هكذا نعيش في فندق العائلة - محمد الكاظم

  • 8-11-2020, 23:56
  • قصة قصيرة
  • 405 مشاهدة

لقد اعتدت وجود أمثاله في (فندق العائلة) القديم، فإذا تجاوزت كونه غير مفهوم لي أحياناً، يمكنني أن أعتبره رجلاً طيباً يحمل في داخله بعض الكبرياء المعطوبة لا أكثر. ولا يختلف كثيراً عن غيره من الذين يسعون للنفوذ والمال والنساء. اعتدت شخصياً وجود رؤساء الجمهوريات، والموهومين، والثوار الخياليين، ومحاربي الطواحين، ورجال الأمن السري، والعازفين، والجنرالات المنكسرين، والسياسيين الذين يجري الماء من تحتهم فتلفظهم ماكنة السلطة، والأدباء المتقاعدين، والنسابة، والمستثمرين الخاسرين في العقارات، ومقامري الريسز  ولاعبي القمار الذين يأتون للسكن معنا في الفندق مدة من الزمن، ثم يموتون او يرحلون من جانب الكرخ الى فندق آخر في شارع الرشيد او منطقة البتاويين، كان فندق العائلة بصورة عامة يؤوي الكثير من المفلسين الفاشلين في حياتهم، وهؤلاء، لا أثق بهم جميعاً. فانا أعيش في هذا الفندق منذ سنين طويلة، وأعرف انهم كذّابون. فهم يخفون شيئا ما، ومعظمهم مخرفون هرمون لا يملكون غير ما تبقى لهم من خيالٍ وذكريات يقتاتون عليها.

(حمزة) الذي يسميه الآخرون (أبو عروبة) كان صارماً زيادة عن اللزوم، يخفي الكثير من عقد طفولته القاسية، تفرق أولاده وهاجرت زوجته الى السويد خوفاً من انفجارات بغداد ومن السعالي التي تجوب الأحياء ليلاً بحثاً عن طريدة لا تجيب إجابات صحيحة، وسعياً وراء تلك الفريسة التي تقول انه من هنا في الوقت الذي يجب ان تقول فيه انها من هناك، او تقول انها من هناك في الوقت الذي تكون فيه الإجابة الأخرى هي الإجابة الآمنة.

لذلك بقي وحيداً، يعيش في هذا الفندق الذي كان يراقبه ويسجل سكنات نزلائه ايام شبابه حينما كان يعمل كمفوض في جهاز الأمن.

كان يبدو غامضا أحياناً، ومريباً بالنسبة لبعض النزلاء، خصوصاً انه نذر نفسه ليكون عيناً تتولى مهمة مراقبتنا، فهو مهووس بالنميمة ونقل الوشايات عن الآخرين، ومهتم بتسجيل ما تقوله الحكومة في دفتر كبير يحتفظ به دائماً، ولا أستبعد انه يضمر فكرة الاستيلاء على الفندق بالقوة وإعلان جمهوريته الخاصة، لكنني لم اهتم لطموحاته ولم أُعر تأريخه كمخبر الكثير من الأهمية بعد أصبح هرماً تفترس جسده البواسير وتضخم البروستاتا والزهايمر وذات الرئة.

 وجود شخص يعتقد إنه رئيس جمهورية في فندق مليء بعجائز غريبي الأطوار ليس أمراً غريباً بحد ذاته. الغريب هو انه صار يتصور نفسه همزة على كرسي!

أصابنا هذا التصور بالذهول. وصححنا له الأمر وقلنا له إن اسمك هو حمزة. لكنه يصر على أنه همزة.

 منذ أن رأى تلك الأمريكية الأربعينية الشقراء، تغيرت احواله كثيراً، فقد زارتنا ذات يوم طبيبة أمريكية جاءت بسيارة(هامر) لتفحص بعض المسنين المرضى في الفندق، بعد أن أتت بها احدى المنظمات الإنسانية. داعبت الطبيبة وجه حمزة الذي كان ممدداً على بطانية عطنة الرائحة، وانحنت فوق سريره ليندلق ثدياها قريباً من أنفه، وسألته عن اسمه، ثم أخذت تردد الاسم ليعتاد لسانها على نطقه، منذ تلك اللحظة وهو يظن انه همزة. 

بعد ذلك تطور الأمر لديه وأصبح يكرهني لأنه يعتقد إنني أنافسه على قلب الطبيبة الامريكية، وأخذ يقسّم أوقاته بين الجلوس منفرداً، وبين القيام بحركات لا يُقدِم عليها المسنون العاقلون، كان يستيقظ فجراً ويبدأ بأنين محمل بشحنة من الغضب والأسى ثم يقضي ساعة وهو يردد صوتاً يشبه التجشؤ ءءءء ئئئئ ؤؤؤؤ أأأأأ  ؤؤؤؤ ءءءء ئئئئ ، حتى يشعر جميع من حوله بالقرف فيرددون على مسامعه بيت شعر يقول: 

((لفاحه منه وبيه. يشلع شبابيچ  

يدرعم على الكلفات.. سكتوه.. منا...

((نقطة الحبر هذه اسقطها السارد العليم عامداً متعمداً 

لأسباب تتعلق بالذوق العام والرقابة رغم ان بيت الشاعر 

موفق محمد هذا يعد أشهر بيت شعري على موقع يوتيوب))

                                                                                                                                          

كان يصمت بعد سماعه لهذا البيت الذي يعتقد انه موجه ضده دون سبب واضح، ويحاول تسلق أحد الأعمدة مثل سحلية تسرق البيض متخيلاً العمود حرف ألف، أو يتكئ بظهره على أي أسطوانة او أنبوب او عمود كأنه يتمسك بألِفهِ المتخيل معتبراً نفسه همزة، دون ان يخشى من أن يتحول الألِف الى خازوق عملاق يشقه الى نصفين،  وأحيانا كان يتمدد فوق كل ما يعتقد إنه حرف واو، إلا أن أكثر لحظاته دفئاً كانت لحظات جلوسه على الكرسي وترك العنان لخياله سارداً تفاصيل صورة متخيلة للطبيبة الشقراء وهي تأتي مرتدية ثياب الكاوبوي لترافقه في رحلة بقطار صاخب مليء بحاملي البلطات والسواطير و اللافتات و(المزيقة) النحاسية، يسير القطار من المحطة العالمية في علاوي الحلة ليمر بمنطقة الشيخ معروف ثم الجعيفر و الشوّاكة وصولاً الى الكريمات ثم الصالحية ليصل في النهاية الى كرادة مريم.

حينما يصل بخياله الى بداية جسر الجمهورية من جانب الكرخ، يتورد خداه ويبدأ بإصدار الأوامر الرئاسية. والتباهي بأنه قائد المسيرة والهمزة الوحيدة في الكون.

حينما يئس حمزة من عودة الطبيبة مرة أخرى أصبح كسولا جداً، تاركاً هوايته المحببة في نقل الوشايات. او استشعار ليونة كراسي الصالة الوثيرة بجسده وهو يضع رجلاً على رجل. وأصبح يسرح كثيراً بخياله، فتركت مراقبته وكتابة التقارير عنه.

 وكان هذا أكبر اخطائي. اكتشفت ذلك بعد ان تحول اسم الفندق الى فندق حمزة