عشرةُ أميالٍ مع الفتى مروان..

عدنان أبو أندلس
  • 16-05-2021, 21:48
  • مقالات
  • 314 مشاهدة

بدأت  " حُلماً "  بـ ثوانٍ " ، وانتهت  " خيالاً "  بـ 10ساعات "


مقدمة :

         لم أحسبها اطلاقاً  ،  قِصة أو رواية ، بل هي حكاية سردية طويلة والتي استدرجتني  المُخيلة بهذهِ السياحة المُمتدة حتى قطع النفس ، لم أبتغِ منها، تسكين حُزن أو اكتساب مدح  ، بل هي  الحقيقة بصراحتها التي أجبرتني بالإفصاح عنها .  

نعم أقول ؛ صدقاً : لكثر ما صدمني مشهد تشييع جنازة الراحل " مروان "  ومتابعته كُلياً وبكل تفاصيله الدقيقة من مقر اتحاد الأدباء الى مقبرة " محمد السكران"  ؛ هو ذاك التفاعل الذي أفضى  الى هذا الحلم أدناه ، ولو اني أعلم وعلى يقين تام باستغراب أكثر الأصدقاء من هذا الحلم المتزامن مع رحيلهِ بفترة قصيرة  دون الشهر، وعلى حدْ قول المصريون " أديمه.. أو قول العراقيون بـ  " حلم كاعد  " ثقوا ؛ لا هذا ولا ذاك ، لكنها الحقيقة  كما  رأيتها عيني ..ولأنهُ مُحب للجميع ، ودَدتُ أن اذكر هذه القائمة الطويلة من الأسماء  وفي أماكن متفرقة  قد جمعتهم الانتخابات ،  ولكونهم من الأصدقاء الذي احبهم وأحبوهُ ، فكان ذِكرهم بهذا الزخم وحسب الذاكرة التي شحنتها كلياً ، فكانت  وقفة تأمل بوداع أخير ، لذا تزامن هذا السرد مع  الحضور المُكثف في يوم المهرجان والذي يحضر به هذا الجمع  في كل دورة ، كان يتمنى وحسب ما افصح لي بأنهُ يود أن يرتقي ساعة " القشلة "  ويلتقط صورة مجتمعة لهذا الجمع يضعها في جيبهِ ويمضي مرتاح البال .

ولأجل أن لا تطول المقالة اكثر أو تتشابك التسميات مع الصفات الأدبية المتعددة  ،  أبعدتُ ذلك ؛  مثل  " دكتور وناقد وباحث ومفكر وشاعر وقاص وروائي وصحفي ومحقق ومؤرشف  وغيرها ....."  عن الأسماء التي وردت  في هذهِ السردية.


اجازة  من العالم الآخر .

بدأً ‘ سأروي لكم الحُلم : ثقوا من دون قسم ؛  لم أحلم بحياتي كُلها بمن رحلوا عنا من الأعزة وخاصةً  والديً ومن الأقارب والأصدقاء ، إلا بعد مرور مدة طويلة على رحيلهم ، وربما البعض لم يتسن لي أن أراهم الى الآن ؛ ولو بحُلمٍ عابرٍ من تلك الأضغاث في معترك هذه الحياة ، مع العرض كانت صداقتي بهِ طبيعية جداً وتقتصر فقط على اللقاء  في المهرجانات ؛  لكن من غرابة أحلامي بأني حلمت  يوماً بالرئيس اللبناني الراحل " سليمان فرنجية " وقد شاهدتهُ  يُحلق ذقنه في الهواء الطلق بحديقة عامة في جمهورية  " النيبال ، حتى انعكست قمة "  أفرست " ساطعة في "  المرآة  "  التي أمامهِ ،  وحين شعت بوجهي حجبتها بيدي التي اصطدمت بخشبة السرير , استيقظت وأنا اضحك من هذا الحُلم  الفنتازي  .

     والآن سأسردُ لكم كالآتي :

إجازة من العالم الآخر.

ما بعد الظهيرة رقدت على سريري لكي استرخي فقط ، لكن على ما يبدو غفوت ، أحسستُ بعتمة ضبابية خانقة بالكاد أرى اصابعي حين أمررها أمام وجهي، لكن حين  جاءني بالطيف الراحل " مروان عادل حمزة " انقشع ذلك الغمام كلياً ، وكأني لحظتها  كنتُ نزيلاً بفندق " دُنيا " الواقع في أحد فروع  ساحة " الميدان " الذي هو شبيه  بالقسم الداخلي لطلبة المحافظات ، كنتُ جالساً وأمامي منضدة وأقرأ  بكتاب  منهجي يخص الأدب  بغية التهيؤ  للامتحان غداً ، وكأني في سنتي الأخيرة من الكلية . أقبل عليً " مروان " وكعادتهِ باسماً ، وكان شاباً  بعمر طالب " سنة  أولى "  جامعة ، نفس الملامح والهيأة التي اعهدها  لهُ ، لكن رأيتُ متغيرات قد طرأت عليهِ ، وقد ظهرت شعيرات خفيفة  نبتت على شاربة ولحيتهِ ، أنيقاً يرتدي الزي الموحد للجامعة ، وبرفقته طفلة تحتضن لُعبة بيضاء منزوعة الشعر ، وشخصاً معوقاً  أكبر منهُ يتوكأ علي عاصاه ، لم نتصافح أو نتعانق ،  بل جلس وأخذ يفرك راحتي يدهِ بحافة المنضدة. الرجل والصغيرة كانا يتناوبان عملية التثاؤب  المستمرة ، ولم يتكلما طيلة فترة  الجلوس ، بل  كان " مروان " يتحدث ويضحك وينكت بتصنيفاتهِ  التي نألفها ، وكالمعتاد طلبتُ لهم طعاماً جاهزاً  كضيافة من المطبخ الذي بحوزتنا  ، ما ان جلبهُ النادل بماعون مستطيل حتى رفع يدهُ قائلاً : لا أحبذ الشكل المستطيل لأنهُ يُذكرني بما لا أرغب  " ،  مما اضطر أن يبدلهِ بمواعين صغيرة ، تناولا من تلك الوجبة بكل شهية ، ثم نهض بقولهِ :  يا لله ؛ وسار مودعاً وملوحاً بكلتي يديه  من وراء ظهرهِ ، ما إن مشى خطوات حتى بدأ يوزع النقود للصغار من جيبهِ دون أن ينظر لها على الذين يتراصفون  كالعادة قُبالة الفندق  لبيع بضاعتهم المستهلكة والتي تغير لونها  بفعل  لفحة الشمس ، وحين غاب عدًت الى مكاني منذهلاً من ذلك اللقاء وحسب الوعي  الراسخ بانهُ  كأن متوفيا مُنذ ايام خلت  ، فكيف اتى للحياة مُجدَداً ؟!.. وأنا في ذلك الشرود والتيهان ، حتى ايقظتني طفلتي  بأن وقت آذان المغرب قدْ حان ؛ والتهيؤ للإفطار، استيقظت وقد انتابتني العبرة الخانقة ،  علماً بأني لم اعهد نوم القيلولة  منذ طفولتي ولحد الآن ، بل كنتُ  أتمدد  فقط  بغية الراحة والاسترخاء ليس إلا  ، وأبقى بوعيٍ تام  طيلة الفترة .انتهى .

