(ما أقوله للنحات) .. مسرد الأنا الطافحة - مالك مسلماوي

  • 22-02-2021, 20:34
  • نقد
  • 232 مشاهدة

يقترح النص الشعري نمط قراءته واختيار المداخل المناسبة للوصول الى مقترباته الدلالية وما تفتحه من قنوات توصيل و افضية  تأويلية تجترحها حالة التفاعل الذهني و النفسي مع النص , بعدّ النص ظاهرة جمالية تحمل بين طياتها مبررات وجودها التي يترتب عليها اختلاف مساحة التأثير بحسب ما تنطوي عليه من خصوصية اسلوبية و مظان دلالية .
  على ضوء ذلك ندخل نص (ما اقوله للنحات)(1).. اقول نص , اذ يبدو الديوان نصا واحدا من حيث تمركز الأنا و وحدة الايقاع و التتابع السردي.. و تتخذ هذه القراءة مسارين , الأول : مسار (سيكولوجي) يتناول البنية التحتية , و محاولة لاستكناه مرجعية النص الذاتية. و الثاني : لغوي وفيه تأشير خصائص لغة النص يتناول البنية الفوقية .. وبدءا من العنوان تتجلى هيمنة الذات / الأنا ,  فالنحات هو الخالق انما يقع تحت وصاية الأنا الباثة في عملية الخلق وفق ما تراه هي , فتملي و تكشف وتعترض .. نقرأ في نص العنوان :
"في اوراقكَ الباقية
احمل لياليك في فم كراس قديم
كانت الاوراق رؤيا
رؤيا وغيما
و حديقة مملوءة بإنارة الافيون
فيا صاحبي اين سنابلك السبع
و اين وجهي ؟
اني ارى نهرين من نار..."      ص18
    لم يمضِ وقت طويل على الارهاصات الشعرية الاولى للشاعر الشاب انمار مردان حتى وجدناه يرمي بكل كيانه في دنيا الكتابة الشعرية .. كانت البدايات مرتبكة متواضعة , لكن سرعان ما نضجت تلك التجربة وفق قراءة الشاعر للمشهد الشعري , واستطاعته الامساك بخيوط اللعبة , وقد وافق دخوله هذا العالم شيوع طروحات ما بعد الحداثة فسلك الطريق من دون ان يصرف كثيرا من الوقت في محاكاة القصيدة التقليدية في نمطي (التفعيلة) و (العمود) , ما ينسجم مع التغيرات الدراماتيكية الصادمة بعد عام (2003), وما تبعها من فوضى وانهيارات في المنظومة الاجتماعية و ردود فعل من جهة و شيوع الأمل بالانفتاح على حياة جديدة  في ظل الاستبشارات بزمن الحرية .
   واذا كان الشعر ذات تتكشف أمام الآخر , فالذات لما فيها من خصوصية رؤيوية تطرحها بما تمتلكه من موهبة وأدوات وخبرة , تشكل مرتكز النص , ايّ نص , ف(الأنا) النصية حاضرة دوما , وفي ( ما اقوله للنحات) تطفح هذه (الانا) لتكون مركزا يزيح اي تمركز اخر فاسحة المجال لهوس الذات و احلامها المكبوتة و هي في مواجهة الموت والخراب والخوف من المجهول . نقرأ في المطلع  :
  " اريد ان انتشر كثيرا / مثل الوباء/ اقفز على الاسطح الناعمة والخشنة/انام في زهرة عبادة للشمس ليأكلني الطير....."   فوبيا / ص7 .
     في هذا المقطع القصير تستتر (الأنا) خمس مرات خلف الافعال المتتابعة : اريد / انتشر / اقفز / انام / يأكل (ي) . الافعال التي تحلم بالتحقق .. فهي رهينة ظروف قاهرة  ,  لتنتهي  الى ما يشبه الانتحار : (يأكلني الطير) .. نجد هذه الانا قلقة خائفة محبطة وهي تخوض التحدي في مواجهة الواقع و التمرد عليه, ومن مظاهره التمرد على اللغة و سكونيتها لتتحول الى لغة عابثة مشاغبة ذات نكهة سريالية :
" نردان عبثيان / يشبهانني ساعة الصفر/ وانا على شفى(شفا) حفرة من الغار/ وانت وهم / و مزاج قديم لم يشبع من الضحك .."      انا لم اكن لصا . ص52
     هذا التوتر كثيرا ما ينتج عن انفصام بين الواقع و الحلم قائم على طبيعة مزاج انفعالي ينتج عنه نوع من تورم (الأنا) المستلبة , فلا ترى الا ازمتها من دون محاولة الخروج عن هذه الازمة والتعايش بنظرة برجماتية للواقع .. فالرؤى السالبة متأتية من اشتباك عاملين  : عامل القنوط الحاد , وعامل الطموح الحاد .. هو صراع تنمو في ظله الأزمة النفسية , والنتيجة استسلام النص لفورة الانفعال والتعبير عنها بكل ثمن  وفي هذا الغلو خطر محاصرة النص دلاليا لصالح اللعبة الشكلية , " ونفي التلقائية الانفعالية عن الابداع الراقي من الامور التي ادركها كبار الشعراء مثل (ت. س. اليوت) اذ يقول ليس الشعر انفعالا ولا تذكرا انه تركيز عدد كبير من الاختبارات.."(2)
 و ضمن المسار الثاني تأخذ اللغة الشعرية - نتيجة لهذه التلقائية- فضاء تعبيريا حرا , فيأخذ النص صورة اللعب في الصياغة والازاحة و التهويم , ويسعى الى استفزاز ذائقة القارئ و تحميله مسؤولية تعقب المعاني والدلالات , و على الرغم من حذاقة الشاعر في تلميع النص من خلال الاستعارات الصادمة  والتناصات المنحرفة مثل : " احتساء الخدر / نصب السرية / لا خوف عليهم ولا هم يرحلون / بعد الخاسرة صباحا ... او الامتلاء الدلالي في بعض النصوص مثل : " انتظريني/ فأنا جرعة غياب طازجة/ و سهرة مكسورة ..و " اخاف من الضجيج على لوحتي/ واخاف من تدفق اوهامي.."  الّا انه ينحدر الى اللعب المحض احيانا, مثل :  احمي عرين المشط من شعر الغجريات / والنهارات تغزو جوف قسوتي شيبا / نطق غريزته على زجاج سائل... الخ, فهناك من يرى "القصيدة ليست شكلا من اشكال اللعب المجاني بالألفاظ  بل تتقيد اللغة بما تخلقه"(3).
   خلاصة القول : اجد تجربة الشاعر انمار مردان تستحق التوقف لما تحوية من صوت خاص و محاولة مهمة في ترويض اللغة لتستوعب روح العصر والتعبير عن ازمة الذات الوجودية في مواجهة الواقع .
----------------------------------------------
(1) ما اقوله للنحات / انمار مردان / دار الفرات للثقافة والاعلان- العراق / بابل 2020
(2) تشريح النص/الدكتور عبد الله الغذامي/دار الطليعة- بيروت/ ط1- 1987
(3) حلم الفراشة / د.حاتم الصكر/ اصدارات وزارة الثقافة والسياحة/صنعاء 2004