سلمان داود محمد.. سرديات الإدانة الفاضحة - شوقي كريم حسن

  • 21-11-2020, 13:48
  • نقد
  • 253 مشاهدة

 لمرات متلاحقة ، وضعت نفسي فيها داخل دوائر الحرج والارتباك، حاولت وضع سلمان داود محمد، المراقب الفاحص، المغرم بتحويل اليومي الى ما يدهش من النثرية الشعرية ، داخل المألوف الشعري الذي اعتادته منظومات الاشتغال التي ضجت بما يثير الاستغراب بهذا الكم غير المعقول ، من الذين يطلقون على أنفسهم الأمهر ، والاهم ، والحلقات المفقودة ، لكني ترددت ، إذ وضع سلمان داود محمد نفسه في خضم سيول من الامتحانات التي لايكترث لها احد سواه ، هو مغرم بامتحان ذاته الشعرية ، مثل غرامه بأغاني الأحزان والفواجع ، حاولت مرة الأخذ بيد شعرية سلمان الى حيث يمكن ان يكون منتميا إليها ، لكن الأمر تراجع ، هو وليد محنة الحروب ومخازيها منذ العقد الثمانيني الهائج مثل ثيران حلبات السباق، ، يرى الحرب بمتفحصات غرابة جلجامش الذي يقال انه رأى كل شيء ، لكن الاكتشافات ألغت كل تلك الأوهام ، لان ثمة موت  كان يجالسه كل هنيهة وقت ولم يستطع التعرف عليه ، سرديات سلمان داود محمد ، سبرت أغوار الحروب، وفككت ماهيتها التأثيرية ، ثم وبدقة الأمهر من الوعي أعادت تكوينها مرة أخرى ، عبر غيوم أرضية، ومالبثت ان تساقطت مؤثرات وجدانيه اخذت  بالمتلقي إليها لتزيده مخاوف فوق مخاوفه ، يلحظ متلقي الشاعر انه يختار الموحش القاهر من مفردات اللغة ليصنع منها صورا وثيما يضعها خارج سياقات المعروف والسائد ، مبكرا انتبه اليه المجمع الشعري العراقي ، ولكنه لم يعلن اعترافه بشاعر يطير برفقة أسراب من الشعراء  في ثمانينيات الحروب وما بعدها، لكنه يختار الأمكنة التي يراود حضوراتها بإدهاش الفاحص ودهشة الاختيار ، تذوب روح الشعر  ليظهر بدلها أرواح ثيمية تتوافر على كم غير مألوف من الغرابة البنائية التي تعتمد محورين  مهمين اولهما التصاعدية الدافعة الى الترقب ، وثانيهما تلك المشهدية التي ترسم حدود الصورة  الأقرب الى الفعل التصويري السيمي، ولهذا يمكن الافادة من سرديات سلمان داود محمد الشعرية ، كمرتكز سيمي  يعطي المفاتيح لتصورات درامية حتى وان كانت قصيرة ، كيف يختار الشاعر ، بدايات هواجسه ، وهي بحجم جبال وعيه ، ليجعلها مقدمات لرسومات أو مونتيفات شعريات قادمة ؟
تلك المفاتيح، التي أضنها لأترقى الى ما نريد ، لكننا نحتاجها فعلا ، لفك طلاسم اشتغالات سلمن ، وكيفيات اندفاعه أمام لحظة نافرة ليمسك بها ممتنا وعارفا بجرأة وعي وفهم للمهام الشعرية ، اتخاذها مدخلا إجرائيا، يمكنه من إعادة التكوين ، وتدثيرها بأردية ما تحتاجها من لغة هي من خصوصيات الشاعر التركيبية ، يعمد الشاعر الى وضع اللحظة المشهدية المختارة في مختبر وجدانيته المحفزة ، يضع سلمان نفسه كلما هم بالتفحص داخل بوتقة الاختبار كأنه قادم الى السردية الشعرية الأول مرة ، رغم خبراته وتمكنانه التي أشرته كواحد من أهم مكونات الشعرية العراقية عبر أرثيتها الطويلة ، لكنها محنة الشعر وقلق الصانع الشعري ، أجده في الكثير من حضورا ته النصية يقف عند محفزات السؤال ، ذلك لأنه كائن سؤالي ، يرفض الثوابت دون معرفة مكوناتها وبواعث هذا التكوين ، والماذيات ، تأخذه حيث يريد هو لا الذي تريده ، يجلس بحيرة الفيلسوف أمام عوالم وجوده كلها ، ليبدأ رحلة التصفية المعرفية اولأ ، وليأخذ فيما بعد بهاتيك المونتيفة غير الدقيقة الوضوح ليعلن عن اختيارها كمدخل سري لخطاب شعري يتمركز عند مفاهيم السرد ا لمقترب جدا من السرد اللحظي البالغ بالقصر ، هو هكذا يخلق سرديات تتوافر فيها ألازمنه ، ولكنه لايحبذ اختيار الأمكنة الواضحة المعالم، ولا يرغب بالتعامل معها ، الشاعر