جولة الخيال الافتراضية :

            في ضُحى هذا اليوم 16-5-2021 تذكرتُ الحُلم الذي يراودني كل لحظة ، ولم يغب عن بالي بالمرة  ، كانت أستذكرهُ  مثل شريط يمرُ أمامي تباعاً، وفي الخيال نسجتُ حبكة استرجاعية - للحُلم والواقع معاً - وفق معاصرة الحدث الذي جرى ،  تمدَدتُ على سريري وقد عُلقت عيناي بالمروحة المعلقة بسقف الغرفة والتي راحت  تدور بحركة جنونية  وبصوتٍ مُقرف يبدد خيالاتي التي انسجها بالكاد ، كنتً أتخيل الأمكنة التي مرَ بها " مروان " ولذائذهِ  الشبابية  في شوارع بغداد  المنعشة رغم الماسي التي مرت بها ، ومن أمام فندق " دُنيا "  الذي كان بؤرة الحدث " الواقع والخيال " هو مثابة انطلاقي الذي بدأ بخطوة وحُلم ثانية  مجتازاً شارع الرشيد وبانعطافه الى شارع الأمين المفضي الى شارع الجمهورية ، وأنا أسير وسط  هذا الزحام المكثف لعربات نقل البضائع وأصواتهم  المُجلجلة والمعرقلة للسمع الذي يتلاشى من كثر الضجيج ، عبرت شارع الجمهورية  قاصداً محلة " الفضل "  التي يسكنها " مروان "  لكن حين ولجتُ إحدى المناطق الكثيفة بأزقتها ودروبها الضيقة والتي  لا تفضي  ، بل ربما تنسد بوجهك فجأة ، كنتُ بحاجة لدليل متمرس في معرفة " العكود "بتسمية اهل بغداد ،  ليرشدني إلى بيتهِ ، وحالما مشيتُ خطواتِ حتى أعاقتني حركة الصبيان وهم يتركضون خلف  كرة مُتهالكة ، ما أن  ركلها صبيٌ حتى وقعت في ساقية ونثرت الماء ، وبعدها تدحرجت  وارتطمت بي مما سببت في تلوث بنطالي بعض الشيء ، لم يعتذروا لي ،  بل تعالى صياحهم بسبب الخطأ الذي احتسبهُ الحكم لصالح الخصم  . صحت بهم  وأنا ازيل الرطوبة العالقة : عمو من يدليني على بيت  " مروان عادل حمزة " قال أحدهم : ماذا يعمل ، قلتُ : مدرساً وشاعراً في اتحاد الأدباء ، صاح أحدهم وهو منحني ليشدُ قيطان حذائهِ  لحظتها : أها ، هو في الفرع الآخر ،  تعال معي ، سألني : هل يرتدي قبعة، ولهُ ولد اسمهُ " يوسف "   ؟.،  قلتُ : نعم ، سرتُ معهُ مسافة دقائق نجتاز ممراَ ضيقاً  ، بعدها تراءى لي من راس الفرع يمتطي دراجتهِ الهوائية ويعتمر القبعة الإفرنجية ،  ومن على البعد صاح : أهلا بأبي اندلس ، كيف اتيت لمضاربنا ، يا مرحباً بك في ديارنا مع ضحكات منعشة حقاً؟... وقف الصبي قائلاً : هذا هو ؟..، قلت : نعم هو نفس السحنة والملامح التي رأيتها به قبل سنة ، ثم  وعاد مسرعاً للمباراة . ترجل  من دراجتهِ وتصافحنا بطريقة  ضربة " البوكس " الهوائية دون ملامسة ، وحسب العادة التي سرت في اوساطنا خشية من كوفيد 19 .. ألح عليً بالدخول  الى البيت ، لكني اقنعتهُ بمهمة أكثر من ذلك ، وهي التجوال معهُ  في شوارع بغداد ، استجاب بشرط أن لا تأخذ  الجولة شكلاً مستطيلاً ، بل نسلكها هكذا بعد أن مدَ يدهُ اليسرى واتجه نحو الشرق ومثل ذلك  شكلاً بكفهِ على هيأة  " حدوة الحصان "   هكذا نسير دون أن نكمل الدورة من هُنا يعني " الفضل "   وهو يشير بأصبع السبابة  ، والى اصبع  الإبهام يعني " مقر الاتحاد "  ، أي  المسافة ما بين السبابة والإبهام ، لو كنتُ وحدي استطيع أن أكملها برمشة عين ، استغربتُ من كلامهِ  لكني لم أُعقب ، ولم اعارض باختياره الشكل ، لأنهُ أشعرني ذلك في الحُلم لا يُحبهُ . ركن الدراجة وأوصى صبياً بإدخالها الي البيت ، وانطلقنا  كان يدلني على نقاط  دالة  لزيارة قادمة قد أحتاجها ، في كل فترة يناديني واجبهُ بـ نعم حتى تحسسستُ من ذلك التكرار .

سرنا نحث الخطى بفرح  وهو يسرد لي عن  محلتهِ ،  والتي كنت اسمع بها من دون معرفة سابقة ،  هذا جامع الفضل ، وذاك شارع غازي ، وهذا سوق الخضار وقنبر علي وحمام المالح وابو سيفين ، وبدأ يُعدد لي المناطق المحيطة به : هذه الطاطران  وأبو دودو وخان لاوند والبارودية والصدرية  والى ساحة الوثبة والتوراة حتى فلكة " السباع " وغيرها من المناطق العريقة الى أن وصلنا شارع الجمهورية ، وأمام " الإعدادية المركزية للبنات "  والتي تطل على الشارع وتقبع على ربوة ، وقف متأملاً مشهد ربما استذكرهُ الآن ، قلتُ لهُ : لِمَ  وقفت هُنا متأملاً عن بعد؟... ، ردَ بتأوهِ : تدري هذه المدرسة لي معها ذكريات عذبة وممتعة  ، كنتُ أتردَد عليها كل فترة بعد مواءمة المكان ،  كي أُمثل دور " نزار قباني " وحبيبتهِ قبل الزواج ،  آنذاك " بلقيس الراوي " وهو يقف أمام بيتها في الأعظمية ، تحت شجرة السِدر ، طبعاً هذا في دور المراهقة، وليس الآن .. للاستذكار فقط ، لهذا أُمثل  في مشهد درامي كلما جئت الى هُنا وبيدي قصيدة حب ، اقف ساعات تحت شجرة " النبك " صيفاً وشتاءً ،  هي في الصف " الرابع العام  " قرب الشباك المكسور ، وذاك السهم  باللون الأصفر كعلامة هي صبغتها كدليل منظور ، كما في فلم المُراهقات التي كانت الممثلة " زيزي مصطفى " تنظر الى حبيبها من وراء الشباك وخاصة  في انشغال الطالبات والمدرسة  بالحصة الدراسية ، هو ذاك صفها الدراسي ، وأنا في"  السادس الإعدادي "  ، قلتُ لهُ : يعني تناص ، ردَ ضاحكاً : نعم تلاص عشقي مسروق ، التفتُ فلم أجد للشجرة اثراً يذكر سوى عربات الحمالين مرصوفة بشكل مبعثر وعليها اسلاب وبقايا خضراوات تالفة منذُ البارحة .

