جدل النضال والإبداع قراءة في قصيدة (القطار) للشاعر ألفريد سمعان - ئاوات حسن أمين

  • 11-01-2021, 00:46
  • نقد
  • 128 مشاهدة

إطلالة سيريّة: الشعر بطبيعته الفكرية والثقافية هو سلاح المناضلين المثقفين الذين يؤمنون بقوة تأثير الشعر في مساحة عمله الثقافية والاجتماعية, يستخدمه الشاعر المناضل في ساحات الوغى الثقافية والفكرية والجمالية, ويتحمّل ما يفضي إليه هذا النضال من خسارات وتضحيات بوصفه موقفاً وطنياً أصيلاً لا بدّ منه وبأس بعد ذلك أن يقوده إلى السجن، أو الإعدام، حيث يموت الجسد وتبقى الكلمة، وبهذا يكون الشعر سلاحاً تثويرياً وتحريضياً ضد الدكتاتوريات وضد القبح وضد اللاإنسانية بكل أشكالها.    الشاعر العراقي المبدع ألفريد سمعان .. شاعر عتيد .. ملتزم عنيد.. يساري غيور .. صياد جسور . عرفناه منذ الأربعينات من القرن الماضي صحبة الشعراء الروّاد بوجهه الشعري النضالي, كان وما يزال مناصرا للفقراء من أبناء الشعب المكافح, يحاول بكل جهده حمل صخرة سيزيف التي لا يملّ من سقوطها ومن ثمّ الصعود بها ثانية بعناد المناضلين والشعراء الأوفياء لتجاربهم وأوطانهم, من أجل رفع الظلم عن المظلومين والمضطهدين والمقهورين في سجون ومعتقلات الأنظمة المتعاقبة البائدة التي وزّعت الضيم والقهر على أبناء الشعب العراقيّ بالتساوي. ألفريد سمعان شاعر حاضر في وجدان القصيدة, قال كلمته وكتب تأريخ شعبه وساهم في بناء وتطوير القصيدة الملتزمة.    الشاعر ألفريد سمعان في تلخيص موجز نطلّ من خلالها على سيرته: (هو من مواليد الموصل عام 1929 بدأ مشواره السياسي عام1947، شارك في وثبة كانون عام 1948 وانتفاضة تشرين عام 1952، وتعرّض للسجن عام 1948 لمدة سنة ونصف، وفي عام 1963 بعد انقلاب شباط المشؤوم أعتقل وكان واحدا من راكبي قطار الموت وحكم عليه بـ 10 سنوات سجن، لم تستطع أن تأخذ منه موقفه بالرغم من قسوتها.   منذ عام 1948 كتب القصيدة التي كانت تحمل طابعا سياسيا ونضاليا. ولديه أربعة عشرة ديوانا شعريا ومسرحية شعرية واحدة تحت عنوان (ليمونا) ومجموعتان قصصيتان (الجمعة الحزينة) و (نبؤة متأخرة) . ترجمت قصائده إلى الانجليزية والاسبانية والروسية والبلغارية . ساهم في تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين مع الجواهري الكبير والأساتذة المخزومي وعلي جواد الطاهر وصلاح خالص وبلند الحيدري وعبد الملك نوري . أنتخب سكرتيرا أداريا لاتحاد أدباء عام 1968 ثم أمينا عاما للاتحاد الحالي ومنذ بضع سنوات) .   وصفه الشاعر إبراهيم الخياط في معرض توصيفه لشاعريته ونضاليته بقوله: (ألفريد سمعان ليس الشاعر القطار فحسب, بل هو راكبه, المقصود القطار, قطار الموت .). و (ألفريد سمعان, الثوري الحالم, الذي ارتبط شعره بالواقع النضالي للإنسان ارتباطا عضويا متماسكا .. الشعر عنده ليس محصورا في الهمّ الذاتي وإنما طغى عليه قضية الحس الجمعي .. حيث يذوب الخاص عنده بالعام والذاتي بالموضوعي).   ما يمثّل موقفه الوطني شعرياً قوله في زمن مبكّر:              
سليني كيف تنتصرُ الشعوبُ      ويقصـى عن مواطـننـا غريبُ              
