء يتراصفون ويلتقطوا صوراً تذكارية بما فيهم تحسين كرمياني وعامر هادي وأحمد عزاوي واسماعيل حقي وسعدون البيضاني وطيب جبار وعبد الستار كاكائي وياسر البراك وأحمد الصعب ولطيف هلمت وشاكر نوري وجلال زنكابادي ، وعلى مقربة منهم من الجهة المقابلة كان أنمار مردان وأنمار كامل وسرمد بليبل وخالد الشيخ والحسين بن خليل ومالك عبدون وضياء الخالدي ، يلتقطون صوراً تذكارية . عندها راودته زيارة " المسرح الوطني " فمشينا حتى المدرج والبوابة فكانت نيتنا الدخول بالتطلع ومعرفة من يكن هناك ، لكن تغيرت النية حين رأينا المسرحيون يقفون على الجهة اليمنى ويحتفون حول حقي الشبلي عرفتُ منهم عوني كرومي ويوسف العاني وقاسم محمد وفوزي مهدي، اقترب منهم وصافحهم والبقية تنظر لما يجري دونهم ، وعلى مقربة منهم تقف آزادوهي صموئيل وعزيز خيون وعواطف نعيم وميمون الخالدي و حسين علي هارف  ، وعلى مسافةٍ أُخرى كان هيثم عبد الرزاق وقاسم حميد فنجان وحيدر منعثر وعبد الرزاق محمد عزيز وعلي ريسان ، يتقدمهم بخطوات ياوز فائق وجعفر موسى وعدي ريسان  .... بعدها أخذنا نحثُ الخُطى الى ساحة  " كهرمانة " وكالعادة شاهدنا الأدباء يلتفون حول النصب بالتقاط الصور الذي راح احدهم حاملاً هاتفهِ وبدأ الوميض يشعُ بوجوهنا ، تراصفوا معاً كمال غمبار وحسن سيلفاني ومهند الياس وجواد الشلال وعصام كاظم جري وناهض الخياط وسمير كهية وعدنان الفضلي وحسين رشيد وحامد عبد الحسين حمادي والبقية غادرت المكان  ، حين كتم الضحكة خاطبنا : يبدو اليوم الدنيا تمطر أدباء بدل شحتهِ في هذه السنة !..، اقترب من التمثال واسمعنا عباراتهِ التي يتقنها بسرعة بديهية جاهزة  : يا كهرمانة ضعي صفراَ اضافياً ، وصبي الزيت كي تُحرقيهم لأنهم كثروا ما عادوا 40 حرامي .  وأخيراً جولتنا هذه التي تفضي الى الاتحاد ، عبرنا تقاطعات ونقاط واماكن شبه معتمة مع الضباب الذي يلازمنا في اكثر الأحيان ، وحالما وصلنا ساحة " الأندلس " وجدنا ثلة من الشواعر يتحدثن في ما بينهن وقدْ لاحت لي  وفاء عبد الرزاق وفليحة حسن وورود الموسوي وجنار فائق ورفيف الفارس ورائدة جرجيس وسلوى النجار . اتجهنا للجهة المقابلة لمقهى منزوياً في دهليز ضيق ، لكن بعض مقاعدهُ صُفت في الهواء الطلق ، لذا اختارهُ عن دراية ، وكان الجلساء موفق محمد الذي سمعناهُ يقرأ قصيدة " سرمهُر وأنكس  " وهي مشاكسة من يومياتهِ الصريحة ،  والكلُ مصغٍ لهُ بالإشادة والإعجاب والتصفيق من زهير الجبوري وعلي الأسكندري وناهض الخياط ومالك المطلبي ووارد بدر السالم وحميد المختار وعارف الساعدي ونوفل أبو رغيف وعبد الزهرة زكي وسلمان داود محمد وسعد جاسم وسعود بليبل وسليمان البكري وخالد الداحي ومحمد الصيداوي ومندوب العبيدي وسنان النفطجي .

