(التَسْــتري*) حائط الإشارية الملون بالمطلق

  • 4-09-2020, 23:41
  • نقد
  • 312 مشاهدة


المقدمة:  تستهل القصة بان تكتبها على الحائط أولا، لإيلائها الاهمية اللازمة التي تُخرج لها مقاطع المشاهدة بصورتها المقاربة؛ لفكرة الطرح المقالي بخصوصها.

المشهد الأول: أحدهم يستدعي الذكريات المتكورة بالأحلام واليقظة وأول اضطجاع (الجاثوم ) ليجلس قبالة الروح، ويشرب نخب أحد المصلوبين.

المشهد الثاني: كانت الباحة ُ/المكان من شارك الموحى أليه أول الخروج من الجسد، عارجا ً الى النخلة القريبة من جدول الماء المنسي ! .

المشهد الثالث: الذي أخبرنا أن ما تبقى من العهد القديم ، قد دُقّ على الحيطان، التي تناقلت المعلقات وشيء من " ... أنك كادح الى ربك كدحا ً فملاقيه ."

الكواليس:

مفتاح التنوع في الكتابة، داخلها وخارجها، وما فيها من التأويلات التي تفتح مصراعي الناسخ والمنسوخ من الهواجس والخوالج التي تستدعي لحظتها ؛ لخلق حالة من التجلي في البوح ومبتدعات هذا البوح، فارضةً رؤيتها الخاصة التي تتخذ من الفكرة ونبلها معراجا ً خاصا ً جداً قد استفتى القلب بنية التوحد بالفكرة، لاستنطاق مطلقها الذي يؤوّل له الموت، وطرق الموت سُبلاً لابتداع طرقاً خاصةً ترفد القلب المتخم بالأرض، لحنا ً تمتزج به سلالم النغم المثقل بالطيور وكرب النخيل التي تستدعي بوحا ً ما، تمتزج فيه شطحات تتداخل مع الواقع، مبيحة ً استدراك المرويات بأطرٍ لها حصرية الحكاية  :

** ((يقول لنفسه: أنا أهوى الصيد، ولا أشك في ذلك. بيد أنه هو الذي يُصطاد باستمرار... ولم يكن يود تشريط ذاكرته...  هي يوم من شهر يقع في أول الربيع، حينما يدمع كرب النخل، يهجس الخطى – خطى ثلاثة رجال، تقترب منه... ثم تطلق من ماسورة مزدوجة لبندقية صيد، طلقة، اثنتان، ثلاث، فيحس اصطدام رأسه بالتراب، ثم يرفسه أحد الثلاثة على خاصرته، ويطلق الأخير شتيمته المعهودة: ابن الكلب، ويرحلون.)) ** .

تتجسد حالة القص الذي يتشبع بالأنسة، والمتشبعة بدورها مع مدى فاعلية الآثر الجمعي في الوجد التوّاق الى الانسلاخ من هذا الآثر؛ كونه في حضرة مخاطبة الروح التي من اساسيتها تجليات العقل/القلب الذي يفل عقد حبال الاعتقاد التي تتخذ من (الجمع) حالة بقاء، واستمرار يتيح لها الاطمئنان الذي يغنيها، ويعصمها من تعب السؤال، ولذة الشك وأعياءه!! . لذا يبوح من خلال الكلام الوصفي؛ الذوبان في مرآة العقل/القلب التي تألف بشدةٍ الأصوات القادمة من جهة التوق، والأثر الوجداني (المنفرد). تلك الاصوات التي تنساب داخل الاذان القلبية كمفاتيح لاغان ٍ ، تراتيل ٍ، أو ربما استغراق ما يحيله بلغة التعابير الجمعية، الى  كم لبثت؟!!  قال: يوما ككل يوم من صياح الديكة في اغباش ( المواطن ) :

** ((يتذكر، بل إنه لمتأكد الآن تماماً، أنه نظر الى وجهه في المرآة: هذا هو وجهي بالتأكيد: وجهي الذي يشبه لحم سمك الجرّي بعد سلخه. ولاحظ عينيه تطلان من فتحتين مدورتين مثل فوهتي الماسورة المزدوجة لبندقية الصيد، مغطاتين بأجفان بلا أهداب. لم يكن مجذوماً إلا أنه يبدو كالمجذومين. وأخذ الأولاد يصرخون خلفه – مجذوم... لكنه سمع أحد سائقي السيارات يتساءل: "عجايب.. يصير أن هذا الرجل هو المواطن ع-التستري..؟"-...)) **