ويـبسمُ عن سـواد الليل فجرٌ     شفيف النور ليس له نضوبُ              
هجرتُ الحبّ لن أبغي حبيباً      فـكـلّ مـناضــلٍ عنـــدي حبـيـبُ    
إذ تتجلّى القيمة النضالية داخل مفهوم الحبّ، وكأنّ النضال هو القيمة الأولى والأخيرة لتصنيف فكرة الحب بطبيعتها الوجدانية والعاطفية والرومانسية، الشاعر يهجر الحبّ كما عرفه الناس بوصفه علاقة بين رجل وامرأة في أبسط تعبير، وعوضه برؤية جديدة للحب تنبع من فكرة النضال الموازية لفكرة الحبّ، إذ الحبّ الحقيقي المنتج الذي يعلو به الوطن هو حب النضال، فالمناضل وقد استحق شرف هذا اللقب هو الحبيب في أيّ زمان ومكان.     عندما نتناول تجربة شعرية لشاعر بحجم ألفريد سمعان في بحث أو قراءة أو دراسة أو مقالة أو مقاربة من أي حجم, يكون معلوما لدينا  بأننا أمام قامة ذات قوة وتأثير من قامات الشعر العربي الحديث, قد نختلف معه ولكن لا نختلف على شاعريته الفذة . فهو من الرعيل الأول للشعراء الملتزمين الذين مزجوا بين الفن والسياسة أو بالأحرى بين العمل النضالي والعمل الإبداعي، ظلّ شاعرنا شامخاً في وجه الزمن والقهر والاستبداد والمصادرة والقبح، يدافع بالموقف عن شرف الوطن، وبالقصيدة عن شرف الكلمة.إطلالة شعرية: قصيدة (القطار) أنموذجاً       في رائعته الأدبية الشعرية المعنونة بقصيدة (القطار) سجل الشاعر ألفرد سمعان سفرا خالدا من منجزه الشعري ذي الطبيعة النضالية التي تحكي قصة النضال الإنساني والشعري، فهي بحق بانوراما شعرية درامية لحدث توقف عنده الكثير من الشعراء والكتاب، ولكن قلة منهم وظفها توظيفا جماليا, أو جعلها قطعة أدبية تدخل تأريخ الأدب بصدق وتنتمي إلى حقل النضال والجمال معا . كما استطاع شاعرنا أن يحققه على صعيد الموضوع الشعري، والفكرة الشعرية، واللغة الشعرية، والصورة الشعرية، والإيقاع الشعري.    قصيدة (القطار) المكونة من عشرة مقاطع . يحمل كل مقطع دلالات إيحائية وجمالية وتاريخية كثيرة ومتنوعة. حيث جعل من هذه المدوّنة الشعرية نوعا من النسق الرؤيوي والجمالي والنضالي داخل لوحة شعرية مزدهرة بالدلالة والقيمة والمعنى: مسافر مع المتاهاتقطار الحقد والأحزان والخوفوأصداء الوعيدالمرتعشيشقّ عبر غابات النخيل دربهيرشّ بالتراب أجواء البساتينوجدران البيوتكأنها غمائم الإرهاب     هذا المقطع الاستهلالي يجعل من القارئ متلهفاً لمتابعة بقية القصيدة، إذ يصف الشاعر رحلة القطار المشحونة بمفردات القهر والاستلاب والضياع ((الحقد والأحزان والخوف/وأصداء الوعيد/المرتعش))، فيتحول القطار إلى فضاء زماني ومكاني مفتوح على العصور والأزمان والأمكنة والتواريخ عامة، وهو محمّل بالكوارث التي تحيط الإنسان بكل معاني الموت والرعب والترويع، بحيث يكون المسافر فيه ((مسافر مع المتاهات))، والسفر مع المتاهة سفر نحو الضياع واللاجدوى والموت الحاضر في كل لفظة من ألفاظ القصيدة، وربما يكون المعجم الشعري السوداوي المهيمن على أجواء القصيدة يعكس هذه الرؤية جيدا.    