تشابه عناوين المؤلفات وتطابقها - فلاح العيساوي

فلاح العيساوي
  • 16-03-2021, 20:08
  • مقالات
  • 423 مشاهدة

في البدء نحتاج إلى مفاتيح نلج من خلالها إلى أبواب موضوعنا الذي سنخوض فيه، وأول الدخول إليه أطرح السؤال التالي: ما هو التناص والتشابه والاقتباس والمطابقة الحرفية؟

أولا: تَنَاصَى (معجم الوسيط):) تَنَاصَى القومُ: أَخذَ بعضُهم بنواصي بعضٍ في الخصومة. تَنَاصَى  الأشياءُ: اتَّصَلت. يقال: هَبَّتِ الرِّيحُ فتناصَتِ الأغصان. وفي معجم الغني: معنى التناص في الأدب: التَّنَاصُّ في الأَدَبِ: مُصْطَلَحٌ نَقْدِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ وُجُودُ تَشَابُهٍ بَيْنَ نَصٍّ وَآخَرَ أَوْ بَيْنَ عِدَّةِ نُصُوصٍ.

وجاء في موقع البيان كلام للناقد يوسف نوفل: (هناك فرق بين إنسان استولى على نص بأكمله ووظفه توظيفاً كاملاً بحذافيره، فهذا يعتبر أخذاً أو انتحالاً أو سرقةً. ويبين في الصدد، أن التناص هو فعلياً غير النقل أو السطو أو السرقة، ففي التناص يمكن أن يتفق النص السابق في جملة اسم شخص أو حدث ما أو اسم موقعة أو شطر. كما يلفت إلى أن التناص يأتي من فعل «تناص» والذي يدل على المفاعلة، أي تحادثا أو تبادلا الحديث علانية، أي انه ثمة تفاعل معنوي بين النص السابق واللاحق. وعلى صعيد آخر، يؤكد نوفل أن ما قيل بحق وعن أدباء عديدين في هذا القبيل، مثل طه حسين ومحمد مندور، يعد محض اتهامات، إذ إن ما فعله الأديبان من وجهة نظره لا يعد سرقة، فالموضوعات التي كتبوها تدخل في باب الاستيحاء أو التأثر، وليست سرقة).

أما التشابه فله عدة معاني في قواميس اللغة منها: بَيْنَهُمَا تَشَابُهٌ: شَبَهٌ، تَمَاثُلٌ. تَشَابَهَ الوَلَدَانِ: يُشْبِهُ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ. تَشَابَهَ الأَمْرُ عَلَيْهِ: اِخْتَلَطَ عَلَيْهِ لانْعِدَامِ التَّمَايُزِ البقرة آية 70 إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا (قرآن). تشابهتِ الأمورُ: اختلطت، التبست فلم تتميّز ولم تظهر. قانون التَّشابه: أحد قوانين تداعي المعاني، ويتلخّصُ في أنّ الصّور الذِّهنيّة المتشابهة مترابطة، ويستحضر بعضُها بعضًا في الذِّهن.

أما ما جاء في معنى الاقتباس: اقتبس منه النار: أخذها منه. اقتبس منه العلم: أخذه واستفاد منه. اقتبس العلم: استفاد منه. اقتبس الأديب: ضّمن كلامه آية من القرآن الكريم أو من الكتب الدينية الأخرى، أو عبارة من الحديث، أو قاعدة من بعض العلوم. اِقْتِبَاسُ أفْكَارٍ مِنْ كِتَابِ كَذَا: أخْذُها وَتحْوِيرُهَا، أيْ نَقْلُها نَقْلاً غَيْرَ حَرْفِيٍّ. اِقْتِبَاسُ مَسْرَحِيَّةٍ: اِسْتِيحَاءُ أَحْداثِها وَأجْوائِها مِنْ قِصَّةٍ أُخْرَى.

أما معنى التطابق: تطابقَ يَتطابَق، تطابُقًا، فهو مُتطابِق. تَطَابَقَتْ آرَاؤُهُمْ: تَوَافَقَتْ. تَطَابُقُ الصُّورَتَيْنِ: تَمَاثُلُهُمَا، تَسَاوِيهِمَا. تساوي الشكلين الهندسيَّين بحيث ينطبق أحدهما على الآخر انطباقًا تامًّا.

