واثق الجلبي.. فطنة السرد وشعريته - شوقي كريم حسن

  • 20-11-2020, 09:34
  • نقد
  • 165 مشاهدة

هو مأخوذ الى حد الارتباك بتأمل الأشياء وتفحصها بدقة حكيم وروح ولد لم تك الحياة تشكل عنده كل تلك العقد الكونية التي بدأت حين تعالت الأسئلة الفلسفية ، المعلنه والمضموره، والأخذة بيد الإنسان الى شطآن ماكان ليدركها لولا  تلك اللحظة المجنونة، لماذا جئت؟
والى اين سأذهب؟
وكيف كان المجيء ولم الذهاب؟
من يقف وراء كل هذا التعب والعناء، ؟
ولم لانرفض مثل تلك النهايات التي لامبرر لها؟
انغمر الولد بالاكتشافات التي ادمنها محاولاً ايجاد صلاة  بين كونه والنفس المتأرجحة التي لاتدري ماالذي تريد؟
القلق مشروع حتى وأن كان خارج مألوفة، لكن الارجحة فعل خال من المتعة، لأنه يأخذ بالنفس الى علو ثم يهبط بها الى اسفل لااحد يعرف قراره، تلك هي أول محاولات واثق الجلبي التي اعطته دفقاً معنوياً خال من الأرتباك ليلج وادي عبقر باحثاً عن شيطان شعر يرافقه في الدرب الذي اختار، ولأنه مأهول بحب الفرزدق وشعراء دولة بني العباس، ولانه يجد في المتنبي قيامة الشعر وفي الجواهري طلاوة الروح، تمدد برهاوة في احضان قصيدة العمود، راح يتلو شعراً، وينام وبين عينية جواري القصائد يتراقصن  لتصيبه عدوى الابتهاج والسمو، لكنه متأرجح لايستقر عند لحظة استمرار، فطن الى السؤال الذي كان يجب ان ينتبه اليه  قبل اعلان خياره، في خضم هذه الاعلانات الشعرية الصاخبة، اين تراه يقف، وهل يمكن له  ترك اثر شعري مائز وكبير، ماذا لو اعلن انه الحلقة المفقودة بين الجواهري والعباس بن الاحنف، ماذا لو اعلنها حرباً على مانسميهم هوامش الشعر؟
جاءت فطنته متأخرة جداً، لكنها دفعته الى محطة انتظار صعبة ، لجأ الى مدن السياب وحسب الشيخ جعفر والبريكان، وجاور جيل السبعينيات المدهش بمغايرته، لينطلق مزاعلاًعن قصد العمود وتوابعه ربما وجد ثمة لذة روحية خاصة مع البناءات الصورية غير المقيدة التي تعتمدها القصيدة الحديثة، ولأنه شعر ثانية بقحط الروح وقد راودها الضجر، سحل كله الذي غمرته الحيرة، ليقف عند باب السرديات القصيرة، وليعلن فيما يلي من الأيام  حضوره داخل البنى السردية الطويلة، بين الشعر والسرد وقف واثق الجلبي.. متأملاً خياراته المعرفية ، ليختار المغاير الذي يعتقد انه بكر لم تصله يد السراد بعد، فطنته دفعته الى افتراض التخيل مع شخوص تحمل الكثير من خصوصياته ودوافعه النفسية، هي واحد سارد تشظت لتأخذ لها امكنة وتقيم لها مساريد قادرة على التميز والثبات، الشخوص السردية القلقة، هي التي تخلق سرداً يتوافر على الادهاش واثارة الاسئلة، ولهذا يجد المتلقي الكثير من الأسئلة التي تضعه عند روح الحيرة، مع كل ثيمة سردية ، يروح باحثاً عن فضاء انطلاقها وكيفياته، ليستمر كاشفاً كل اغطية الأرتباك التي بثها واثق الجلبي اليه، لذا تارجحت  قوى التلقي وكادت ان تنفصم بين السارد ومتلقيه، لكن الجلبي فطن بحذر الى هذه المحاولة فلملم السؤال وغشاه بجذل شعري، متعمداً، اللغة السردية تتحمل جنون الشعر ، لكنها تعمد الى ترويضه لتضعه في مايناسب وجوده داخل مسرودة درامية تتوافر على كم من الصراعات والكشوفات والادانات والترميز والدلالة، وتنبه واثق الجلبي الى مهمته العسيرة هذه، فروض جنونه الشعري، واخذ بكليته الفكرية وخاصة الأرثية منها الى مبحوثات السرد وقواه الكاشفه، المتلقي يشعر مع الجلبي انه دقيق الاختيار لشخوصه، ويستخدم مجهريات دقيقة الكشف والملاحظة ، لهذا فهو يودن كل ما يخص تلك الشخوص زمانياً ومكانياً، مع مرفقات ثيمة غالباً ما تنشطر لتأخذ مسارات تصاعدية برفقة حوارات عالية البوح والتأثير، تتوافر على خطوط تصاعدية تقع احياناً  داخل مطبات الوصف الذي لاجدوى منه سوى الاطالة واضعاف دوافع الحوار وادهاشاته، يحاول الجلبي، اعلان حضوره، الأشتغالي، لهذا هو ناشط في التعريف بذاته الكلية، الشعرية والسردية والدراسية، لايقف عند حد التعب او الانتظار وتلك خصيصة طيبة ومهمة، لكن النقدية العراقية وكعادتها الكسولة لم تعلن بعد عن وجود واثق الجلبي، جعلته ينتظر دون مبرر جمالي او فكري، هو عجز الاكتشاف وضعف المتابعه، النقدية العراقية روح هرمة اتعبتها التنظيرات الوافدة من بعيد فاهملت المنجز الجمالي المحلي وراحت تتباهى بالمصطلح وتوابعه، لهذا يتوجب ايجاد مدرسة نقدية يمكن ان نقول عنها المدرسة النقدية العراقية، لاظن ان الأمر بسيط لكنه ليس مستحيلاً!!