لقد ذكر الشاعر في مقدمة مختصرة للقصيدة وهو يصف عالمها وفضاءها: ((بأنها أنشودة حزن وصرخة احتجاج وأصداء عذابات .. بين سطورها ترتعش آهات الموت يتعالى هدير التحدي .. وترتفع مواجع الكبرياء . إدانة للقتل والإرهاب واستغلال القوى المدجج بالسلاح لعري السواعد الجرداء .. إلا من الإصرار على المواقف والإيمان بالعدالة والثبات أمام العاصفة))    تمثل هذه المقدمة عتبة مهمة من عتبات القصيدة لأنها تعكس رؤية الشاعر في قصيدته، وربما يكون وصفها بأنها (أنشودة حزن وصرخة احتجاج وأصداء عذابات) ما يجعلها سمفونية عذاب إنساني لكل مناضل في الأرض، فهي (أنشودة) أولا تعبيرا عن علوّ صوتها وإيقاعيته وانتشاره بين الناس، لكن هذه الأنشودة هي أنشودة (حزن) تعبيرا عن المعاناة التي قادت الشاعر لأن يكون في هذه المحنة، وهي (صرخة) تعبيرا عن قوة الاحتجاج الإنساني ضد الظلم والطغيان والدكتاتورية والسلطوية، وهي (احتجاج) تعبيراً عن قوة الإرادة التي لا تلين مهما بلغت قسوة السلطة ومصادرتها للحريات وتكميمها للأفواه، وهي (أصداء عذابات) تعبيراً عن سيرة النضال الذي تحكيه كلمات القصيدة لتصور ما بقي من عذابات الماضي وتجربة الذاكرة المرّة.    قصيدة (القطار) المقطعية ذات بناء شعري متطور مقطعا بعد آخر، ففي مقاطعها الأخرى تحمل في طياتها كل مكامن القصيدة الملحمية وتجلياتها, إذ هي ليست قضية فردية ذات طابع حكائي ذاتي، بل هي قضية شعب تتجلى فيها صورة المجموع على حساب حضور الذات الشاعرة في منطقها الفردي الأنوي: لا ندري كيف تعبر الساعاتما يجري ..               إلى أين ...؟قطار الموت ... والآهات يمضيمع شوارد الليل البهيم .تحدو به ....متاعبدامية الأوصال ... تخذل الخطىتسير مثلماتهيم في فضاء إسراءالفراشات وباقات النجوم .....    الضمير الشعري الجمعي هو الضمير المسيطر على حركة الفعل الشعري في هذا المقطع، ويشتغل هذا الضمير الجمعي على مساءلة الزمن، ومساءلة الحدث، حيث يبدو السؤال الشعري كثيفاً وعميقاً وهو يصور الضياع والغياب ((لا ندري كيف تعبر الساعات/ما يجري .. إلى أين ...؟))، وربما يأتي وصف القطار بـ ((قطار الموت)) تعبيراً صورياً حيوياً عن حركية المعنى الشعري في القصيدة، واستجابة للمعجم الشعري المأساوي الذي تأسست عليه، فلو تابعنا الصيغ اللغوية المؤلّفة لهذا المقطع الشعري استناداً إلى صورة (قطار الموت) القائمة على إضافة لفظة (القطار) إلى (الموت)، لوجدنا أنها تحفل بالمأساوية ((الآهات يمضي/شوارد الليل البهيم/متاعب/ دامية الأوصال/تخذل الخطى))، بحيث يكون قطار الموت حاملاً لكل هذه المعاني السلبية التي تجعل من الإنسان أسيراً للسوداوية والضياع والغموض والغياب والحزن والخلان، وكل ما يتصل بهذه المعاني من صور ومشاهد ولقطات وحركات وأفعال وقيم وصيغ، تسعى القصيدة إلى استيلادها وتوظيفها عبر اللغة والصورة والإيقاع، وصولاً إلى تشكيل الرؤية الفنية الشعرية المعبّرة عن قسوة الموضوع.    كذلك كقوله في المقطع الرابع من القصيدة ينقل الشاعر نوعا من الحوارية بينه وبين ذاته من جهة، وبينه وبين القطار من جهة أخرى: ترتفع الأنفاسينساب صرير العجلاتوتحمل الأشياء ظلّ بعضها
