الرئيسية / جماليات المونتاج والتبئير الفرعي في (دودة قبر سياسي) للروائي احمد إبراهيم السعد

جماليات المونتاج والتبئير الفرعي في (دودة قبر سياسي) للروائي احمد إبراهيم السعد

جماليات المونتاج والتبئير الفرعي في (دودة قبر سياسي) للروائي احمد إبراهيم السعد

 

 

د.حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي) 

 

 

 

تمثل تقنية المونتاج السردي في الرواية من التقنيات الجمالية التي تعتمد تقطيع الاحداث ودمج المشاهد المتباعدة على المستوى الزمكاني في محاولة لخلق تشويق درامي ، وذلك يتمثل بصورة كبيرة في رواية الصديق المبدع الروائي البصري المميز (احمد ابراهيم السعد) والموسومة (دودة قبر سياسي)  الصادرة عام 2026 عن منشورات اتحاد الادباء والكتاب في العراق ،وتمثل المونتاج في هذه الرواية عبر (القطع) و(المزج والتداخل) واستدعاء (الذكريات) بطريقة استرجاعية ليست فائضة بل ضمن بنية السرد الروائي المتكاملة فيتداخل الزمن الاسترجاعي مع اللحظة الراهنة، ان السعد وفي اسلوبه الروائي يذهب الى تقطيع مسارات الاحداث مما يولد الترقب والتشويق فهو يلخص الازمان الاسترجاعية ذلك للوقوف على اللحظة التاريخية المهمة (بالإشارة الى المدون التاريخي ضمن بنية سرديته في هذه الرواية) ضمن ما يتاخم مع بنية السرد التخيلية في هذه الرواية فيتداخل ما هو تاريخي ماضوي مع التخيل السردي في متن احداث الرواية بطريقة واصفة جميلة تعبر وتعلق وتقدم وتؤخر في متن الحدث في سبيل صناعة المتعة الدرامية في سير الحدث السردي، وذلك يفضي الى ايقاع من نوع خاص يشبه الايقاع السينمائي في ترتيب وتنظيم المشاهد في اللغة السينمائية ، ويمنح هذا الاسلوب للمتلقي لذة من نوع خاص في عملية انتاج المعنى وربط الافكار وتفسير الدلالة واستخلاص ما يرمي له السارد وان يعيش القارئ حالة من حالات التشويق المستمر فاحمد إبراهيم السعد في روايته هذه قدم السهل الممتنع في (الحكاية) وغرابتها وطريقة بنائها الا ان التعقيد يكمن في شخوصها وبنيتهم المركبة على امتداد احداث الرواية ومشهدياتها : (ضريح الشيخ داود النمر، تغريد، ادم، رشيد، عبدالوهاب، زينب الفضل، جونز،المعربية،الشيخ بدر) وهذا التعقيد حاول الروائي ان يكسر حدته عبر(التبئير الفرعي) فكسر من رتابة الحدث الاحادي وجمعهم في الأخير ضمن بوتقة سردية واحدة، فقد قدم السارد في رواية (دودة قبر سياسي) بؤر الشخصيات الثانوية، وبئر الحكايات المتولدة (بخاصة فيما يتعلق برسائل المقام، واساليب الاسترجاع) ، وكذلك بؤر مكانية وزمانية موازية، حاول السعد في هذه الرواية لتأجيل بؤرة الحدث الرئيس مقدمًا البؤر الفرعية بطريقة مونتاجية سردية جميلة، من خلال الادماج والربط والانتقالات عبر المونتاج والاسترجاع، وتعددية الاصوات ،حاول السعد في هذه الرواية اللجوء الى المشهدية التاريخية ولكنه دمج تلك المشهدية بطريقة فنية ربطت بين الواقعة التاريخية والمخيلة السردية بما يخدم (البؤرة الرئيسة) التي انطلق منها الروائي ، وفي بعض الاحيان كانت تلك المشهدية التاريخية تكشف المضمر والمسكوت عنه في تاريخنا الماضوي واثره كنتيجة واقعية على لحظتنا الراهنة وتشكل حياتنا المعاصرة، تمثل اعادة قراءة الواقع بقصدية روائية عملية تفسير وتأويل ما يجري في الواقع الحياتي المعاصر: (المذيع يعلن مقتل رئيس الوزراء نوري السعيد في احد ازقة منطقة البتاوين في بغداد، بعد تنكره بثياب امرأة، وان الزعيم عبد الكريم قاسم أمر بدفنه في مقبرة الباب الشرقي غير ان نفوسًا عابثة ، تمكنت من استخراج جثمانه وقامت بسحله مربوطًا في شوارع بغداد/ ص122). ان دلالة (العضو المبتور) في هذه الرواية لم يمثل عاهة جسدية وحسب بل اصبح رمزًا مركزيًا في هذه الرواية لما حمله من دلالات نفسية وسياسية وفلسفية تمثل الصراع والانكسار والخيبة وابراز القوة والنقص ففي رمزيته السياسية وبرؤى ما بعد كولونيالية مثل هذا البتر رؤية دلالية الوطن الذي تم تقسيمه وتجزيئه وفقد الهوية والتعري السيكولوجي،حضور الأيروسية  Eroticism بصورة كبيرة في هذه الرواية دلالة سيكولوجية لتسبر اغوار النفس البشرية (وحركيتها) ازاء الاغيار والمحيط، وازاء الذات  ، وازاء البوح ، فقد حاول خلالها السارد ان يقدم رؤية نقدية اجتماعية وضمن نسقية التأويل فهي محاولة التمرد على الانظمة السائدة والقمعة وهذا التمرد اللا واعي قابع في مخيلة السارد وهو يقدم رؤية انتقادية ثورية ضد البنى المجتمعية المتهالكة ويحاول ان يفككها عبر سردية الصراع الداخلي (للمجتمعات المقهورة)، وهو يصور في سرديته الأمكنة المعادية واثرها السيكولوجي على شخوصه ، تارة وأخرى يعري الدستوبية بما فيها من أنظمة حياة ودينامية يومية لا يمكن ان يتواشج معها الفرد، كما مثلت مشهدية (الخمر) المتكررة في هذه الرواية اداة للتداعي والبوح واسقاط الاقنعة من خلال مخامرة العقل لكسر القيود السيكولوجية والسيسولوجية في عملية تداعي البوح والانثيال الذي تلجأ له شخصيات هذه الرواية في مونولوجات داخلية ذاتوية تكشف عن انويتها ودوافعها ورؤيتها للاخر، اذ استخدم السعد اساليب سردية متنوعة ومختلفة من حيث حرية التنقل بالزمان والمكان ، والابتعاد عن المباشرة عبر تعميق ما هو درامي في السرد غير الخطي كما ان السعد وبلغة درامية مميزة حاول الجمع بين السرد الواقعي والرومانسي والساخر في ان واحد وبعض الاحيان يطعم هذا بسرد تاريخي من مرجعيات المدون التاريخي السياسي ، وكل ذلك عمق من مشهدية الشحن الدرامي في الرواية وبخاصة في أسلوب التقديم والتأخير المعتمد مما اضف جمالية من نوع خاص على التشويق والرمزية وبناء الحدث القادم في متن هذه الرواية، حملت هذه الرواية بكل ما تحمل من مشهدية لكسر ثالوث التابو (السياسي،الجنسي، الديني) عبر اداة نقدية اجتماعية واضحة لكشف زيف الخطابات السلطوية المهيمنة سواء اكانت تلك الخطابات (استبدادية بحمولاتها السياسية والأنظمة ومآلاتها، او ايقونية مقدسة ضمن خطوط حمراء لا يمكن مناقشتها كما في رمزية ضريح الشيخ داود النمر ودلالة رسائل النسوة وشخصية رشيد وبعدها السيكولوجي في تخيلاته الشيطانية (السرانية) التي تتناقض مع شخصيته الظاهرة لعامة الناس، او من خلال تابو الجسد وما مثله من دلالات رمزية مجتمعية من خلال مشاهد الايروس التي مثلت البوح الذاتي والاعتراضية الناقدة كما اشرت) في المعنى الدلالي السياسي المؤلف أراد ان يقول ان الأنظمة الدستوربية الفاسدة المجرمة لا تفضي الا الى مجتمعات ناقصة ومريضة نفسيًا وافراد غير اسوياء هم نتاج الحرب وسقوط تلك الأنظمة المستبدة في كل شيء وهذا تمثل في مشهد ولادة (رشيد) على مقصلة الإعدام ، فالسارد في هذه الرواية قدم نقده الواضح لماكينة الحرب وصناع الموت المجاني والأنظمة الفاسدة (( في الحرب فقدت بصري لأكثر من شهر انفجرت قنبلة قريبًا من وجهي: التأمت الجروح وغاب البصر. اكثر من شهر وليته الدهر كله، عشت الظلام الذي يجعل قلوبنا وعقولنا تهجع/ص164).وفي مفصليات عدة من الرواية كان صوتًا ناقدًا لهذه المنظومة (السياسة الفاسدة، السيطرة على عقول الناس بالوهم، الحرب وصناعها، الخ...).