ونستنتج فيما تقدم ان التشابه لا يفيد معنى الاتحاد حرفيا بين شيئين، أما التطابق فيفيد الاتحاد بين شيئين حرفيا، ومثاله عنوان مجموعتي الحكائية (عودة شهرزاد) تطابق حرفيا مع مجموعة شعرية حملت نفس العنوان، فحين أنني لم أكن أعلم بوجود هكذا عنوان، وهذا أيضا يدل على حدوث التناص وتوارد الأفكار فيما يخص العناوين.

والاقتباس أيضا أمر طبيعي ومتعارف عليه عند جمهور المثقفين ولا غبار عليه فيما إذا أخذ الفكرة ووظفها في شكل وأسلوب مغاير.. أو عندما يقتبس حرفياً يقوم بذكر المؤلف وعنوان الكتاب.

ومع هذا يحق طرح السؤال: هل تشابه عناوين المؤلفات الأدبية أو غيرها من المؤلفات؛ سرقة. أم توارد أفكار؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال المهم بودي توضيح سبب هذا الطرح والخوض فيه، حيث ان فكرة هذا المقال جاءت بسبب اختلاف في وجهات النظر لدى بعض الأدباء من الزملاء، وحتى نصل إلى حقيقة الأمر والجواب المنطقي فلا بد من طرح الأفكار المختلفة والأقوال والرد عليها، منها الطرح التالي: (لا يوجد واقعاً تطابق وتشابه في عناوين المؤلفات).

والحقيقة هذا الطرح بعيد عن الواقع فإن من يطلع على الموسوعات الكبيرة التي ألفت في إحصاء المؤلفات يجد ان عشرات الكتب قد اشتركت في عنوان واحد، ومن هذه الموسوعات كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لآغا بزرك الطهراني، وأيضا من يطالع كتاب (الفهرست) لابن النديم يجد في أغلب أبوابه مجموعة من المؤلفات التي ذكرها لعلماء عصره قد اشتركت في عنوان واحد... ولو راجعت فهارس مكاتب الجامعات العراقية وغيرها لوجدت الآلف من حالات التشابه وحتى التطابق الحرفي في عناوين الاطاريح العلمية -الماجستير والدكتوراه- وقد يقول قائل ان ذلك العصر لم يكن لدى المؤلفين قدرة على الاطلاع والوصول إلى جميع عناوين المؤلفات وهذا الزمن يختلف، حيث وجود الإنترنت الذي قصر المسافات وألغى الحدود.

أقول: مع وجود الإنترنت والقدرة على البحث في محرك كوكل إلا أن الواحد لا يستطيع الوصول إلى كل عناوين المؤلفات، من بداية عصر التدوين وإلى عصرنا الحاضر. ومن يقول خلاف هذا الكلام فعليه الإتيان بالدليل.

ثم يحق لي طرح السؤال التالي: (هل يجب علي كمؤلف -عندما يقدح في فكري عنوان لرواية كتبتها أو مجموعة قصصية أريد طباعتها ونشرها- أن أبحث حول عنوانها فيما اذا كان هناك عنوان يشبه أو يتطابق مع العنوان الذي خرج من فكري وتجسد على الورق؟).

ويتبادر في ذهني سؤال أخر وهو: (إذا قدح في فكري عنوان ما وكتبته على الورقة، ثم فكرت فيه وأمعنت النظر فيما إذا كان هناك عنوان أخر يتشابه معه أو يتطابق حرفيا وبعد التفكير وإعمال الذهن لم أجد في عقلي وجود عنوان أخر، ثم ذهبت وطبعت روايتي أو كتابي وظهر بعد حين وجود كتاب أخر نفس عنوان كتابي ومطبوع قبل كتابي أيضا، فهل أصبح في هذه الحالة سارقا؟).