وتكتم الأوهام أنغام الرجاء
ماذا يقولون غدا لأهلنا
 
  لعلنا نلاحظ قيمة التلاحق الفعلي الضاغط التي تؤلف الجمل الفعلية ذات الإيقاع الشعري المتحرك باتجاه تكوين صور شعرية متكاملة، فالجملة الفعلية الأولى ((ترتفع الأنفاس)) تكشف عن طبيعة الحراك الداخلي الانفعالي لأولئك الذين يحملهم القطار ذاهبا بهم إلى المجهول، والجملة الفعلية الثانية ((ينساب صرير العجلات)) تصور ما يتلاءم مع الصورة الأولى من حركة القطار في الخارج، وكأن هناك علاقة وثيقة بين ارتفاع أنفاس المناضلين الذين يحملهم القطار وصرير عجلات القطار، أما الجملة الشعرية الثالثة ((تحمل الأشياء ظلّ بعضها)) فهي التي تعبر عن التداخل الصوري بين حركة القطار في الداخل حيث أنفاس المناضلين المرتفعة اللاهثة، وحركة القطار في الخارج حيث صرير عجلاته، وتأتي الجملة الشعرية الرابعة ((تكتم الأوهام أنغام الرجاء)) لتخلق في الصورة الشعرية نوعا من الصراع النفسي العميق بين كتم الأنفاس الذي يعاني منه المناضلون في سجن القطار، وبين ما يحلمون به من خلاص، حيث يرتفع السؤال الشعري الكبير في نهاية المقطع ((ماذا يقولون غدا لأهلنا))، وهنا تكمن المأساة الاجتماعية حيث لا يتعلق الأمر بالمناضل وحده بل بما ينسحب ذلك من ويلات على أهله غدا.
   يقول الشاعر إبراهيم الخياط وهو يصف هذا المشهد وصفا ثقافيا وسياسيا: (هنا نعرف أن الشاعر هو أحد ركاب القطار ولا يحتاج هذا القطار لصفة . فليس في تأريخ القطارات أشهر من قطار الموت . كيف لا, وقد أشرف .. عبد السلام عارف ,طاهر يحيى, مصطفى الفكيكي . بأنفسهم على حركته من محطة بغداد ومن أسدى النصيحة الصارمة لسائقه .. عباس عبد المفرجي, أن قطارك يحمل بضاعة خاصة . فعليك السير ببطء تام وحافظ عليها . بدأت رحلة الموت صباح الرابع من تموز عام 1963.
تحرك التابوت الحديدي حاملا أكثر من 500 سجين سياسي من الضباط والمدنين في عرباته المقفلة التي لا تصلح حتى لنقل البضائع . وكان شاعرنا الفريد سمعان أحد هؤلاء الأبطال . وأنتم تعرفون البقية).
    أخيرا بوسعنا القول: إن الشاعر ألفرد سمعان وفي مسيرته الإبداعية الممتدة على أكثر من نصف قرن، قد سجل لنا سفرا خالدا بكتابته قصائد نضالية كبيرة ومن ضمنها هذه القصيدة، وجعل من همه الذاتي هما موضوعيا هو جزء عميق وأصيل وأساسي من هموم شعبه، فهو في النهاية همّ جماعي يحكي قصة نضال شعب.
   إن مقاطع القصيدة كلها تعمل على تصوير الحسّ النضالي بأسلوب شعري لا يخلّ بجمالية التعبير الشعري، وفي كل مقطع ثمة صورة شعرية تصور جزءا من تجربة الشاعر في (القطار) وهي تجربة جمعية تتفوق فيها الجمعية على الفردية، والموضوعية على الذاتية، بالرغم من أنه يصور ذاته المعبّرة في القصيدة، ففي المقطع الاختتامي العاشر من مقاطع القصيدة يؤلف الشاعر نوعا من الحوارية الذاتية التي يُخلص الشاعر فيها لمعاناته الذاتية، ويستجيب لصوت الأنا الشاعرة أكثر من المقاطع السابقة التي كان فيها الحسّ النضالي الجمعي أكثر ظهورا من صوت الأنا الشاعرة، التي يبدو أن الشاعر أرجأها إلى نهاية القصيدة.