كنتُ حينها قد تلقيت مكالمة من صديقي " فاروق "  يسألني أين أنت ؟.. قلت في  محلة " الفضل "  أنهى المكالمة فوراً وقد عرفتهُ متضجراً ساعتها من البحث والتقصي  ، بقي الهاتف بيدي ،  تأملَهُ بما يكفي ثم نكس راسهِ وخاطبني اعطني سيجارة من هذه العُلبة ، قلتُ لهُ هذا هاتفي ، ردَ بضحكة اهتزت كل فرائصهِ وحتى رأيتُ لسان " المزمار " وقد تدلى بارتعاشه مع استمرار القهقهة  ، ضحك كثيراً ورغم بشرتهِ الحُنطية قد أحمرت وجنتاهُ   ، ثم ناولتهُ سيجارة ودخنها وكأنهُ مدمن عليها   ،  ثم أخذ من يدي الهاتف دون أن يلمسني ،  وبدأ يتفحصهُ وهو يضحك ، قلتُ : هذا الذي أركسني في مطبات التندر، قال : والله خدعني حقاَ .  ثم مشينا كما صرح لي الى " باب المُعظم " كي نكمل الحدوة  ، لكن  ؛ ونحن في مشيتنا هذه توقفت لنا سيارة برازيلية قديمة ، لم نؤشر لها ، تردَدنا في الحال أن نصعد ،  قال سائقها الى اين ، قال : الى الباب المعظم ، جيد وأنا بوجهتي الى مدينة "  الطب " وأنتم على طريقي ، هيأ اصعدوا  ،  وصعدنا تمعن السائق بملامحهِ ، قائلاً لهُ :  هل أنت ابن " حامد السَماك " ؟..، ردَ عليهِ على الفور : لا فرق ؛ انا ابن " عادل البلام " مع ضحكة مُبهرة استجاب لها سائقنا وعلى عادة المصرين ضرب يدهِ ، لكنهُ سحبها فجأة حتى استغرب مندهشاً ، انبهر السائق قائلاً : وكي يداري فزعهُ ، الله يخلق من الشبه أربعين !....

ترجلنا بوجهتنا الى بوابة كلية الآداب وهناك قرأ نصٌ ما ، وخاطبني  : كم وددت ان أًقبل بهذا الحرم الرائع ، لكن المعدل خانني وقبلت في جامعة الموصل ، ثم قفينا ادراجنا الى كراج باب المعظم  ومن ثم الى سوق الخضار مروراً بمشاهد لم نألفها منذ زمن ، كان يحدثني عن جولاتهِ في هذه  الطريق ومشاهداتهِ صعلكة الشاعر " عقيل علي "   ووفاتهِ في عربة مستهلكة بهذا المكان  وقد اتخذها مأوىً له حتى رحيلهِ ، وهو يشير لي ،  وفي ذاك الركن  كانت بسطية الروائي " ضياء الخالدي " لبيع الكتب القديمة  . ونحنُ نسير أخبرتهُ بأننا بعد قليل سنصادف المئات من أصحابنا في كل شارع وفرع وزقاق ومقهى ورصيف ، وها هو أمامنا المتنبي واليوم جمعة ، ما رأيك ؟.. أجابني بلهفة وشوقٍ لهم ، أرني منهم الكثير ولا تبخل عليَ بذكر اسمائهم دون اخفاء أياً منهم، لكن أما قلت لي : حين نشاهد منهم نميل لجهة أُخرى كي لا نحتك بهم !..، خاطبني بروح ملتاعة ، لقد اشتقتُ لهم يا " عدنان " لكني سأوثق ذلك وقد يطول المقال أكثر مما يفضي الى الملل ، قال ضاحكاً ، دعهُ يصبح بطول جسر " المسيب " وبدأ يُدندن : على جسر المسيب سيبوني ". وبعد |أن تنشرهُ ارسل الصحيفة  على عنواني ، قلت : عنوان البيت أم الاتحاد ، ردَ ك أما تدري ؟!.. اكتب محمد السكران ليد مروان . حقيقةً اركسني في مطبات غيبية ليس باستطاعتي الانفكاك منها .

سرنا بجوار معهد الطب الفني ، وأنا في شرود تام .  وحين ولوجنا  مقهى  لم أتوصل الى تسميتهِ ولم أسألهُ ، حالما ولجنا الباب ،  خرج الصعلوك " صباح العزاوي "  يلثم بقايا سيجارتهِ  بشهية عنف هيستيرية متذمراً من المجهول ، لكنهُ وقف وعانقه ، غير انهُ لم يلتفت عليَ، وحتى لم يرد السلام لي ، جلسنا لحظات ورأينا جمهرة من الصحب هناك في ركنٍ قصي ، وقد عرفت منهم : كزار حنتوش وعبد الأمير جرس وخضير ميري وعبد الله البدراني وصباح الحلبوسي وجاسم العايف وحسين عبد اللطيف  ، وقفوا في تحية لهُ وعانقهم واحداً تلو الآخر ، لكني فقط كنت أتفرج عليهم  رغم معرفتي بهم جميعاً ، لكن صافحت في الزاوية المقابلة ماجد موجد وعلي السومري اللذين اتخذوا هذا المكان بعد حوار مطول ومتقطع مع صباح ، وبقربهما فاضل خلف جبر وفلاح الشابندر ونعمة السوداني وحسين الهاشمي وجاسم بديوي ورحيم الخرساني وسعد ياسين يوسف ، عندها عرفت بأنهُ لا يُصافح الأحياء ، وحين استفسرتُ منهُ قال لي : لم ارهم اطلاقاً ؛ حتى أنت لم أرك منذ انطلاقنا حين لمحتك أول مرة عندما ركنتُ دراجتي وجسدي بقي على الحائط ، وحين شممتُ روحك اختفيت أنت حينها ، لكني في حالات استثنائية تعود لي المشاهد التي ابتغيها للحظة ، ثم تختفي عدا الأصوات التي اسمعها وأميزها  بشكل واضح  ،  أما الآن  اسمع صوتك  فقط ؛ سكتُ في الحال كي لا يجرنا الحديث الى جدَل لا انفاك منهُ   .  ثم غادرنا يساراً باتجاه الرصيف الممتد لمسيرنا لقاعة الخُلد ووزارة الدفاع ودار الكتب والوثائق والمكتبة الوطنية  حتى ساحة الميدان المغبرة والتي تعجُ بمختلف انواع الحاجات المستهلكة ، قال لي : هذه بؤرة الفقراء بعد ان كانت مهبط الأغنياء  قلب العاصمة التي تنطلقُ منها الباصات الى آخر دنيا  بغداد ، فيها الكثير من حاجيات الترف والغنى  والمتعة .