وأيضا تبادر إلى ذهني السؤال التالي: (أنت أخي الأديب أنتِ أختي الأديبة وأنتم المؤلفون، هل عندما أخترتم عناوين مؤلفاتكم، ذهبتم وبحثتم في النت أو في فهارس المكتبات وغيرها عن عنوان كتاب مطبوع قد يتطابق مع العنوان الذي اخترتموه لكتابكم؟). سأترك الجواب عن التساؤلات للمخاطبين وللقارئ الكريم.

جاء في مقال على موقع اليوم السابع: ان الناشر سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، يقول: إن تشابه عناوين أي كتب من أجناس أدبية وفكرية واحدة هي سرقة، فإذا كان هناك رواية صدرت ورواية أخرى يحملان نفس العناونين، فيتم النظر لرقم إيداع كل منهما، ويكون صاحب رقم الإيداع الأول في التسجيل هو صاحب الحق، ويعتبر الثاني سارقا للعنوان.

هنا أطرح تساؤل برئ عما جاء في كلام رئيس اتحاد الناشرين المصريين سعيد عبده، وأقول: كيف سمحت لنفسها الجهة المسؤولة عن منح أرقام الإيداع؛ بمنح رقم إيداع لكتاب يحمل عنوان سابق مسجل عندهم؟ أليس من واجب هذه الجهات المسؤولة، عدم منح أرقام إيداع لأي كتاب يتطابق عنوانه مع عنوان كتاب أخر، إذا كان هذا الفعل يعتبر سرقة حسب القانون؟

وهناك من يقول: يوجد فرق بين كتب الأدب وغيرها، حيث ان كتب الأدب هي نتاج فكري وعنوان الكتاب هو عصارة فكر إبداعي ومن غير الصحيح قبول اتحاد كتابين في نفس العنوان.

أقول: من غير المنطقي منع وقوع التشابه والتطابق في عناوين المؤلفات الإبداعية، حيث ان العنوان هو عتبة الدخول إلى فحوى محتوى الكتاب، والعناوين صناعة فكر إبداعي قد تأثر عبر القراءات السابقة والاستفادة من القدماء والمعاصرين ولا يمكن فصل العقل عما نحت داخل هذا العقل من معارف هي السبب الأول في تكوين ثقافته المكتسبة، وأدباء السرد يعرفون جيداً ان من المستحيل الوقوف أمام تطابق عناوين القصص القصيرة والقصيرة جداً، ولو تتبعنا عناوين القصص في مجموعة قصصية ما، يمكن أن نطلق عليها المجموعة (أ) ومجموعة قصصية أخرى (ب) سنجد الكثير من حالات التطابق الحرفي بين العناوين.

ويكثر التطابق أكثر فيما لو كانت المجموعتان تحتويان على (قصص قصيرة جداً) لكون أن القصة القصيرة جداً في الغالب يتكون عنوانها من مفردة واحدة ذات معنى متصل مع النص المكثف... وهذا التطابق الحرفي يستحيل منعه.

وهناك أمثلة كثيرة على تشابه وتطابق العناوين في كتب الأدب منها: (في الأربعينات من القرن الماضي أصدر الدكتور يوسف عزالدين عيسى رواية بعنوان "العسل المر"، وهو نفس عنوان رواية ذائعة الصيت للروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا). و(أصدر الروائي الراحل محمد البساطي آخر أعماله الروائية بعنوان «جوع» تلك التي تشابه عنوانها مع رواية النرويجي كنوت همسون «الجوع» التي صدرت في مطلع عشرينيات القرن الماضي). ورواية (الموريسكي للروائي المغربي حسن أوريد، والموريسكي الأخير لصبحي موسي). و(لتوفيق الحكيم مسرحية بعنوان "بيجماليون" وهي تحمل نفس اسم مسرحية "بيجماليون" للكاتب جورج برنارد شو).