  في هذا المقطع تتجلى الذات الشعرية في سياقها العاطفي والوجداني المنحصر في إطار التجربة الشخصية ذات الطبيعة الاجتماعية، أن الشاعر هنا يعتقد أن النضال من أجل الوطن يجب أن يسبقه نضال من أجل العائلة، إذ لا يمكن أن ينسى المناضل والشاعر أسرته في خضم دفاعه عن وطنه، فشرف الوطن من شرف الذات والعائلة، لذا فإن الشاعر ألفرد سمعان وهو يحكي قصة نضاله من أجل الوطن ينتهي في قصيدة ((القطار)) إلى أن يحكي قصة معاناته من أجل الذات في معاناتها الشخصية، وما يرتبط بذلك من هموم عائلية تظهر فيها صورة الزوجة والأولاد الذين هم جزء أصيل من معاناة الذات الشاعرة:
 
ها أنت
مشحون بصندوق الحديد
تغادر صدرك الأنفاس
يخنقك الغبار ترافق
رحلة الأحزان ..
والحسرات
والذكرى
وتأريخا تكبله المواجع والسجون
وصيحة الغضب الدنيء
 
   يبدأ المقطع الشعري العاشر والأخير من قصيدة (القطار) بالتوجّه إلى الذات بوصفها (آخر) حيث تجري المخاطبة على هذا النحو ((ها أنت))، وحين يتم توجيه الخطاب إلى (أنت) التي هي الذات الشاعرة نفسها يبدأ الوصف الشعري للصورة التي عليها الذات الشاعرة في قناع الآخر (أنت)، ويحيط الوصف الشعري أولاً بالحامل الناقل للموصوف وهو القطار ((مشحون بصندوق الحديد)) وهو وصف يحوّل الإنسان إلى بضاعة مشحونة والقطار إلى صندوق حديدي كناية عن قسوته ولا إنسانيته، فهو غير معني بما يحمل لأنه أصمّ، ومن ثم يأتي الوصف الشعري إلى ((أنت)) الموصوف في سلسلة جمل شعرية، تبدأ هذه الجمل الشعرية بـ ((تغادر صدرك الأنفاس)) تصويراً لعمق المعاناة الذاتية الخانقة التي تولّد الضيق والحيرة والكآبة، ثم تأتي صورة أخرى لها علاقة بالخارج ((يخنقك الغبار)) بعد أن كانت الصورة السابقة متعلقة بالداخل، إذ دائماً هناك داخل وخارج في التركيب الصوري في هذه القصيدة، وغالباً ما يكون الداخل الشعري متعلقا بالذات الشاعرة في تجربتها الشخصية ومعاناتها الذاتية، في حين تتعلق صورة الخارج الشعري بالقطار وما يحيطه من فضاء الطبيعة.
    أما الصورة الشعرية الثالثة ((ترافق/رحلة الأحزان .. والحسرات/والذكرى/وتأريخا تكبله المواجع والسجون/وصيحة الغضب الدنيء)) فقد تولّدت عبر شبكة من المفردات التي تحيط به وتؤسس رؤيته الحالية المستجيبة لحرارة التجربة عنفها وقسوتها، حتى تنتهي إلى (وصيحة الغضب الدنيء) بكل ما فيها من ردّ فعل على ما يحدث.
   يتحول المشهد الشعري في المقطع الأخير من مقاطع قصيدة (القطار) إلى فضاء عائلي يتذكّر الشاعر فيه عبر الآخر (أنت) الذي هو معادل موضوعي للذات الشاعرة عائلته، ويصور زوجته وهي تحاوره حوار حياة، وفي هذا الفضاء تعمل الذات الشاعرة على تمثيل الرؤية الشخصية الذاتية بعيداً حالة المجموع التي طغت على مراحل تكّون القصيدة ومقاطعها السابقة، على النحو الذي يقود إلى طبيعة التلاحم بين الجانب الأسريّ الخاص والجانب الوطني العام، في صياغة شعرية تحقق الجدل المطلوب بين الفن والحياة، النضال والإبداع:
 
أتموت دون أن يلقي عليك صغارك
نظرة؟
وتصيح زوجتك الحنون
لا ترحل ..
 أريدك أن تعيش
أريدك أن تظلّ معي
تحاورني ... تقبلني
تناديني .