جلسنا في مقهى " أم كلثوم "  وكانت أغنية هذه ليلتي وحُلم حياتي تُسمع ، ردَ بهمس الله ، كم هي حلوة الحياة !.. كان زبائنها من المغرمين بها تترنح رؤوسهم مع كل مقطع ويتعالى الصياح بنهايتهِ  ، لكن رأيتُ أدباء يقتعدون في ركن قصي عرفت منهم : جاسم عاصي وحامد فاضل وعبد المنعم الأمير ونعيم عبد مهلهل وعبد الرضا السوداني وامير ناصر وجمال المظفر وجابر محمد جابر وكفاح وتوت وسعدي النعيمي وسعد العطية ، لكنهُ لم يكترث بهم ، مما زاد اغترابي اكثر ، بعدما ارتشفنا الشاي نهضنا نكمل مشاويرنا الطويلة ، قلتُ لهُ : تعال نعرج لفندق " دنيا " هو الذي كان مهبط أحلامي أيام قبولي في كلية الآداب ، قال : لك ما تريد  وأخذ يردد " آهِ  يا دنيا ويا رغباتي – لم تسعدِ يوماً  ولو لحظاتِ ؛  وإندسينا في الفرع المقابل لمقهى " الزهاوي " الذي هو الآخر كان يعجُ بالعديد من الأدباء أذكر منهم علي سعدون  وجمال جاسم امين ورعد زامل وحيدر الحجاج ورمزي هرمز وكريم إينا وعمر عناز وابراهيم خضر وعبدالله نوري الياس وأوس الإفتيحات ، وكرم الأعرجي وبهنام عطا الله وجميل الجميل ،  وجلسنا  لمْ يعر لهم أهمية  تذكر، عرفت في الحال بأنه لا يلامس الأحياء بل الأموات ؛ حصراً  ،  ثم  قُمنا وهبطنا إليه ،  كان الفندق في حالة ترميم وقدْ  سدَت  الأنقاض  مدخلهِ ، قال :  هذا فندقك الذي تهذي بهِ؟..، قلتُ نعم ، فصاح : الدنيا ربيع والجو بديع " حتى سمعهُ من كان في المقهى الذي يقع قبالتهِ والذي لم تتغير وكأني تركته على حاله منذ أربعين سنة ،  كانوا جلسائهِ من عشاق أغاني المطربة " وردة الجزائرية  " الممنوعة آنذاك وكنا نسمعها خلسة وكأنهُ همس برنين  مخنوق يتهادى من بعيد ...ثم  رجعنا وهبطنا ثانية بامتداد الشارع الى المتنبي ، وقد مرَ على خطاط هُناك في الجهة المقابلة وأوصاهُ ان يخط على فايل ابيض  مربع الشكل  بعض التعليمات التي تخص العموم ،  وكانت كالآتي : تحذير : يرجى عدم اللمس والمصافحة والتقبيل تزامناً مع السيد كوفيد 19 ، اعذروني هذا مما أريدهُ منكم احبتي ، وحين اكملها جعل بها  ثقبين تفصلهما مسافة 10 سم  ووضع بهما خيطاً أخضر وعلقها برقبتهِ فتدلت على صدرهِ وهو ضاحكاً  ، مما جلب الانتباه اكثر ، لكني وقفت حالاً وصحتُ به ، بعملك هذا تثير الشكوك مضاعفة ، ردَ عليَ : ما عليك سأخلص من الإحراج يا عزيزي ، قال : دعني اكمل المشوار معك ؛  وإلا سأنصرف الى عالمي وأدعوا من يكمل معي الجولة  ، تركتهُ بما يفعل ومضينا والعيون تترقبهُ في كل خطوةٍ يخطوها حتى قابلونا باستغراب أصحاب الرؤوس البيض شوقي عبد الأمير وصلاح حسن ونجاح العرسان وفارس حرَام  وحميد حسن جعفر ولحقهم حسن البحار ، التفت عليهم قائلاً :  وكأنهم خرجوا بقرعة  " الدادائية "  هؤلاء يعجبونني لأنهم يتمسكون بالحقيقة غير المواربة ، لم أفهم ما يعني ، وسرنا وسط حيرة من يلاقينا حتى وصلنا بالكاد محل شربت  الحاج " زبالة " كُنا نتلمظ على الرائحة ونتطعم بالعطر على إيقاع الموروث القديم ، وقفنا وجرعنا من ذلك الزبيب السائل الذي يغذي البدن بفقاعاتهِ التي تنفجر في الحال ،  ثم واصلنا مسيرنا وكان  يتقدمني عدة خطواتٍ وبدأ يعدُ أعمدة الشارع ضاحكاً ، قال لي : هكذا كان يفعل " حسين مردان " من أعين الشرطة السرية حين يحسُ  بالخطر يبدأ يعدُ الدعامات ويختبأ خلفهم ، وحين مللنا التجوال وأتعبنا المسير الطويل دخلنا مقهى " حسن عجمي "وارتمينا على المقاعد بروح منهكة وممازحة ، رأينا رهطاً من الأدباء عرفونا وعرفتهم في الحال منهم كاظم غيلان ونصيف الناصري وعلي حسين عبيد وحسن النواب وحسين علي يونس وناصر قوطي وهلال كوتا وخالد البابلي  وآخرون لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم  ، بل عبر سماع صوتهم   بدأ يلاطفهم  عن بعد بتقليد تحايا المطرب السوداني " سيد خليفة " إزيكم اشلونكم صارلي زمان ماشفتكم " لكنهم استغربوا ظهورهِ ثانيةً على مسرح الحياة ، أحدهم أشار لي ما هذه المفاجئة الغريبة ، وماذا حصل في هذه الحياة !...، أفهمتهُ بما حصل رجع يداري اندهاشه العجيب ويعلم البقية بالخبر ، انتهزنا انشغالهم بالحديث  الذي دار بينهم ، وقمنا على عجلٍ  بعد ان اعلمونا بدفع الحساب ، كانوا مرتجفين جداً من المشهد المثير حتى راحوا يطلون علينا من باب المقهى بذهول  .

الشيء الغريب الذي يجلب الانتباه بأن  قدميهِ لا تلامس الأرض ؛ بل  تتدلى فوقها بـ أربعة اصابع أو اكثر ، يغيب عني لحظات ثم يظهر فجأة ببدلة مغايرة ، اعتدتُ على هذا المشهد من ساحة " الوثبة "  حينما غاب وتركني ، عاد بعدها بلباس مكتمل من الأصفر القاتم ، وبتجوالنا كانت قطعة مقهى " البرلمان "  التي عُلقت بذاكرتي لم يعُد لهُ اثرا ، لكن دالتهِ تتراءى من بعيد ولجناهُ بصعوبة بالغة من كثافة الرواد واحاديثهم المتشابكة حدَ العِراك شخصت جان دمو يتوسطهم ومعهُ هادي السيد وجبار الغزي وحسين مردان وعبد الأمير الحُصيري وعبد الحسن شذر وآخرين لم اعرفهم ، وكالعادة حيَاهم وبكل حرارة .  وحين وصلنا مطعم " العبارة " كان الآذان يعلو من مأذنة جامع " الحيدر خانة " إيذاناً لصلاة الجُمعة ، وهناك في الجهة الأخرى تعالى ضجيج شارع المتنبي من اصوات مروجي باعة الكتب التي تتعالى اصواتهم بين أعمدة الشارع والزقاق وسجالات الرواد فتشابكت الأصوات معاً ، قال لي : هذا تشكيل بانورامي للحياة والموت ، هذا يوم الحشر الأول ، كل بغداد هُنا ، هززتُ رأسي موافقاً رأيهِ . بعدها أفصح عن الاشتهاء لوجبة الغداء بهذا المطعم الذي  كان يعجُ حينها بالزبائن وجلهم من الأدباء الذين عرفتهم منهم قيس كاظم الجنابي وجابر خليفة جابر ، وشلال عنوز وطلال الغوار وهشام العيسى ووعد الله ايليا ونامق عبد ذيب وعمران العميري  وشفيع مرتضى ،  تناولنا وجبتنا على عجالة كي لا يحتكوا به رغم إنهم عرفوهُ في الحال وأخذ الواحد يندس ويخبر صاحبهِ فالجميع رموا  الملاعق من أيديهم وعلقت انظارهم بهِ لكنهُ اصر على الخروج حالاً رغم المناداة باسمه .