وعن تطابق العناوين في حكم الشريعة الإسلامية: نستطيع ان نفهم من خلال تكرار عناوين المؤلفات بين علماء الدين والفقه الإسلامي بأنه أمر متعارف عليه منذ بداية التدوين وحتى الآن "لا يعد سرقة في الشريعة الإسلامية" وقد بحثت عن هذا الموضوع في كتب الشريعة والأحكام الشرعية ولم أجد شيئا، وما وجدته من أحكام شرعية يخص السرقة الحرفية من متون الكتب وأما التناص والتشابه وتخاطر الأفكار أمور لا تخالف المنطق والعرف ولا تعد سرقة، كما يوجد في قواعد الاستنباط الشريعة ما يسمى بالعرف الاجتماعي، إذ يحكم الفقيه -في مسألة فقهية لا يجد لها في مصادر الاستنباط أصل- بمقتضى العرف، لذا نجد تداول عناوين المؤلفات عند الفقهاء أمر طبيعي، ونأخذ مثلا كتاب (منهاج الصالحين) للسيد محسن الحكيم، أخذ عنوانه الكثير من العلماء، منهم السيد الخوئي والسيد السبزواري والسيد السيستاني وآخرين.

وهناك مثال أخر، كتاب (مواهب الرحمن في تفسير القرآن) للعلامة عبدالكريم محمد المدرس في أربعة أجزاء وهو ذات العنوان لكتاب العلامة السيد عبدالأعلى السبزواري المطبوع في 14 جزء إلى هذه اللحظة، وقد تطابق هذان الكتابان في العنوان حرفيا وكذلك تطابقا في جنس الكتاب أيضا.

أن الوسط الثقافي والأدبي تباينت رؤيته بهذا الشأن وحسب استطلاع أجريته مع أساتيذ وزملاء وجدت أن الأغلبية مع القول بحدوث التناص وتخاطر الأفكار، ومع هذا للأمانة أضع هنا جميع الآراء.

يقول الناقد الأستاذ ياسين النصير: (ربما سيكون رأيي مختلف لما هو شائع، شخصيا لا اعتبره سرقة ولا تشابها، دون معرفة المحتوى. إنما العنوان كما يفترض يستخرج من محتوى الكتاب، وغالباً ما يكون المحتوى هو الذي يفرض كلمات العنوان، علينا ان نبحث في العنوانات المتشابهة هل محتويات كتبها متشابهة؟ إذا كانت محتويات الكتب متشابة فلا تعتبر العنوانات المتشابهة سرقة، أما إذا كانت المحتويات مختلفة، فاعتبرها سرقة.

أما الروائية وفاء عبدالرزاق/ العراق، فتقول: (ليس هناك سرقة أو توارد أفكار فالكاتب الذي يشتغل على العنونة بدقة ويجعلها مفتاحاً لنصه ستكون هي مداخل للمتن. وإذا كان كل كتاب يختلف نصه عن الآخر فكيف تتشابه مفاتيحه؟). وقالت أيضا (العنوان يعتمد على نوعية الاشتغال فإذا يتناول الأسطورة أو التاريخ، هنا مجرد التعامل مع الاسم ستجده متشابها. لكن إذا كان عنوانه هو ضمن مقطع من قصيدته أو نص من روايته لا يمكن أن يشبهه أحد).

أما الروائي عامر حميو/ العراق، يقول: (إذا عددنا تناص عتبة العنوان سرقة فهي انحراف لجاهل يمتلك قدرة الرسم بالكلمات لكنه لا يعرف شروط الإبداع.

وإن عددنا التناص توارد أفكار، فالتوارد لا يأتي إلا بمسبب وخز الذاكرة سابقا واستدعي مخزونها لاحقا فصار التناص، وهو بهذا يعرف أو يشك بأن عتبة هذا العنوان استخدمت من آخر وأصر على استخدامها، وبهذا رجعنا لموضوعة الانحراف، وعدم امتلاك شروط المبدع).

أما الشاعر يحيى السماوي/ العراق، قال: (وجهة نظري: العنوان لا يُعتبر نصّا، فهو بمثابة الإطار لصورة النصّ. تماثل العناوين يمكن أن يكون توارد أفكار أو وليد تماثل الحدث والتجربة.. فعنوان مثل "مذكرات سجين سياسي" قد يكون القاسم المشترك لعدد من المؤلفات لمؤلفين من بلدان مختلفة ولغات مختلفة. السرقة تكون في تماثل النص تماثلاً نصيا أو شبه تماثلٍ نصّيٍّ حرفي - وهذا يكثر في الشعر).