هنا يتأتى للقص ان يجد مكنوناته ملقاة على حوافِ الطريق المؤدية الى الرغبةِ، وصدق الانفعال الباحث عن قصصه الجالسة قبالة المارة في انتظار عودة الرحيل الساعي لحاجة ما . تلك مدلولات الأخبار، بان هناك طوارئٌ تضطر النظر الى البقاء داخل وخارج المألوف، مع انقضاء حوالي عدة زمانياتٍ من المفاجأة. حيث تخلق الرغبة داخله ايجاد المكانات التي تحاكي قصصه التي تتبادل وأياه بــ : (هو) و (هي)؛ لأنه يحاول أن يعطي هالة القص ضوؤها الأخضر لتُخَط مصطلحات، وحصريات لها أن تبعثر أطواق القداسة، وتغّلق الابواب بشمع أحمر بلون المساءات، ممنعة ً اياه أي سماعية لابتذال الناس، كون الانسان في أحايين النبل، وفرح الغايات يصارُ بشيراً، نذيرا :

** (( هذا هو التستري كان قد وصل الى قرية... في يوم يقع في أول الربيع ،فتنفست الأرض أزهاراً برية.  لف جسده بعباءته وسارع في خطوه، وأخذ يدلف من زقاق الى زقاق، وكان ضجيج الأولاد قد نبه ربات البيوت الى هيئته الغريبة، فأخذن ينظرن اليه من الأبواب المشرعة والنوافذ المفتوحة ويتضاحكن أو يشاركن الأولاد صخبهم. أما العجائز اللاتي كن يعرضن شعر رؤوسهن للشمس فقد دخلن البيوت مسرعات... ))**

ما الذي يُتدارك، عندما لا تزال الوجهة ُ صوب الاعتزال قد اتخذت مدلولات الانسان/الاعتزال/الباحة التي استراح فيها عله يحظى برؤية لتلك الهالات اللاتي تجمعن بضجيج الفكر مع ضجيج من لم يعرف – للأن- علام يردد ( مجذوم ... مجذوم)؛ ليتجلى له الشكل، كعبقرية للقصِ الذي استدعى شحطة ما تمخضها شرود الفقد ، والتوق ، كأول واسطة ٍ لتفسير السُبلِ، والخلجات التي يترجمها الانعكاس/الباحة/الانسان/الاعتزال داخل النفس التي تؤكد الدعوات، والتي تبغي دلائل التشابه اللحظي الذي مؤداه الانسان، وبداهة الالوان التي شكلها اللاوعي المثقل بالوعي. يرادُ به الاستعانة به ، لتأكيد خلجات القصص :

** (( واستطاع أخيراً أن يدخل مسجد القرية الذي صادفه في نهاية زقاق... أخيراً استرحت... هنا، في زاوية المسجد المشمسة، مع الراحة المفاجئة، والشعور بالأمان المؤقت، كانت امرأة – شبح امرأة، ترفعه من كتفيه وتسند ظهره الى الحائط. لم يعترض. ... فاستلت المرأة- الشبح من وسطها نصلاً طويلاً وأخذت تشق صدره وبطنه... امرأة شبحية، تضحك، فيما الدخان الأبيض – الدخان خلفها يتفعى - ... )) **

كان السائرُ المتجلي بالمحاورات التي تستجمع عدة خيالاتٍ في خلق الرؤى المشبعةِ بالأسطورة الاولى، يماهي فيها تحولاته النفسية، متخذا ً ازاحات يألفها كدائرية لاشتقاقاته المبينة بحبكة ٍ ودراية ٍ ،  لدخول المحاورة التي قص بها رؤياه على الشيخ/النفس، والتي تستحضر حالتين يتداخل فيهما المسير باستدعاء -كما استدعيتها- تجليات تتخذ من مساحة المتخيل/القصصي/(التَسْــتري) الذي يستدعيه ويستدعيها الازاحات التي تركها (الغريب) و (المعطف) ، لان المسيرة التي اتخذها الغريب " ادركت حينئذٍ انه اذا عاش رجلٌ يوما ً واحداً في العالم الطليق، فأنه بعد ذلك يستطيع ان يعيش في السجن من غير صعوبة، مائة عام وان يستعيد ... من الذكريات ما يتيح له التغلب على ما شاء من الضيق ... "1 . أما (المعطف) فتذهب كما استجمع ازاحتها، ليعبر بها جسراً بناه فوق الموج القصصي (فرانك أوكونور) الذي اراد به مكاشفة الانسان في الملاحم القصصية، الباحثة عن الأنسنة للقلوب المبثوثة بالنكران "اذا اراد الانسان بديلا ً يصف فيه معنى القصة ... فمن الصعب ان يجد احسن من نصف الجملة الوحيد الذي يقول : فمنذ ذلك اليوم بدا انه كل شيء له وكأنه يتغير، ويظهر في ضوء جديد" / " أني أخوكم !"2 :