خرجنا بعد أن دفعنا الحساب خلسة وحشرنا أنفسنا في مدخل شارع المتنبي الضاج بالزحام ، وحالما دلفناهُ ، سألني ما هذا التجمهر الكثيف لهذه الساعة؟!...، قلتُ : اليوم جمعة ، كذلك هناك اصبوحة للسرد بمناسبة اليوم  الثاني لانتخابات اتحاد الأدباء ، ردَ بعجبِ : الانتخاب لها يوم مقرر واحد ، فما هذا التمديد الذي لم نألفهُ من قبل ؟..  كان ردًي عليهِ بجواب أقنعهُ ،  لأن البارحة لم نتوصل لكامل نصاب الاقتراع وتأجل الى اليوم التالي . سكت برهةً ، ثم وقف يتأمل المشهد بكل هدوء ثم نظر اليً  ، وهمس بي وأسر لي قولاً أحزنني بقولهِ :  أتمنى أن ألتقط هذا الحشد بطرفة من عيني ثم  أخزنها واغمض العين عليها  ؛ وامضي ، كان يلح عليَ في كل الخطوات من أن أمُررهُ على عددٍ أكبر من الأصدقاء ، أوعدتهُ بذلك وها تراني أسجل من أراهُ ، لذا كان هذا الحشد الطويل من اسماء الأدباء في كل مكان ندخل بهِ أو نمر به . وقف فجأة ؛  ثم قال لي :  اذهب معهم كي تنتخب ، فأنت في تعدادهم  الآن وصوتك  قد يشكل رقماً في فوز احدهم ؛ أما صوتي لا يُسمع وأنا  حالياً خارج سجل الناخبين ، دعني اغادر الآن وسأعود اليك مُباشرةً بعد التصويت ، أجبتهُ لا سأرافقك حتى باب منزلك ، ثم اعود لأنتخب ، ردً بأسى : اين منزلٍ تقصدهُ !.، لم أجبهُ خشيةً من نفورهِ وقد لن يكمل الرحلة .  رحتُ أبصره كلما تتجه أنظارهِ ، لمحتُ جمهرة من الشواعر يقلبن بالكتب المعروضة وأخريات يدلفن في المكتبات ، وبعضهن منهمكات في ترتيب هندامهن قبل التصوير المباشر على طول الوقت ، شاهدتً رجاء الربيعي تتمعن بمنظرهِ الذي تُطوق رقبتهِ  لوحة التحذير غير مصدقة بما رأت ، وأخبرت حالاً  " سمرقند الجابري "  التي كانت واقفة بجوارها بذلك والتي كانت حينها دامعة العينين لبقايا الحزن التي واكبتهُ ، أقبلن علينا أسراباً عرفت منهن نضال القاضي وحياة الشمري وعالية طالب و فرح دوسكي ورسمية محيبس وآمنة محمود ومنور ملا حسون وشذى عسكر نجف وزينب صافي ووحيدة حسين وإبتهال إبليبل وآمنة عبد العزيز وعلياء المالكي وغرام الربيعي وإيناس البدران وبقية أعضاء منتدى نازك الملائكة ، وبعدها أقبلت " رغد السهيل "  وبيدها  نسخة من كتابها الأخير " بانت سعاد " وانضمت لهن مُنبهرة بما رأت  .

أخذتنا متعة التجوال ومضينا نجوب بطون الكتب ، وحين مررنا بمقهى " الشابندر" لم نحصل على مكانِ ما ، بل كان يغصً بالرواد ورائحة  الدخان وغيومهِ والمساجلات  التنظيرية الساخنة  بينهم والضجيج يؤخذ بالأسماع  ويصعد الى السقف بالتتابع من هذا المحفل الوحيد في المشهد الأدبي السائد في البلد  ، حتى اضطررنا أن نرتشف الشاي وقوفاً اسوة بآخرين مثلنا ، كان " نعيم الشطري " في عرس بهيج في هذه البساتين العامرة بالكتب والقراء .

