أنف غوغول المتمرد ام المتحرر؟

  • 9-09-2020, 19:56
  • نقد
  • 158 مشاهدة

منذ زمن ليس بقريبٍ ، وأنا اطالع بين الفينة والأخرى القصة الاسطورة ( الأنف ) للكاتب والروائيّ الروسي ( غوغول ) ، الذي تعلم ما تخفي سطورها جماعة غير قليلة من المهتمين بفنّ القصة ، حيث طريقة الوصف ( السهل الممتنع ) المشوق حتى للخطوات وحجم اليافطات ودهاليز الصّحافة .. ناهيك عن طريقة شواء الخبز وأنواع العربات وغيرها الكثير ، ودائماً أقف مشدوداً أمام هذا الصّرح الخيالي في فنّ القصة ، وأعلم أنّ الكثير سبقني في عرض وتحليل ما فيها وحاول آخرون فكّ طلاسمها والجري وراءَ اشباحها دون جدوى.

وها أنذا / احاول جاهداً عرض القصة من وجهة نظري للقارى / المتلقي ، رغم الفترة الزمنية الطويلة التي مضتْ على كتابتها وتداولها ، لا أريد هنا أن أتتبع بعض هفوات الكاتب ، فهذا الأمر معيب على من يجازف هكذا ، ولكن حضرتني نادرة تأريخية بطلها العالم ( غاليلو غاليلي ) الذي تحدّى بالدليل القاطع الفيلسوف ذائع الصيت( أرسطو طاليس ) حيث برهن الأول .. أن الثاني قد وقع في خطأ جسيم ، عندما قدم للعالم القديم معلومة مفادها أن الأجسام تسقط على الأرض حسب وزنها ، فند غاليلو النظرية وسط ذهول واستهجان أساتذته ومريديه ولكن العلم الحديث انصف غاليلو فيما بعد ، وأرجو مخلصاً أن لا يفسر الأمر هكذا ، ما بيني وبين غوغول ؟

أعتمد غوغول على الإنسان والذي شطره الى نصفين غير متساويين : أنف ترك صاحبه بطريقة دراماتيكية ، والآخر يعرفه جيدا من قرأ النص ، ولكن للحلاق ( ايفان باكو فلينفتش ) رأي آخر على الرغم من أن شخصيته لم تأخذ إلا النزر اليسير من خيال القاصّ ، وتركنا في حيرةٍ عندما اقصاه من فصول القصة ، ولم يظهر مرة أخرى إلا في سطورها الأخيرة بطريقة لا تستغفل القارئ النبه ، وبسطور قليلة يدور حوار بين الحلاق والشرطي البدين الذي يقف حارساً عند جسر( ايساكافيسكي ) ، ثم يصفُ لنا الكاتب حجم الفساد المستشري بين رجال القانون حين عرض الحلاق على الشرطي حلق ذقنه مقابل نسيان حادثة رمي الخرقة في النهر ليجيبه الشرطي :

- كلا أيّها الصديق.....هذه تراهات يحلقني ثلاثة حلاقين ، بل يعتبرون ذلك شرفا لهم....الى آخر الحوار .

تأتي الشخصية المحورية الاخرى ، وهي مساعد المستشار( كوفاليوف ) الذي فقد أنفه في صالون حلاقة رخيص ، وصاحبنا حصل على رتبته بطرائق بوساطات ملتوية ، أشار اليها الكاتب بطريقة ساخرة تذكرنا - يومياً - بأشخاص تبوؤوا مناصب لا يستحقونها و كوفاليوف لم يصل الى رتبة مساعد مستشار بشهادته أو وجاهته ، بل بسبب عمله في أجواء القفقاس المتجمّدة .