وأما الدكتور مختار أمين/ مصر، قال: (العناوين بالذات توارد خواطر، ولا يقام عليها حق قانوني على مستوى العالم، لأن أصل العنوان الأدبي بوابة دخول لموضوع به فحو خاص، متن بعينه، فالسرقة في المتن والفحو، لأن كثير من الأبواب تتشابه في منظرها الخارجي، أما ما هو داخل الأبواب فهو خاص بأهله، فالطبيعي أن يختلف).

وأما الناقد الأكاديمي الأستاذ محمد المياحي/ العراق، قال: (فيما يخص ما يطرح ان التشابه في عناوين المؤلفات الأدبية أو غيرها سرقة، أم توارد أفكار؟

لا يمكن أن نغفل ان العملية الإبداعية برمتها هي تجربة تتكأ على تجارب وهي نتاج فكري تناصي ولو بنسبة في واعي أو غير واعي؛ وعليه؛ المحاكاة (التشابه) في العنونة لا تعد سرقة شريطة أن تكون مادة المتن مختلفة طرحا وأسلوبها وفكرة، فالعنوان أيقونة مطروحة في عجينة المعجم، وهي تقابل المصطلح الضابط للمفهوم وكيفية ومخالفة ما يقع تحت هذا العنوان مما يطرح في النص، إذن هي دلالةَ سيميائية (إشارة) لمضامين أوسع يحق للكل طرحها تحت هذا المفهوم).

وقال الشاعر والروائي محمد سعد جبر الحسناوي/ العراق، (توارد العناوين وارد جدا خاصة للذين يشتغلون في الوسط الأدبي, ولكن هذا لا يعني أن نغض الطرف عمّن جاء عنوانه مشابها لعنوان سبقه, ففي كل الاعتبارات نحسبه قد أتكأ على من سبقه, وفي حالة اعتباره توارد وأنه لا يعلم بمن سبقه فعلى دار الكتب والوثائق أن لا تعطي الموافقة على العنوان المشابه لمن سبقه).

وجاء في مقال على موقع صحيفة الراكوبي: (يُعرف د. محمد عبد الرافع، توارد الخواطر على أنه نوع من الاتصال الفكري والروحي بين شخصين -وربما أكثر- ونجده على نطاق واسع في الموسيقى والأدب والفكر السياسي والاجتماعي، بل أنه ينتشر في الحياة العامة على نطاق واسع، وفي بعض البحوث العلمية قبل عصر المعلومات وسرعة انتقال المعلومة، نجد كثيراً من العلماء توصلوا لنفس الاكتشافات بنفس الطريقة، في نفس الوقت.

ويواصل د. محمد قائلاً: وهذا التوارد نجده في الفنون وخاصة الشعر منذ قديم الزمان، وقد يختلف الناس حول تسمية التشابه هذا، فالبعض يعرف التشابه في المنتوج الإبداعي على أنه توارد خواطر، وفي درجة أخرى يسمى اقتباساً، أما في آخر درجاته فيسمى سرقة أدبية، وربما يحدد نوع التسمية الزمن الذي تم فيه إنتاج العمل ذي الدلالات المشتركة، وبعد ذلك تأتي مقدرة الشاعر -إذا أخذنا الشعر كمقياس- على النظم بعيداً عن شبهة الاقتباس:

*يقول أمرؤ القيس في معلقته:

وقوفاً بها صحبي على مطيهم

يقولون لا تهلك أسىً وتجمل

ويقول طرفة بن العبد:

وقوفاً بها صحبي على مطيهم

يقولون لا تهلك أسىً وتجلد

فرق التوقيت: ونرى بوضوح أن الاختلاف في النص كان في حرفين فقط، وفي الدلالة المعنوية كان التطابق كاملاً، ومن المعروف أن الشاعرين عاشا في فترة زمنية متقاربة حتى أن بعض الباحثين يؤكد أنهما عاشا في نفس الفترة دون أن يلتقيا، ومن المسلم به كذلك أنهما من فحول شعراء العرب، إذن هما ليسا بحاجة للاقتباس وبالتالي تنتفي شبهة السرقة مهما كانت، ويبقى الأمر توارداً للخواطر).