بعدها رأينا ثلة من الأدباء يدخلون قاعة ما لحضور أصبوحة تُعنى بالسرد يديرها فاضل ثامر عنوانها " رهانات شعراء الحداثة " وفي مكان آخر هناك جلسة أخرى يديرها سمير الخليل بعنوان " علاقات الحضور والغياب " أما القاعة الكبرى التي تحشد بها الكثيرين كان يديرها ناجح المعموري في ندوة " صباح الحُلم " من كتاب الملاذ الثقافي والذي تناول المقدمة بالتفصيل . في تلك الأثناء مرَ من امامي " عبد الأمير خليل مراد "  دون معرفة سابقة بهِ ، لكني ميزتهُ شخصياً من خلال صورتهِ في صفحة التواصل ، الا إني غافلتهُ ومسكتُ يدهِ وتصافحنا وكان يتأبط مجموعتهِ " مكابدات الحافي " بعدها ودعني وغاص في جحفل هذا الحشد .  وحين هممنا المغادرة صاح بي من وسط هذا الحشد شخص منادياً لي :  أبا اندلس : نحنُ هُنا ، اين كنت وإذا بهِ " قرة وهاب "  يخبرني بأن " فاروق مصطفى " يسأل عنك منذ ساعات ، اشر لي من بعيد وكان بيده  " قُرص " كتابهِ عن معشوقتهِ الأثيرية " حياة وتحولات حكاياتها المُتعاقبة " والذي يود طبعهُ في إحدى المطابع المرصوفة على جانبي هذا الشارع الحضاري ، حين وصلتهُ تجاهلني بعتبٍ مُبان ، وأخذ يبحث بين أكوام الكتب المُبعثرة عن مقال كتبهُ في مستهل ستينات القرن المنصرم عن " فؤاد التكرلي وقصة القنديل المنطفئ "  والذي ارسلهُ الى جريدة الأخبار البغدادية التي كان يعملُ فيها زهير أحمد القيسي ، وبعد النشر أُعجب واشاد بالمقالة كثيراً في عدد لاحق من الجريدة ، وكذلك الروائي فهد عنتر الدوخي  الذي بحث ووجد ضالتهِ  في اكوامٍ مكدسة  من الدوريات ، حتى عثر على  مجلة " الطليعة " التي نشر بها قصتهِ في مطلع الثمانينات مع قصاصين كبار ، وقد خلتهُ قد فرح كثيراً حتى تغير لونهُ وهو يرتعش ابتهاجاً . وموشي  يحمل نسخ من كتابهِ الذي صدر مؤخراً  " نواميس " وقد وزعها كلها . في تلك الثناء والزحام على اشدهُ مرق من أمامنا " يوسف الزبيدي "  وهو يقتنص بعض اللقطات لأدباء سرقوا غفلة من الزمن فحصلوا على حريتهم المفقودة ، فاختبأ كي يرصدهم ، قال : الله ، كم اشتقتُ لهذا المصور المجهول في عُرف  الإنسانية يمتلك عدة عيون وتراهُ في تواصل مستمر مع الجميع !... بودي أن يقترب مني أكثر أو يعلم بوجودي هُنا ، دعهُ يمضي بمهمتهِ . لكن مالي لم ارَ " عمر السراي " صديقي وتوأم القلب الذي أفجعني بنحيبهِ المُرْ في يوم عُرسي ؟..، قلت : ذاك ، ردَ مقطعاً من  نصٍ لمحمود درويش : لستُ أَعمى لأُبْصِرَ ما تبصرونْ  ..لا أراهُ . هو يقلب برزمة أوراق  بيدهِ  وها هو يرددَ الآن مستهلاً من شعرك  " قُم يا صديقي فقد أطلتَ منامك .... طلعَ الفجرُ وانتظرنا قيامك " دون ان يعلم بأنك ضمن هذا الجمهور الغفير ، قلتُ : هل اناديهِ لك؟..، ردَ أحب ان اراهُ مصادفة وبعفوية الرؤيا ربما في جمعة اُخرى في سوق الغزل ،  ربما ؛ إذن هيا نمضي  ، لكنهُ عدل عن قرارهِ قائلا:  لو كان معي ناظوراً لرايتهُ عن قُرب ، تلفتُ فإذا بقربنا بسطية من الأدوات  ومن الصدف كان معروضاً أمامنا ، واشتريته كي أُحقق أمنيتهِ ، شكرني بحماس قائلاً : فقط أُريدك أن  تقف امامي لحظة ،  وسأنظر إليهِ من وراء كتفك كي لا يراني ويتجدد الحزن ، كان ينظر ويشاهد ويتأوه وينتحب حتى  أحسستُ بأن أنفاسه تلهب رقبتي ، وارجلهِ التي لا تلامس الأرض بدأت  ترفس عضلة ساقي  من الخلف .. وأخذ يتأوه .. الله يا ابا معتز ما هذا الشيب الذي خطَ لحيتك بشكل عمودين من البياض المُحترق  !..ثم ناولني الناظور ومشى دامع العينين من دون اية التفاتة أخرى،  توقف فجأة وأراني مكان مصرع " يوسف الحيدري " بنوبة قلبية في هذه البقعة ، وفعلاً كنا نسير بصعوبة وسط هذا التجمهر الذي اربك خطواتنا بالمرة ، كنتُ اتقدمهُ واذود عنهُ من التصادم مع الأصدقاء ، رأيتُ علامات الإعجاب والنشوة تزين ملامحهِ لكن الحُزن طوق كل أعضائهِ.. ومن خلال المسير شاهدنا الكثير ممن نعرفهم لحظتها كانوا في وقفة أمام الكتب المعروضة آوات حسن وعبد السلام المحمدي ونجيب الحديثي وسداد هاشم وطلال سليم وسمير الهواري ورجب الشيخ وعلي لفته سعيد وعقيل مهدي وعادل فارس وعمار أحمد وأحمد الظفيري وحسن الظفيري وجمال نوري وغنام خضر ونضال العياش ومشعل البياتي ورمزي جاووش ومحمد خضر الذي راح يرزم كتباً قد ابتاعها من الرصيف في عُلب كارتونية كي يشحنها الى مكتبتهِ في كركوك ، قال : الذين مروا من أمامنا أعرفهم جميعاً .