يعتبر المكان أزمة تقييد للنص ، ومحاولة منع انطلاقه بعكس الأزمنة التي توفر للمسرود الشعري فرص للتنقل دون قيود أو اشتراطات بين فضاءات  هو من يرسمها ويمنحها إبعادا نفسية وفكرية ، وليبسها معالم السر الادهاشي المبهر ، مع اهتمام دقيق باللحظات الدرامية التي تعمل عند  مهمتين أساسيتين هما الشد بوصفه فعلا مطلوبا ، والتطهير الادهاشي لكونه واحد من مكونات السرديات الشعرية وغاياتها الأساس ، ظل سلمان داود محمد وفياً لايمكن له مغادرة أزمنة القهر اليومية التي مايلبث ان يضعها داخل قوالب إنشاء إنسانية عامة رغم خصوصيتها الزمنية   هو هكذا يرفض خصخصة الزمان  ومنحه فرصة التكوين الإنساني العام ، ولأنه هادئ بالاختيار مايلبث ان يعلن صخبه ، بل وجنونه الارثي ، وهو يعلن ان الكتابة فن المستحيل ، ومن أراد ممكنها فعليه ان لايقترب من الارثيات الشعرية وان لا يرغب بتطويع الشعر الى الممكن المطلوب؟ الشعر الممكن بات لايحقق الغايات الجمالية والوجدانية ، ولا يقنع المتلقي بحضوره ، برغم ما تركه الإرث داخل الذات الجمعية التي وجدت العمود أمامها فاتخذته محجا ، لكن الحال  أعلن على غير الايمانات تمكنت الشعرية العراقية من إبدال عمود المحج الى فسحة حرة من التأمل والتقصي والتفحص ، وقبل ان يعلن حضوره الفاعل ، تمردت الشعرية العراقية لمرتها الثالثة ، لتعلن أنها لاتحتاج الى محجات معرفية تنتمي الى تجارب وارثيات الأخر ، المساحة التي قيل أنها حرة ظلت حبيسة المضمون البنائي ، وما فعلته كان تفليش لقدرات النص ودفعه الى الأساطير والمفهومات الآتية من بعيد ، ظل سلمان داود محمد واقفاً يتأمل ويتفحص كل تلك الامتدادات التي كونت الارثية الجمعية منذ امرأ ألقيس حتى بلند الحيدري ، ولكنه أراد ارتكاب معصية الوجود ، ومثلما تمكن السياب من ولوج الأمكنة والأزمنة التي يرغب ، حط سلمان داود محمد إصبع مجساته عند السرد الشعري ، ليكتشف ان المناطق التي وقف عندها خصبة وخضراء ثمارها يانعة ، بدأت المشكلة تبتعد عن الإرث لتضع وجودها عند المتغير اليومي الحاصل داخل مجتمع يراجع الى الوراء كل لحظة ،لا أمام أبدا ، تلك هي العلة التي أراد سلمان داود محمد الإفصاح عنها ، علة بوح حاضر يحتاج الى  محاور تمنحه القدرة على مغايرة السائد ، تمكنت النقدية العراقية، والعربية ايضا من تلمس الأسس الخاصة التي دخلها الشاعر ، فراحت تتابع خطاه ، وتمنحه مراسيم الرضا والحبور ، وتمكنت من دراسته دراسات مهمة، أعطته الفرصة لقراءة مشروعه الشعري مرة أخرى، لأنه لايؤمن بالثابت ولكنه لايريد المتحول السريع ،  أعاد تكويناته النفسية ليلج خيارات لم تعتدها الشعرية العراقية من قبل ، تمكن من خلق صورة شعرية تلاحقيه تندفع الى إمام دائما ، مصحوبة بشظايا الأسئلة، النازفة هماً ، بعد  انجاز سلمان داود محمد لإعماله المنشورة الكاملة ، صارت تجاربه اكثر انتماء لوجوده الإنساني ، وحدة في فضح كل الإجابات التي يحج فيهالا انحطاطا جمالياً ، ماالذي تبقى من حضورنا لنشير اليه بأصابع الجمال  ، تلك واحدة من اهم الحيرات الفلسفية التي أصابت جسد الشعرية العراقية بكاملها ، اقصد تلك التي تجيد الإعلان والنبش والتفحص ، وتوكيد  وجودها لدى العقلية الجمعية ، وستظل تلك الحيرات المصحوبة بمخيبات الأمل  متجددة حتى لحظن  اكتشاف الخلاص وتمجيده ، تلك لحظة يعتقد سلمان داود محمد أنها قد لاتجيء أبدا ، وستبقى الآمال معلقة تتأرجح ، ومهمتنا ان ندون وندون دون كلل ، وذلك ما يفعله سلمان محمد منذ زمن ليس بالقصير ، مصحوبا بمحنة أخرى لكنه يلعب معها لعبة الاستغماية ، لايمكن ان تنتصر عليه وهو المتأمل الفاعل والعارف بمكونات وجوده الإنسانية والشعرية!!