           غاب عنا لحظات ثم عاد الينا  يُطوح بسبحتهِ البيضاء وبلباس كأنهُ رجلٌ من ثلج يومض ويتوهج مثل  لؤلؤة تشعُ الى كل الجهات  ، قال : ما رأيكما ؟..، لم نجبهُ سوى الانبهار بالذعر والدهشة المُحيرة بالاستغراب ، وقبل الدخول مرَ على " كشك " لبيع المرطبات وقد أوصى لهُ بكأس من اللبن، ولنا دون رغبتا قهوة مُرَة ، ومن الغريب إنهُ في كل مرة  يُعاكسنا في التوصية كي يوائم هندامهِ . وعند البوابة كان " عيسى حسن الياسري "  قدْ وصل تولاً من المهجر وها هي حقيبته لم تمس الأرض بعد ، حييتهُ وأنا اسير ، ثم حيَا " الجواهري " برفع قبعتهِ ،  وقبل الدخول أسر لي قولاً بأنهُ مسكين ومختاض منهم قليلاَ ، همست مع نفسي : يا للعجب !.. لم أردَ عليهِ ، لأنهُ حتما سيسرد عن تلك الحالة ، سكتُ إلا أن قال بأسف :  لأنهم قبل ايامٍ أدخلوني  بمستطيل وحملوني على الأكتاف قرب المنصة في قاعة ´زها حديد " لم يسمحوا لي ان اقرأ قصيدتي الأخيرة ، بل تكفل " عمر السراي " بكلمة أبكى الجميع ، ثم أخرجوني بعويل وببكاءٍ مُرَ لم اعرف نتيجة ذلك الى الآن ، كما هي الزغاريد التي تصدح في قاعة الأعراس ن لكن بصورة مغايرة  .. بعدها دخلنا الاتحاد وكان الكثيرون يتجولون في أبنيتهِ والمكتبة والقاعات التي يُسمع بها صوت محاضرات في التنظير والتطبيق والسرد ، وهناك لمحتُ فاضل حاتم وعامر صادق وقد أسند ظهريهما وكانا في حوار حول قصيدة معتز رشدي ، وأنا أسير كنتُ أميز الأصوات في الباحة  منهم علي سعدون ورحمن غركان ومحمد ابو خضير وياسين النصير وميثم راضي ، واتخذ محمد صابر عبيد وحاتم الصكر وعبد الرضا علي وفائق مصطفى وجاسم العجة وجاسم خلف الياس واسامة غانم وفاضل التميمي وياسين طه حافظ وسلمان العلوان ، تلك النافورة ، وقفة لهم بعيداً عن الضوضاء ، حين أقبل الينا روند بولص ونزار الديراني وأحمد جار الله واديب كمال الدين وكرم الأعرجي  ، لكن حين ابصرهم زاغ عن الابصار في رمشة عين ، سرنا نبحث عنهُ بين الزحام الذي غطى المكان كُلياً ، واخير وجدناهُ في  ممر الحديقة الذي يفصلها واقفاً وبيدهِ ورقة تهتز من أنفاسهِ كلما حدَق بها  ، كانت الكراسي مرصوفة على الجانبين بشكل مُنسق ، في الجهة اليمنى من الحديقة اليابسة كانت علامة تشير بسهم أصفر للضيوف ، ربما قدْ فُسر من البعض بأنهم من خارج البلد ، أما الجهة اليسرى  منها فكانت خضراء ندية ، فقد أشر بسهم ٍ أخضر للأعضاء الحضور . وعلى عُجالة مرَ من أمامنا شخص لا أعرفهُ حاملاً الميكرفون ينادي بالحضور والجلوس في امكنتهم ، كانت القاعات مشغولة منها بمجلس عزاء والأخرى بحفلة عُرس والبقية بمحاضرات سردية ، والحانة تغص بما أجادت ذائقتهم من الانشراح بتلك العُتمة المُحببة والمصحوبة بخدرٍ آني .