وفي إنتقالة اخرى في هذا المكان كنا بتشخيص البعض الآخر منهم محمد رشيد السعيدي و صالح مطروح وابراهيم سكران وعلي فرحان وعلي متعب ومثنى كاظم صادق وأمير الحلاج وثابت حسن حمد  ويوسف الهيازعي وفائز الحداد وأنمار الجراج وعبد المطلب طه وناجي ابراهيم وعلي العودة وعماد العبدلي ومحمود فرحان حمادي وعبد المنعم الملطاشي وطه الزرباطي ومهدي القريشي وباسم القطراني وفاضل الغزي  ورافد عزيز القريشي  وعبد الأمير المجر الذي  لمحتهُ يتأبط كتاب " الحياة " ، برفقة مرشد  كاظم السلوم هو الآخر يحمل كتابهِ " واقع السينما " .وحين مرق  من أمامنا " ابراهيم الخياط " هلهلت اسرارهِ بالتوهج حتى هتف : يا رئيس " جمهورية البرتقال " أنا هُنا ، توقف  أبا حيدر " مندهشاً ، ذهب اليهِ وتعانقا حدَ الشهقات الملتهبة  .  ثم مرت من امامنا جوقة مستعجلة لألتقاط صورة تذكارية أمام نصب المتنبي وقد اخذ يعدهم بالأسماء من اصواتهم خلال الأحاديث بينهم هادي الناصر وسامي الجبوري ونوفل الناصر وهشام القيسي وصفاء ذياب ومتين عبدالله ويوسف شواني وهيثم جبار ومؤيد نجرس وهزبر الزبيدي  ، وحين تقدمنا خطواتٍ أُخر تراءى لنا سربٌ من الأصدقاء فراس طه الصكر وصادق الصكر وجاسم الخالدي وحبيب السامر وسلمان كاصد وكريم جخيور وعلي نوير وسراج محمد وطالب عبد العزيز واجود مجبل وعلي المليفي وأحمد الشطري وامجد نجم الزيدي وخضر خميس ومحمد مصطفى جمال الدين ووجدان عبد العزيز وعدي العبادي و .... ، وهناك وقف البعض  يتوسطهما كاظم الحجاج ومحمد خضير مما حدا بـ محمد صالح عبد الرضا أن يتوقف جانباً ..إلا أن " قاسم والي "  أخذ بيدهِ وسارا معاً لإكمال جولتهما . وحين تجاوزنا تلك الضائقة على اشدها في هذا الشارع الذي لا يتعدا طوله على 700م ، وعرضه على 10 م  والذي يُعد ازحم كثافة سكانية في العاصمة من ضحى  يوم الجمعة . عبرناهُ بصعوبة وحال نيتنا بالمغادرة لحقنا الصديق " رباح نوري " كمتطوع لمرافقتنا بنزهة التجوال وكان ينظر اليهِ  بريبة ووجل بائنين ، غير إنهُ ظل صامتاً لفترة حتى إعتاد على صوتهِ . كان في الجهة المقابلة لنا فندق " عدنان الحديث " بإدارة " عبد الكريم خليفة "  الذي انتصب بالباب وهو يستقبل صعاليك الشعراء الذي ليس لهم مأوى كونهم قدْ شُطبوا من سجل الانتخابات ، وحين ارتقوا باحة الفندق وعددهم 10 يقودهم عبد اللطيف الراشد وكلهم يحمل بطانيتهِ وربعيتهِ ، غاب مشهدهم عنا . وحالما ودعنا المتنبي قلت لـهُ : أود أن نعرج الى شارع الأمين ثانيةً كي التقط ذكرياتي وألملم بقايا الاتكاء من مقاعد مقهى " جميلة " سرنا سوية لكنهُ التفت الى تمثال الرصافي فقال : ظهرك للغنى ووجهك للفقر، لم أعقبُ  مما قال ، بل اكتفيتُ بضحكة وشاطرني  " رباح "  الذي اقترح علينا زيارة " المتحف البغدادي "  فكان لهُ ما أراد ،  وزرنا المتحف وطفنا بها سريعا كان عبق الماضي يعطُ من اركانهِ ، قلنا لو ندري ما ولجناه لما رأينا من  الإهمال والتهشم الذي طال بعض المعروضات ،وقد تآكلت ـ  أما هو فقد ضاحكنا الأثنين من قشفاتهِ الجاهزة بأننا نبحث عن اسلاب كانت مزهرة في ماضيها العريق ، واليوم تنكسف من أنظارنا  ، وحالما سرنا نبحث عن المقهى ، وحين وصلنا المكان المعني لم نعثر عليهِ  ، وحين سؤالنا عنه قال صاحب الدكان المجاور : عمي المقهى تحول لعدة مرات من مخزن خرداوات  وصالون حلاقة وأدوات كهربائية و.و.و.و وأخذ يعدد حالات التغيير التي اطالتهُ ، لم يقل لي شيئاً سوى أخذ يصفق ويغني " جميلة جميلة وردة  في البستان " ضحكنا نحنُ الثلاث وقفينا على آثارنا الى بدء انطلاقنا  ، توقفنا لحظة كي نتفق بالمسار الذي نسلكهُ ، فثبتت النية أن نسلك شارع الرشيد الممتد حتى سوق الصفافير، تحركنا من تلك المثابة وهو يتكلم عن مسارات الشارع مروراً بمداخل الشورجة والسوق العربي ، لكن حين وصلنا سوق الصفافير التمسنا أن ننعطف في فرع يفضي الى شارع النهر لأن ضجيج المطرقات قد تخدش دماغهِ الذي داهمهُ صداعٌ عجيب منذ ايام ، وفي شارع النهر اخذ يستنشق العطور الهاربة من أبواب المحلات وتختلط بنسائم  دجلة فتشكل رائحة مميزة تنعش الوجدان ، وحين مرقت من أمامنا شابة حسناء رائعة تهامسنا في إطراء جمالها لكنهُ ردَ : لدي الآن أجمل منها بكثير تركتها هُناك خارج الأفق وهي تنتظرني الآن ؛ لذا علينا أن نسرع ونكمل المشوار كي أعود اليها  ، فكيف أتمعن بغيرها، صدقاً طيلة التجوال لم تتلصص عيناهُ بامرأة إطلاقاً ، هذا السر الذي لم أتوصل الى شفرتهِ !..   ثم مضينا حتى عمارة " الدفتردار " وعند وصولنا لها وكعادتهِ أخذ يردد : يا دفتردار طلع سجلك يا مختار ..ليس لي ديون سوى عشر ضحكات لم أُسددها منذ 10 أيام . وبعدها انعطفنا ثانية لشارع الرشيد وسرنا الى  " رأس القرية " وحين رأى تمثال الزعيم " قاسم " حياهُ بكل حرارة حتى خاطبهُ على مسمع من كان هُناك ، وكما قيل : " أنت أنزه من حكم العراق " لم تترك سوى 16 ديناراً و165 فلساً وعمارة بثلاث طوابق ، عفواُ يعني " سفرطاس "  نطقها بضحكة تلاشت في الأفق ، ما أن علا صوته حتى  هدرت الأصوات من التصفيق ممن كان هُناك من اصحاب المحال والزبائن  ، لستُ ادري من اين انطلق ذلك الهدير الأيدي الذي أضاء المكان بصراحة لمسناها من الوجوه التي كانت تُراقب المشهد .ومررنا بعدها  بالمربعة والمقهى البرازيلية الذي حدثنا عنها قبل قليل بأن ندخلها  حالاً ، وقد ولجناها بحذر كونهم من الكبار حسب ما اسمع عنهم  جماعة كركوك سركون بولص  وأنور الغساني ومؤيد الراوي وجليل القيسي والأب يوسف سعيد ومؤيد الراوي  ويوسف الحيدري ، وقبالتهم  صلاح فائق وفاضل العزاوي وفاروق مصطفى ....كذلك على عادتهِ يغيب عن جلستهم جان دمو الذي وجد ضالتهِ بهذا اليوم من التسكع والصعلكة  ، وكذلك لمحنا بلند الحيدري وغائب طعمة فرمان وحسب الشيخ جعفر ، كان المكان يعجُ برائحة القهوة والحديث المرن ، صافح البعض وتخطى آخرين ، قُمنا نواصل مسيرنا المعهود وصلنا  ميدان حافظ القاضي وأورزدي باك الذي اكتظ بالمتبضعين من كلا الجنسين بظاهرة لم نعهدها منذ عقود ، وقد أعادتنا الى أيام الرخاء والخير . وقد رأينا الشواعر انتصار علي وهنادي جميل وأطياف سنيدح وسعدية السماوي وجنان المظفر وايمان الفحام وشرارا زرا وفالنتينا يوارش وأنعام كه جه جي ودنيا ميخائيل ونجاة عبد الله  ، وفي كل مرةٍ يسألني : هل قرأت " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري : أقول لهُ : نعم : يردُ عليَ : جميل سنعيدها بهذه الجولة وبكل دقائقها  وصولاتها ومشاهداتها وحتى قائمة الأسماء الطويلة التي ذكرتها سأنقلها الى عالمي البعيد نظرنا اليهِ وقد حلق عالياً ببصرهِ  ، هُنا انبهر " رباح " وراح يرتجف ذعراً لحديثهِ غير المنطقي ، يبدو بأنهُ لا يعلم بما جرى والغاية من الجولة الافتراضية هذه .ومضى يُحدثنا عن سينمات الرشيد الزوراء والوطني وروكس وروكسي وعلاء الدين ، وكم شاهد افلاماً بهم ، قادتنا خُطانا الى أن وصلنا تجهيزات الجقماقجي وأخذ يدندن عدة غاني قديمة ونحن نصغي إليهِ , كانت سينما " الخيام " قريبة منا على بعد خطوات ، ثم انعطفنا يساراً وقدْ غاب عنا لحظات ثم جاءنا يتبختر بهندام من السواد الكامل أفصح عن حُزنهِ للمكان التي روت الدماء رونقه بأبهة تليق بالأرواح التي ما برحت تحوم في مصارعها  ،  كانت بوجهنا ينتصب " المطعم التركي "  وكما أسموهُ أيام الاحتجاجات  بـ جبل " أُحد "  حيث اعتصم به الآلاف أيام انتفاضة تشرين وكان هو أحدهم ، وقف متأملاً المكان المزدحم آنذاك ، والآن خالياً سوى الباعة المتجولين وبعضاً من سواق " التُك تك "  والمارين من هناك حتى لمحتُ " يحيى السماوي "  يناول مجموعتهِ الشعرية " التك تك " لأحد سائقي عربة مركونة على الرصيف ، ما أن تناولها ، انطلق فيها وبأقصى سرعتها حتى كادت أن تدهسنا  . تفقد مكانه وخيمة الاعتصام حين كان يتغنى بـ أنشودة "  كل الشعب وياي "  ومطلعها :  " نازل آخذ حقي وأي فاسد ما بقي .. شايل رعدي وبرقي وكل الشعب وياي " حتى تجمهر المنتفضون من حولهِ وهو يصدح بنشوة وانفعال مُحبب مع الأنشودة ، واصلنا السير وعند قبالة مدرسة " الراهبات " استرحنا هُنيئة نسحب بقايا ارواحنا المنهوكة . بعدها واصلنا المسير باتجاه " الباب الشرقي  " ، وتحت نصب الحُرية كانت لنا اكثر من وقفة وحديث ومحاورة ارغمتنا على الوقوف لبعض الوقت الذي كنا نحتاجه للراحة  ، ومن خلال تبادل الآراء بـ " بانوراما "  النصب  الذي يمثل  حياة وثورة بحد ذاتها؛ وكأني تخيلت تُغير ألوانها في كل لحظة ، وتراءت لي القطع بأنها تتحرك  ببطء مع تأشيرتهِ لها  مع الشرح الذي يسمعنا ، التقطنا صورة هناك ، ومضينا  .  