** ((...قال ع-التستري في ذاته:

"قم توضأ، وتعال نصلي معاً"

- لا أعرف

"إذن ماذا تعرف...؟"

أخذ الشيخ يرسل اليه عينين متسائلتين

"أنت.. أمعقول أنت لا تعرف الصلاة"

- نعم.

- "وقلبك؟"

-  اتبع نداءه.

- "أنت تعرف الطريق الى الحق".

- الحق؟

- "نعم.. أفي ذلك ضير؟"

- لست أدري.

- "أنت غريب".

وألح الشيخ.

- "الغرباء دائماً أصدقاء الحق".

- لأنهم يعرفون الأسرار.

ابتسم الشيخ:

- "من أي البلدان أنت...؟".

- لم أعد أتذكر

يا ولدي ما عملك؟".

- جوال.

- "لم أرغمك!"

- قلت جوال.

وضحك الشيخ بصوت مسموع:

- "فماذا رأيت يا جوال؟".

- رأيت كل شيء. وعرفت السر. ومن هنا ابتدأت المشكلة. رأيت استواء العز والذل والمنع والعطاء. أردت أن أقول له...لكنني إذ ركزت بصري في وجهه، رأيته مثل لون لحم سمكة الجرّي بعد سلخها، وقلت في نفسي.. أهذا تستري آخر... )) **

"على القصاص ان يبحث دائماً عن وجوه أخرى في الوجه الذي يقبله المجتمع من حياة الفرد، تمكنه من كشف فحوى ذلك الوجه"3. فهو في (إشارية) المعنى التي استحضرت كل الكامن مع  الأفق/المطلق، وفوق القابع تحت المطلق/الأفق؛ قد استحضره التشرد ،والسفر، والتمني، والاستذكار، واصلاح ألعاب الاطفال المهرولين بــ (مجذوم ، مجذوم...)، وأرضية المنزل بأبعاده المحددة بالنخل، وأبراج الحمام التي تكاثرت (بسرعة)، ربما أن أكسير التستري قد فعّل غريزة التوق لدى الحمائم؛ لتبهج السماء – الملبدة بدخانات مصفرةً ، ومحمرة ً، وصوت رصاص- بألوانٍ بيض تخلق روعة ما ، في قلب تشبع هو فيه ، ليعرف أن الباب قد خُلعَ بقدم تكره (الكدح) ، لان في الكدح لقاء الاحبة. ليستريح مسندا ً ظهره على اريحيةِ ألم (السـِـرْ) ليميت، ويحيي ما يشاء في دنيا عرضها القلب . لكن صوت يصرخ في السطور، وواقع السطور :         

** (( - "أنت ع – التستري..؟".

- "أنا".

- "وكنت في السماوة والموصل؟".

-  "أنا".

- "وقبل ذلك في النجف..؟".

- "أنا".

- "لكننا قتلناك قبل ذلك في قرية السلام وقلعة دزّه والحي".

- "أنا".

وصرخ أحد الثلاثة:

- "هذه المرة سأسلخ وجهه".

...

- "مرة أخرى.. يا تستري".

قال أحدهم:

- "أنت ع – التستري".

- "نعم أنا هو."

شقوه من الصدر حتى البطن واملأوا الجوف بالتبن و. و. الخ.)) **

الخاتمة: صوت من وراء الكواليس يصرخ " ان هذا الصمت لهذه الآماد النهائية يرعبني "4!!

 -----------------------------------------------------

الهوامش:

*قصة من مجموعة " اليشن /الثلاثية الثانية. للأستاذ الكبير جمعة اللامي.

 ** مقاطع مختارة من القصة

المصادر:

1.     ألبير كامي (1982)، الغريب، المكتبة الثقافية لبنان- بيروت.

2.     فرانك أوكونور (1993)، الصوت المنفرد مقالات في القصة القصيرة، ترجمة د. محمود الربيعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

3.     ن. م

4.     ن. م