- فرويد في الحزن والكآبة -
دراسات في علم النفس
الكآبة:
هي تعكّرٌ عميق ومؤلم في المزاج، مصحوب بانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي نتيجة فقدان القدرة على حبّ الهدف أو التعلّق به، وتعطيل أي إنجاز، مع الحطّ من شأن الإحساس بالكبرياء. ويظهر ذلك في لوم النفس وتأنيب الضمير وامتهان الذات، وقد يتصاعد حتى يصل إلى شعور جنوني يتوقّع فيه الفرد حدوث عقوبة ما.
أما الحزن فيُظهر أعراض الكآبة نفسها تقريبًا، باستثناء عرض واحد، وهو خلل الشعور بالكبرياء؛ إذ يظلّ الإحساس بالكبرياء سليمًا في الحزن.
مصدر الحزن والكآبة واحد، وهو فقدان الهدف؛ سواء كان هذا الهدف حبًا لشخص، أو مشروعًا، أو أيّ اهتمام آخر يوظَّف بوصفه غاية. ويؤدّي ذلك إلى فقدان القدرة على اختيار هدف جديد يعوّض المفقود، ومن ثمّ العجز عن تحقيق أي إنجاز لا علاقة له بالهدف المفقود. وهنا يحدث كبح للأنا وتقييد لها بوصفها تعبيرًا عن الاستغراق في الحزن، فلا يبقى شيء للأهداف والاهتمامات الأخرى..
- كيف ينشأ عمل الحزن؟
عندما يكشف الواقع أنّ الهدف لم يعد موجودًا، يتمّ إقصاء الشهوة من جميع الصلات المرتبطة بهذا المشروع. إلا أنّ الإنسان لا يتخلّى عن حالة الشهوة بسهولة، حتى لو ظهر بديل آخر. وقد يكون الرفض قاطعًا، فينشأ عنه موقف الإعراض عن الواقع والتمسّك بالهدف نفسه عبر التمنّي النفسي القائم على الهلوسة. لكن هذه العملية لا تُطبَّق فورًا، بل تُنفَّذ تدريجيًا بعد بذل الكثير من الوقت والطاقة؛ فيظلّ الهدف الغائب قائمًا من الناحية النفسية فترةً من الزمن، ثم تتوقّف كلّ ذكرى منفردة وكلّ توقّع مرتبط بحالة الشهوة المتّصلة بالهدف. عندها يظهر الألم، ثم الاستياء منه. غير أنّ الحقيقة هي أنّ الأنا تتحرّر بعد إتمام عمل الحزن، فتغدو طليقة مجددًا.
- الكآبة مقابل الحزن
يمكن تطبيق الأمر نفسه على الكآبة، لكن الفقدان فيها يكون أكثر تعقيدًا؛ فهو ليس فقدانًا لشيء ذي طابع واقعي فحسب، بل أيضًا لشيء ذي طابع مثالي. فالهدف لم يمت عمليًا، بل ضاع. وهنا يميل الإنسان إلى التمسّك بالشيء الضائع دون أن يعرف تمامًا ما فقده؛ إذ هو يعلم الفقدان دون وعيٍ تامٍّ به، على عكس الحزن الذي يعي فيه الفرد كلّ شيء عن الفقدان.
الحزين يرى العالم فقيرًا وخاويًا، بينما الكئيب ـ إلى جانب ما سبق ـ يعاني من انتقاصٍ لا محدود من إحساسه بالأنا، ومن الفقر الذاتي، فيصف نفسه بأنّها غير جديرة بالاحترام، خاملة، ودنيئة أخلاقيًا. ويكيل الكئيب التهم لنفسه ويحطّ من شأنها، ويعتذر للجماعة لأنهم مرتبطون بشخص مشين مثله. وتكتمل صورة جنون الصغائر (ذي الطابع الأخلاقي غالبًا) عبر الأرق ورفض الطعام، متجاوزًا بذلك غريزة التشبّث بالحياة.
نرى هنا أنّ جزءًا من الأنا يضع نفسه في مواجهة الجزء الآخر المتماهي مع الهدف المفقود، ويتّخذه هدفًا له. وتُسمّى هذه المرجعية النقدية الضمير، وهو جانب من الأنا يعمل على مراقبة الوعي وتدقيق الواقع وفحصه.
وإذا أصغينا بصبر إلى الاتهامات الذاتية المتنوّعة لدى المكتئب، سنشعر في النهاية بأنّ هذه الشكاوى لا تتناسب مع صفات الشخص نفسه، وإنما هي في الأصل موجّهة إلى الهدف المفقود، لكنها تعثّرت وتدحرجت حتى وصلت إلى الأنا. ولهذا نراه غير خجل من إظهار دنائه لنفسه، إذ لا يأبه لما سيظنّه الآخرون عنه، لأنّ هذه الإهانات في حقيقتها صادرة عن الشخص الآخر (الهدف المفقود) وليس عنه هو ذاته.
- الكآبة والانتحار
عند غياب الهدف، يحدث عودة الاستحواذ على الهدف والعداء الموجّه إليه، فيتحوّل هذا العداء ضدّ النفس بوصفه ردّ الفعل الأصيل إزاء أهداف العالم الخارجي. ثم يحدث أن يُلغى الهدف بعد أن يثبت أنّه كان أقوى من الأنا نفسها، فيتغلّب الهدف على الأنا ويؤدّي إلى الانتحار.
- كيف تتخلى الأنا عن الهدف؟
تنجز هذه العملية في اللاوعي، وتُعبَّر عنها في النهاية بالسخط أو الغضب أو عبر التخلي عن الهدف بوصفه شيئًا أصبح بلا قيمة. ونحن نجهل أيًّا من هاتين الإمكانيتين (السخط أم التخلي) هو القادر على وضع نهاية للكآبة، أو كيف تؤثّر هذه النهاية في سيرورتها وتطوّرها. وقد تستمتع الأنا بهذا التنفيس لأنه أفضل لها من الاعتراف بتفوّق الهدف عليها.
المصدر المعتمد : الغريزة والثقافة سيغمود فرويد
زينب اليانور