الرئيسية / الرحيل الدائم

الرحيل الدائم

" الرحيل الدائم "
أزهار الأنصاري / العراق
بكلمة واحدة يمكن أن تختصر كل الحكاية، بكلمة واحدة يمكن أن نلخّص ما تكدّس في الروح من تجارب وما حفرته الأيام في وجوهنا من تجاعيد وما أورثته الليالي من حكمة، بكلمة واحدة نستطيع أن نواجه العالم كله ونردّ على أسئلته المحيرة، " إنها تمضي" ، تلك الجملة التي تبدو بسيطة لكنها أثقل من أي كتاب وأعمق من أي فلسفة، إنها المفتاح الذي يفتح أبواب الغموض ويشرح معنى الوجود بأبسط العبارات. الحياة تمضي، تمضي رغم دموعنا، رغم الفقد الذي يقتلع القلب من جذوره، رغم الخيبات التي نغرق فيها كمن يغوص في بحر بلا قرار، تمضي رغم آمالنا الكبيرة التي لم تتحقق ورغم الأحلام الصغيرة التي تركناها على حافة الطريق، تمضي وكأنها لا تلتفت إلينا كأنها تسير في صمت عنيد وتقول لنا دون أن تتكلم، أنا لا أنتظر أحدًا ولا أعود إلى الوراء، لا أستطيع أن أجمّد نفسي احترامًا لدموعكم ولا احتفاءً بضحكاتكم، أنا ماضية فامشوا معي أو ابقوا في أماكنكم لكنني لن أتوقف. نظن أحيانًا أن لحظة بعينها هي كل العالم، لحظة الحب الذي يهزّنا من الداخل، لحظة الفقد الذي يتركنا فارغين، لحظة النشوة حين يتحقق شيء حلمنا به طويلًا أو لحظة الانكسار حين ينهار كل شيء دفعة واحدة، نظن أن تلك اللحظة ستمكث معنا للأبد وأنها ستظل كما هي بلا تغيّر غير أن عجلة الزمن تسحق كل شيء، تمضي اللحظة كما تمضي التي قبلها تتراكم الذكريات لكن اليوم الجديد يأتي كأنه لا يعرف ما جرى البارحة، تمضي الشمس لتشرق من جديد دون أن تبالي بما حدث تحت نورها الباهت في الليلة الماضية. وال  " تمضي  " لا تعني أننا ننسى، فالنسيان خرافة لكنها تعني أننا نحمل ذاكرتنا معنا ونمشي، نحمل موتانا في قلوبنا ونواصل العيش، نحمل وجعنا ولا نكف عن العمل، نحمل خيباتنا ونسمح لأنفسنا أن نحب مرة أخرى، نمشي مثقلين ولكننا نمشي، نجرّ أرواحنا المتعبة فوق تراب الأيام ومع ذلك لا نتوقف لأن الحياة لا تمنحنا خيارًا آخر إما أن نمضي معها أو نموت واقفين في مكاننا. هي لا تسألنا إن كنا مستعدين، لا تعقد معنا اتفاقًا على الموعد، لا تضمن لنا شيئًا كاملًا، كل ما تقدّمه هو أجزاء متناثرة من الفرح والحزن والنجاح والفشل، فتعلّمنا أن نقبل الناقص، أن نرضى بالجزء ، أن نصنع من الشقوق ضوءً ومن الانكسارات بداية جديدة، أن ندرك أن اكتمال الصورة وهمٌ وأن الجمال الحقيقي هو في القدرة على الاستمرار رغم كل شيء. الحياة تمضي كقطار طويل نحن ركابه، نبدّل المقاعد أحيانًا، نمدّ وجوهنا إلى النوافذ فنرى مناظر تدهشنا ثم تختفي، نلتقي غرباء في الرحلة نتعلق ببعضهم ونفقدهم عند المحطة التالية، نفرح أحيانًا ونحزن أحيانًا لكن القطار لا يعرف التوقف، إنه ماضٍ نحو وجهته الأخيرة وكل ما علينا أن نفعله هو أن نستمتع بالمشاهد قدر ما نستطيع وأن نمنح قلوبنا فرصة للفرح حتى في أكثر الطرق ازدحامًا بالخذلان , أعظم حكمة يمكن أن نحملها في أعماقنا هي أن نتصالح مع هذا المضيّ، أن نكف عن سؤال الحياة أن تنتظرنا، أن نقبل أن اللحظة مهما كانت مبهرة فهي عابرة، ومهما كانت قاسية فهي عابرة، أن نعيش بصدق، نحب بلا حساب، نعطي بلا خوف، ثم نترك الأشياء تمضي كما تمضي جميع الأشياء، فنحن لسنا سوى عابري سبيل والوجود كله ليس سوى عبور. إنها تمضي وستظل تمضي ولعل تلك هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن نتجادل حولها، الحقيقة التي تجعلنا ننهض كل صباح ونسير رغم كل شيء لأنها ببساطة لا تعرف غير السير وتمضي .

اليوم, 13:26
عودة