استخدم القاصّ لغة بسيطة ، لكن محكمة رغم صعوبة الفكرة ، فمن غير المعقول أن يفصل أنف عن جسد إنسان دون أن يشعر بذلك ولا يمكن لأنف أن يسير في الشوارع طليقاً دون مقومات البنية الحياتية المتكاملة ، وتبدأ النقلات تباعاً منها دخول الأنف الى الكنيسة والكاتب هنا لا يأبه للكنيسة وطقوسها ، ليصف رهبانها وعجائزها وصفاً لاذعا مضحكا .. ويرى فيها مكاناً للتسول وابتزاز الناس وحرق البخور وثمّة بون شايع بين الأنف وصاحبه .. حيث الأول متديناً عاكفاً على الصلوات والآخر يرى التدين ضعفاً في الشخصية وهروب من الواقع ، هنا تبدأ محاورة بين الاثنين للمرة الأولى منذ الانفصال فيتحدث ( كوفاليوف ) مع أنفه الذي ألبسه الكاتب سترة رسمية وقبعة ارستقراطية محاولاً اقناعه بالعودة لمكانه الطبيعي فيجد منه استهجاناً واضحاً ويرد عليه قائلاً :

- إنك تخطئ سيدي الكريم .. فأنا ملك نفسي وفي وضعي الطبيعي والى ذلك فبيننا لا يمكن آن تكون أيّما علاقة ، وإذ قال ذلك استدار وواصل الصلاة.

راح الخيال بالكاتب بعيدا جدا ولا أريد هنا أن أتهمه بتكرار فصول رتيبة في رحلة الأنف ، ولكنّ ارتداءه معطفاً وقبعة وتنقله بعربة من النوع الفاخر .. أوقف القارئ كثيراً ليس لضعف التمثيل الرمزيّ ، بل للمعرفة المسبقة بالرمز الوحيد الشبح في النصّ ، وتستمر الرحلة ويصاب ( كوفاليوف ) بالإحباط بعد الرحلة المضنية عن أنفه ، والصعوبة البالغة في إقناعه لمكانه الطبيعيّ .. فراح يطرق أبواب البوليس والذين كانوا دائماً غير متواجدين عند حلول المصائب بحسب رأي الكاتب ، فتراه يصرخ بوجهِ الحوذي البائس:

- امضْ أيّها المعتوه .

- إلى اين؟

- امضْ باستقامة .

- كيف سيدي هي الاستقامة.... هذا منعطف إلى اليمين ام إلى اليسار؟

راحت الأفكار تتداخل برأس( كوفاليوف ) وقرّر أخيراً .. أن يذهب لمكتب الإرسال الصحفي ، وهو يعلم مسبقاً مدى السخرية التي سيلقاها عند عرض إعلان في الصحافة عن أنف مفقود ، وفي حوار كلفه الكثير من الكرامة مع صاحب أحد الصحف الذي رفض بشدة نشر إعلان عن أنف مفقودٍ خوفاً على سمعته الصحفية ، وتتواصل المغامرات .. لنتعرف على شخصية جديدة يظنّ مساعد المستشار أنها السبب في مصائبه ،إنها زوجة الضابط الأقدم ( يورتو تشينيا )التي كانت ترغب بتزويج ابنتها منه ، وبسبب تهربه قرّرت الدفع بسخاء للحلاق ليفعل فعلته ، هنا وبفلسفة يدخلنا الكاتب في متاهة كان من المفترض أن تحلّ طلاسمها ساعة اختفاء الأنف وهو سؤال كوفاليوف لنفسه....

- كيف لي .. لم أشعر بالألم ؟ وكيف التئم الجرح بهذه السرعة؟

وأخيرا ياتي الخبر السعيد وهاهو الشرطي البدين الذي اوقفه الكاتب على جسر ايساكفسكي يطرق بابه وتدور المحاورة.......

- لقد عثرنا أخيراً على انفك .. أيّها السيد وهو يحاول اجتياز الحدود وكاد أن يفلت بفعلته ، ولكن لحسن حظّك كنت ارتدي نظارتي عند تدقيق أوراقه الرسمية ، وأخيراً يعود الجزء للكلّ وتكتمل صورة الإنسان ويعترف ( غوغول ) أخيراً بمتناقضات ، ويترك لمن يريد الخوض في  غمار النفس البشرية المليئة بالغموض.