أما القانون فهو لا يجرم الفعل المنضوي في دائرة المباح عقلا، وهو متعارف كما في الأمثلة السابقة وقد سألت ابن العم المحامي حسين العيساوي عن رأي القانون العراقي بهذا الخصوص، فأجاب: (تعد الحقوق الفكرية من بين أكثر الحقوق انتهاكاً. ويغلب الظن لدى الجمهور الثقافي أن حقوقهم المتصلة بنتاجهم الفكري غير محمية. وهو ما يسهل للمعتدي تكرارها دون خشية من العقاب ولكن في الواقع الحماية الفكرية محددة بقانون وهو "قانون حماية حق المؤلف رقم (3) لسنة 1971م والمعدل". ولكن تشابه العناوين وتطابقها بين مؤلف وآخر لا يعتبر بحد ذاته جريمة ألا إذا شمل ما جاء في نص المادة (3) من القانون وهي (تشمل الحماية عنوان المصنف إذا كان متميزاً بالأصالة ولم يكن دالا على موضوع المصنف) وتفسير هذه المادة يعود لنوع الجريمة وجسامتها وكم هو حجم الفائدة المعنوية والمادية التي تحصلّ عليها المنتهك للعنوان بعد أن يتم التأكد من أن العنوان يدخل ضمن شروط المادة (3) من القانون).

وحسب علمي لم أسمع بقضية رفعت إلى المحاكم العراقية بهذا الشأن، وقد سألت بعض الحقوقيين عن وقوع هكذا قضية وأجابوا بالنفي.

ثم كما قلنا سابقًا لو كان القانون يجرم تطابق العناوين وتشابهها، لكان من واجب الجهات المانحة -الجهات الرسمية في جميع الدول التي تمنح الرقم المحلي والجهة الدولية التي تمنح الرقم -"ISBN" أن تكون هي المسؤولة والرقيب على هذا الموضوع ولا تمنح أي رقم يجيز طباعة كتاب يطابق عنوانه عنوان سابق، وعلى هذا يجب أن تتوحد قواعد المعلومات لدى هذه الجهات ويصبح العالم في هذا الشأن دائرة واحدة.

وقبل الختام أضع السؤالين الذين طرحتهما على الدكتور عبدالوهاب الراضي رئيس اتحاد الناشرين العراقيين، وجوابه عليهما.

السؤال الأول: هل تشابه عناوين المؤلفات الأدبية أو غيرها؛ سرقة. أم توارد أفكار؟

- بالنسبة لسؤالكم الأول: ممكن يكون توارد خواطر إذا أخذنا بحسن النية، وحتى في هذه الحالة أن كان المؤلف على معرفة بالعنوان أي أن العنوان قد استعمل سابقاً من قبل كاتب أخر فعليه أن لا يجعل عنوانا ما يكتبه مشابها لما كتبه الآخرون، فهناك مساحة واسعة لاختيار العنوانات المناسبة. أما إذا لم يكن يعلم بوجود عنوان مشابه لما كتبه فهو معذور ويأتي من باب توارد الخواطر.

السؤال الثاني: هل من الواجب على اتحاد الناشرين البحث في عناوين الكتب قبل منح الرقم الدولي، حتى لا يقع التطابق والتشابه في العناوين؟

- بالنسبة إلى إعطاء الرقم الدولي لا يمكن أن نشترط عليه ذلك، لأن المعيار لا يعتمد فقط على العنوان، إنما؛ اسم المؤلف/ الموضوع/ عدد الصفحات/ تصميم الغلاف... وفي حالة تشابه هذه الفقرات لا يمكن إعطاء نفس الرقم وهذا مستحيل.

وأعتقد جازمًا لو كان عالميًا يوجد قانون دولي يمنع تطابق العناوين لتوحدت الدول ووضعت آليات صارمة بهذا الشأن، لكن كون هذا الأمر مباح عالميًا فتركت هكذا إجراءات مفترضة.