                هذه هي الحياة بدورتها كي تكتمل ، صاح آخر من بعيد بعد قليل سيتم افتتاح جلسة القراءات الشعرية ، تقاطر الأدباء وجلسنا في مقعدين وسطيين اخترتهما لي ولـ رباح  نراقب مشهد الحضور ، في تلك الأثناء جاء نجاح المعموري وهو يمسك بيد حنون مجيد وبجانبهما آشور ملحم عمر السراي وتباعاً عمار المسعودي وأحمد الزبيدي وراوية الشاعر وعبد السادة البصري وجمال الهاشمي وجواد الحطاب وطه حامد الشبيب ومنذر عبد الحر وجبار الكواز ومعن غالب سباح وعلي الامارة  ورياض الغريب وحسين الجاف وفوزي اكرم ترزي وزهير بهنام بردي ، ثم حضر بعد ذلك جميل الشبيبي ونجاح كبة  وسافرة جميل وصبيحة شبر وخيال الجواهري وصباح المندلاوي وسجال الركابي وميادة العاني وحسينة بنيان وحذام يوسف ونادية هناوي وهيثم بهنام بردي وشاكر مجيد سيفو وريسان الخزعلي وأحمد الجنديل وماجد الحسن وعصام كاظم جري وغسان محمد واحمد جليل الويس ومحمد حسين آل ياسين وأحمد خلف وعدنان الصائغ وكولالة نوري وفينوس وعلي لفتة سعيد وريم قيس كبة وفائق وأمير بولص عكو ومنال ابونا وسهام جبوري وثامر سعيد آل غريب والكثير الذي غافلنا وجلس في مكانهِ  ، بعد قليل أقبل الفريد سمعان يتأبط ذراع ابراهيم الخياط وبجانبهِ يوسف الصائغ ورعد مطشر وسلمان الجبوري وعبد الله الراضي ويعقوب إفرام منصور وسعدي المالح وكمال سبتي وسعد محمد رحيم وآمال الزهاوي وفهد الأسدي وسعد الصالحي واحمد كركوكي وحسن كوثر وقحطان الهرمزي ووحيد الدين بهاء الدين وهاني صاحب ، وأخيراً أقبل عبد الجبار الفياض واتخذ مقعدهُ خلفهم ، ما أن رآهم في الحال حتى تقدم يصافحهم بعناق شوق عجيب ، ساد الصمت بعص الوقت ثم وقف في وسط الممر هاتفاً : سأقرأ لكم القصيدة  التي ظلت عالقة بحنجرتي ولم يسمحُ لي الحظ بقراءتها في يوم 22- نيسان ، هو ذاك الشهر الذي فرطت به روحي من حلقتكم  ، ولكوني سأغادر سأبدأ في المستهل فقط  : أنا هو ذلك الفتى الذي كان ينتظرك تحت شجرة السٍدر دون ان تعلمي بيَ " صفق جلساء الجهة اليمنى بحرارة ، وتضامنت معهم الجهة اليسرى  ، وبعد ان أكملها ، اعطى " المايك " لشخص آخر، ومن المدهش حين يقرأ شاعرٌ من جهة اليسار لا تُصفق لهُ جماعة الجهة اليمنى ، ولكن الجهة اليسرى تصفق للطرفين معاً وبكل حفاوة ، مما ادهش هذا الموقف المحفل برمتهِ ، وساد المحفل نوعاً من التهكم والضجة ، مما  اضطر " عريف الحفل " أن ينهي الجلسة وتأجيلها من اللغط الذي دار بينهما من الفوضى وكذلك الضوضاء الآتية من قاعة العرس التي تكفل صبيٌ في كل مرةٍ أن يغلق باب القاعة عند فتحِها من قبل المدعوين حتى تضجر ومضى لمكانٍ قصي   ، وقد سأل متبرماً  واحد من الواقفين ، لماذا  تم توقيت حفلة العُرس هذه الساعة بالذات مما حصل هذا الذي نسمعهُ وقد شوش الجلسة . وقدْ ردَ أحد الأعضاء بأن جلستنا طارئة وهذه القاعة محجوزة منذ عدة ايام . حينها غادر المكان انفضت الجلسة ، وتبعهُ الجميع عدا اصحاب العرس الى ساحة الأندلس التي وقف بوسطها تحت نصب الفتاة ، يُحدقُ في  اعلاها حتى مالت قبعتهُ الى الخلف وهوت الى الأسفل وقد تلاقفتها الأيدي لكنها تلاشت حالاً مما صبغت كل الملابس بالبياض . ما ان صفق بيديهِ حتى ضجت الساحة بالمئات من طيور النورس التي تعالت اصواتها فوقنا بشكل عجيب ، حلقت على رأس الفتاة وحط الكثير منها على جانبي النصب ، ورفرفت البقية على رؤوسنا كأنها سحابة ثلجية في مشهد غريب ، وتوشح المكان بالبياض وتكاثف الضباب الذي حول المعالم الى لوحة بيضاء  تتراقص بها الأضواء الخافتة ،  ثم نادى :

 من حُلْم إلى حُلْمٍ

أَطيرُ

وليس لي هَدَفٌ أَخيرْ ..!!

حلق عالياً ، وصاح وداعاً الى حيثُ هُناك ، وظلت العيون ترقبهُ ، حتى توارى في الضباب .