وفي اثناء الحديث مرتْ ثُلة من جماعتنا الذين عرفناهم في الحال منهم وليد الصراف ورعد فاضل ونوزت شمدين وزيد الشهيد وعباس خلف وسلام بناي ومازن المعموري وركن الدين يونس ومحمد الفرطوسي ، كانوا مهمتهم البحث عن مصادر في مكتبات الباب الشرقي ةقد توزعوا على مكتبة النهضة والمثنى وقاسم محمد الرجب وغيرها ، وقد اشاروا لنا بالتحية من بعيد ومضوا في طريقهم ، توقفنا قليلاً ثم سرنا نتفحص في طول الشارع وعرضه والمتغيرات التي لحقت بهِ مما أدى الى هذا الإهمال ، كُنا نتمعن بدور السينمات التي كانت مزدهرة في سابق الأحيان، كالحمراء وميامي وشهرزاد واطلس وغرناطة  والنجوم وبابل وكثيراً من المعالم التي اختفت أو أهملت ، وحين طال بنا السير ابدى " رباح " رغبتهِ بالجلوس في احد المقاهي التي تحتجز الرصيف بمقاعدها قبالة ساحة النصر ، ولجنا فيها وقد تلاقت عيوننا بأصحاب غابوا عنا منذ فترة ، جلسنا في ركن شاغر ، لكنهُ بدأ يصافحهم  واحداً واحد حدَ العناق والشم ، عرفتُ منهم أحمد آدم وعبد الجبار بجاي وخالد إيما وعزيز عبد الصاحب ومحمد الحمراني ورشدي العامل وأحمد عبد الصاحب ورزاق ابراهيم الحسن وصباح نوري المرزوق وآخرين لم أعد أتذكرهم . ثم نهضنا نكمل مسيرتنا الراجلة وقد مررنا بفندق بغداد الذي هو الآن مهبط ضيوف الانتخابات وكان كثراً منهم يتجولون في الميادين القريبة منهُ ، لكن حين وددنا الدخول اليهِ امتعض وتنحى جانباً  ، لذا تأكدنا بعدم رغبتهِ بذلك ، لكن الحاحنا أجبرتهُ ، وعند الولوج طلب الحُراس هوياتنا لحاجة أمنية بائنة ، أبرزنا لهم ، وهُنا يكمن السر المُحير حين مسك الحارس هويتهِ كانت الكتابة تتلاشى والهوية تنقلب مما اضطر الى يرميها ويمنعهُ من الدخول ، قال : كنتُ متأكداً من ذلك ، وعند رغبتهِ مضينا بمشوارنا غير إنهُ غاب عنا لفترة ما ، توقفنا ننتظرهُ حتى أتى عجلاً يحملُ كيساً ملفوفاً لم نحزر ما كان يخبئهُ ، لم نتوصل لكشفهِ  أو نسألهُ ماذا بيدك ؟.. . همس بي " رباح " ما قصة مروان هذهِ ؟!..، لقد غاب عننا منذ أكثر من اسبوعين وعاد الينا في غير عاداتهِ ، قلت : ماذا تقصد وترى : ردَ بأنهُ لم يلامسني ونظراتهُ غريبة ويتحرك بسرعة غير معهودة من حيثُ التأمل والغفلة والإنصات  والتحديق بالأفق ، قلتُ لهُ : فترة الشباب تتطلب هذه الحركات والنشاط النظرة الثاقبة ، ونحن نتحدث حتى صاح بنا لِمَ وقفتما ، كانت المسافة بيننا على ما يبدو غير قصيرة حتى بالكاد كُنا سمعنا صوته من بعيد واهتدينا بالإشارات التي لوح لنا بها ، وعند وصولنا قال لنا ضاحكاً : أها لقد بدأت الكهولة تأخذ دورها وتفضي الى  الشيخوخة ، قُلنا نعم ، هذه سُنة الحياة ، فعليك الرضوخ من أن نقتعد في مقهى " المُعقدين " فوافق في رحابة صدر مترع بالمحبة حدَ الافراط ، وجلسنا كعادتنا وقد اقتعد فيها فاضل العزاوي وفوزي كريم وسامي مهدي وخالد علي مصطفى في مناقشات حادَة في اللمسات الأخيرة لتوقيع بيانهم الشعري ، غير أن حالة التحفظ الذي طرأت على عضو منهم تآخر لبعض الوقت ، لذا نراهُ  قد ابتعد عنهم لكنهم  أقنعوهُ على ما يبدو ، ومسك القلم وأمضى بحبر اخضر ، وبجوارهم موسى كريدي و وبدر شاكر وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغازي العبادي وعبد الرحمن طهمازي . كان يتمعن في البنايات العالية فقط ، ومن البعد لاح لنا " أحمد سعداوي " منهمكاً بالبحث عن قطع غيار مُبعثرة في المكان ، كان يود ترميمها واعادتها  للحياة كـسيارة لبطلهِ " فرانكشتاين " كي يدور في " البتاوين " كما يُطيب لهُ . ومازال يتمعن معزولاً عنا ، أحسستُ بذلك حين مررنا من بناية مصرف الرافدين و بدالة السنك والمطعم التركي وغيرها ، ولا يود الأماكن المنخفضة أو الدروب الضيقة بل المفتوحة ، حتى كان يُحدق من بعيد على برج بغداد كلما ممرنا من فسحة  يطلُ منها .

كانت مسيرتنا متعبة لذا نضطر بين فترة وأخرى نجلس في المقاهي او نتوقف لحظة كي نأخذ نفساً للمسير بعكسنا ، كان يتقافز أمامنا كالغزال وبنشاط غير معهود . ومن هُنا وهُناك نسمع مناداة لأصحاب يمرون من الرصيف المقابل في تلويحة سلام وتحية يقابلهم برفع قُبعتهِ