أريدك يا حبيبي
فكيف ترحل ..
كيف ترحل
الموج والطرقات والأشواق
أنجم الغد
والحياة
 
  إنّ هذه العلاقة التقليدية القديمة الجديدة بين الموت والحياة هي علاقة وثيقة لا يمكن الابتعاد عنها في أية تجربة إبداعية، ويتضح ذلك من خلال كثافة الدوال الرومانسية العاطفية التي هيمنت على حركة اللغة الشعرية في المشهد ((زوجتك الحنون/لا ترحل .. أريدك أن تعيش/أريدك أن تظلّ معي/تحاورني ... تقبلني/تناديني ./أريدك يا حبيبي))، حيث ينبري السؤال الشعري الكبير موجهاً نحو المناضل الذاهب بالقطار إلى الموت ((فكيف ترحل ..))، لأن رحيله هذا مقترن برحيل أشياء أخرى كثيرة يحملها السؤال الشعري نفسه ((كيف ترحل/الموج والطرقات والأشواق/أنجم الغد/والحياة))، بمعنى أن رحيله يعني رحيل الحياة كلها، فما جدوى عيش الزوجة والأطفال بعد رحيل الأب المناضل، لا جدوى من ذلك لأن رحيله يعني رحيل الحياة بكل مفرداتها الجمالية الحيوية التي لا معنى للحياة من دونها.
  قصيدة ((القطار)) للشاعر ألفريد سمعان صورة رائعة من صور تحقيق هذا الجدل الفاعل والمنتج بين صورة النضال وصورة الإبداع، إذ إنّ الإبداع من دون تحقيق هدف إنساني عميق لا جدوى منه على شرط تحقق الجانب الفني والجمالي في النص الإبداعي، وهذا (القطار) الذي وصفته القصيدة بهذه المشاهد الجمالية الغزيرة إنما هو قطار الحياة، وقطار النضال، وقطار الإبداع، وقطار الشعر السائر دائماً نحو التجربة بكل عمقها وحيويتها وأصالتها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المصادر:
(1)  قصيدة القطار, للشاعر ألفريد سمعان, مطابع الأديب, عمان – الأردن, الطبعة الأولى 2011.
(2)  ألفريد سمعان وروح الإبداع، علوان سلمان، دار المستقبل للنشر والتوزيع عمان-الأردن, الطبعة الأولى، 2011 .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
البطاقة الشخصية:
ـ ئاوات حسن أمين .
ـ مواليد 1967 السليمانية .
ـ خريج جامعة الموصل, كلية الإدارة والاقتصاد , قسم اقتصاد العام ,سنة 1991 .
ـ شاعر ومترجم وصحفي يكتب منذ الثمانينات من القرن الماضي وينشر في الصحف والمجلات كردية وعربية داخل وخارج كردستان .
ـ له عشرين كتاب مطبوع موزع بين دواوين شعرية ومسرحيات شعرية وكتب لأطفال وأنطولوجيات شعرية ولقاءات صحفية .
ـ ترجم دواوين (كاظم السماوي ود- خزعل الماجدي ود- محمد حسين آل ياسين وأمل الجبوري واسكندر حبش) الى الكردية .
ـ شارك في مهرجانات إقليمية ودولية وقراء قصائده في ندوات شعرية في كل من بيروت والقاهرة وعمان .
ـ ترجمت قصائده إلى العربية والانجليزية والاسبانية.
ـ طبعت أعمالة الشعرية الكاملة أكثر من مرة باللغة الكردية والعربية  في السليمانية وأربيل وبغداد ودمشق .
ـ نال عدة جوائز وشهادات تقديرية من وزارة الثقافة للحكومة أقليم ومن بغداد والقاهرة ومن عمان .
ـ ذكره أسمه ومنجزه الشعري في أكثر من أنطولوجيا شعرية مهمة  مثل ما قام به الناقد المعروف عبد الله طاهر البرزنجي التي طبعت في بيروت .
ـ عمل  خبيراً ثقافيا في وزارة الثقافة للحكومة إقليم كردستان .
- يعمل حالياً مديراً عاماً لدار الثقافة والنشر الكوردية في وزارة الثقافة والسياحة والآثار .