أمير ناصر... سرديات الشعر

  • 28-08-2020, 14:19
  • نقد
  • 273 مشاهدة

في الشطرة، جذوة الارواح، وعذوبة حناجرها، يحسب للشعر حساب لايشبه تلك التي تحددها معالم المدن القريبة ، والبعيدة عنها، لأنها تتوسد غرافها الهامس بجرأة الارواح ما ان يجن الليل، وتستكين الخطى، يقتعد النهر الموغل في القدم ، جرف احلامه، ويطلق حمايم القصائد والاغاني، والمواويل، فتتحول الظلمة الدامسة المدلهمة، الى كوانين حكايات، ترفل خارج المألوف واعتياديته، تمنح المصغين، والاولاد منهم على خصوص الفكرة، اسئلة، تظل تلاحقهم اينما مضت بهم الخطوات، وسعت بهم الايام، عند تلك التراتيل والتهدجات الاقرب الى روح كيش ولكش، كان يجلس أمير ناصر، الولد الانحل من عود قصب، والاهدأمن حلم، مراقباً هموم الحناجر وهي تنسكب، بدلال التفاخر، يتمنى أول صباه، لو انه صاركائناً فضائياً، يمخر عباب تلك الكويكبات الاصفة، ويمنح القمر اسماً اكثر بهجة ومسرة، في الهناك الشطري، يمكن اكتشاف المرامي والمقاصد والرغبات بسهولة، ويمكن للبياض مراققة النفس وهي تدون اول هواجسها دون اعتراض، اكتشف امير ناصر، خبصة الشعراء اولاً، ورحل مع الستينيات متأملاً الجدل والتحزب، واللالغاء، والشطب، توجس خيفة اول مره، لانه سرد وجع السياب ومحنته، وتلمس هذيانات نازك الملائكة، وشطحات البياتي، وبلند، وحسين مردان، اراد الفرار من وضوح الكوابيس، لكنه تمسك بالسؤال، مالشعر.. والى اين للشاعر يمكن ان يصل... وماغاية وصوله.. والشطرة اضيق من راحة يد، ارتمى بين احضان الارث السومري، متفحصاً اهازيج المعابد واغاني البلاد التي حاولت تمجيد الرجل الذي لم يترك ولداً لابيه، ولا بنتاً لأمها، شطب على وعي الحاضر كلياً ، ولم تعد الومضات اليومية تغريه، ظل لزمن يتابع خطوات الراحلين الى حيث انانا وعالمها السفلي، ماالذي يدونه الشعر، مازج امير ناصر، بين زمنيين، بعيدين واكثر من ارث، تقرأ في نصوصه التي تقترب من السرد، حكايات وثيم ارثية، وببطء يمنح متلقيه دفقات متتالية من وجع الايام وانكسارها، فيغدو نصه الاقرب الى الفعل الترتيلي الملحمي، التكرارات الدلالية تسحر نصه، وتمنحه اضاءات لاتوجد في نصوص مجايليه، من شعراء المدن الاخرى، يدقق في مسافات اختياره، ليرسم لحظة الانطلاق العظمى، والتي تجره بقوة اللغة الى حيث الابتعاد كلياً عن عموميات الشعرية العراقية، لهذا لم تستطع اشتغالاته النصية، من التأثير كلياً في الوجدانية العامة، لا يبتهج الا حين يجد متلق خاص يفهم ويتفحص ويدقق في النص ومعالمه وخباياه، الشعر لدى امير ناصر هما معرفياً، ومعمارية وجدانية، لهذا لايصلح لمنبر يضج بالصراخ والتصفيق، يحتاج حديقة تاملأت مسترخية، ليغور في كهوف القول الانصع، بأتقان ربما يكون مقصوداً، يركب امير ناصر صوره الشعرية، مانعاً نفورها وتنافرها، يمنح المشهد فلسفة حركية خاصة به، دون ان تتزاحم تلك الحركية او تتصادم مع مشهد آخر، قد يبدو نافراً، لكنه ومع تفكيك لحظات التلقي يبدو مثل ساند جمالي يوصل الى الغاية والقصدية، ذاك هو السر الذي جعل من أمير ناصر، نصاصاً من عجينة سومرية، هي الاقرب الى تراتيل المعابد، وثملات الارواح الباحثة عمن ينقذ فكرتها الانسانية العامة، لملفت حقاً، اننا كثيراً ما نتحدث عن التجديد والحداثة، والمغايرة، وكثيراً ما نجلد ذواتنا غير المبتكرة، صابين جام غضبنا على تلك المسافات الفيسبوكية التي حرقت اخضر الشعر ويابسه،وحين نكتشف مغايراً يسعى الى الابتكار، نبني عند حدود وجوده جدراناً من الاهمال والتناسي، لاتحبذ النقدية العراقية الكسولة من طرق ابواب نصوصه، وان فعلت فبخجل شديد، واختصار اشد، وربما بعض القسوة التعليمية والانطباعية التي لاتفيد بشيء، الشطرة واميرها الناصر للشعر، سيظلان دوان العراق الشعري المجدد، وهذا فعل رائع وجريء!!