 كما ان دلالة القبر الجماعي رؤية فرانكشتانية في استعارة تمردية ومحاذير اخلاقية وفلسفية في التلاعب بمنطقية القوانين الطبيعية للجنوح الى العبث والجنون بطريقة عجائبية وغرائبية (من مرجعيات الواقع العراقي) وهنا تكمن المفارقة بان هذه العجائبية والغرائبية أصبحت من الممكنات في بيئة الحياة العراقية نتيجة الحروب والقتل المجاني وغيرها ، ليقدم السارد نهاية فنتازية ساخرة بطريقة المفارقة ليكشف عن تصدر القبح والزيف والاوهام على المشهدية وهي افضاء لمعطيات متن الرواية منذ البداية وحتى الخاتمة فما جرى نتيجة حتمية لما سيؤول اليه مصير (تغريد، رشيد) وهي نهاية اشبه بالكوميدية السوداء، اعتقد ان الرواية هي ضمن سلسلة المبدع البصري احمد إبراهيم السعد ضمن مشروعه السردي الواضح وخطابه الادبي المتميز والذي يستحق الدراسة والبحث ، وهي دعوة صادقة لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مجال الادب السردي لتبني دراسات اكاديمية لتحليل الخطاب والانساق الثقافية والبنى السردية لمتون هذا المبدع البصري.

أمس, 15:00
عودة