الصندوق"
رأتهُ يدخلُ غرفته مُسرِعًا كعادته كلما خرج إلى الشارع أو ذهب إلى عمله. قررتْ هذه المرة أن تدخل وراءه لتعرف ما به قبل أن يُحكِمَ غلق الباب خلفه.
أسرعتْ بالدخول لترَاه واضعًا وجههُ داخل صندوقٍ صغيرٍ مُحكَمِ الغلق، وكأنه يصرخ (أو هكذا يبدو عليه) دون أن يصدر منه صوتٌ مسموعٌ. ارتبك لمّا رآها، فأغلقه بسرعة وهو يقول: "نعم نعم، أنا بخير، لم يحدث شيء". أرجعه إلى مكانه، ورمى بنفسه على سريره، مُجبِرًا عينيه على النوم.
بسيّم، الفتى الذي يعرفه الجميع بوجهه العابس، عاش يتيمًا. فقد ماتت والدته وهو طفل له من العمر سنة ونصف. لم يمكث والده سوى أربعين يومًا حتى تزوج بامرأة أخرى لِتَتَكَفَّلَ بطفله اليتيم. كَبُر بسيّم بسرعة بين صراخ زوجة أبيه وضربات والده المبرحة التي جعلت منه فتى مطيعًا حدَّ الخنوع.
صار يخشى كُلّ شيء، يسير ويكثر الالتفاتَ وراءه، أو تراه خائفًا وراكضًا طوال وقته ليقضي حوائجه، ثم يعود لغرفته. كانت زوجة أبيه كثيرًا ما تشكوه لكسله وكونه عالة على زوجها وأطفالها الآخرين، حتى صارتْ تمنع اختلاطه بهم. فقضى بسيّم حياته وحيدًا لا صديق له.
قرر والده حينها أن يأخذه إلى السوق للبحث عن عملٍ له. كلما وجد له صنعة، لا يلبث بها مدة حتى يُطرد لِشُرُودِهِ وبطء عمله وارتباكه الفاضح، وربما يذهب لحاجة فلا يعود إلا بعد ساعات، فيغيب عن صاحب صنعته. وفي كل مرة، كان يأخذ أجره ليس مالًا، وإنما ضربًا وتوبيخًا، وهو لا يحرك ساكنًا سوى بعض الكلمات التي صار يرددها: "نعم نعم، الحق عليَّ، اضربني إذا أردت". فيضطر صاحبُ المحل لطرده، فيعود إلى البيت ليكمل والده أو زوجة أبيه نصيب بسيّم من التوبيخ والضرب.
كان أطفال المدينة يعرفونه جبانًا خوّافًا من كلّ شيء، فصار محط مُشاكستهم التي لا تنتهي. فذات يوم، حين عاد إلى بيته متأخرًا من عمله الذي طُرد منه، لقيه بعض الفتية المشاغبين، فأراد أن يهرب منهم فلم يستطع. طرحوه أرضًا، وأشبعوه ضربًا حتى سال الدم من أنفه ورأسه، وهو يخفي وجهه بيديه من تلك الضربات ويردد: "نعم نعم، أنا خائف، اتركُوني"، وهو يهتز كسعفةٍ من شدة خوفه.
مرت شهور والحال كما هو، حتى جاء ذلك اليوم الذي التقاني فيه، حين كنت عائدًا لبيتي في أطراف المدينة، ممسكًا عصاي لأُبصرَ طريقي بها. أوصاه صاحب المحل الذي اشتريت منه أن يوصلني مع بعض الأغراض التي حملها بسيّم لبيتي. أخذ الطريق كله صامتًا لا يتحدث. بادرته بالقول: "هل ما زلت معي؟ فأنا لا أرى جيدًا، وقد وصفت لك البيت لتَدُلَّني عليه".
سمعت صوته لأول مرة. كان يرتجف بنبرته، ويرتعش جسده أحيانًا كلما شعر بقرب أحدهم منا. كان لا يبادلني الحديث سوى بعض الكلمات: "نعم" أو "إي، مثل ما تريد"، حتى وصلت إلى بيتي. طلبت منه الدخول، لكنه لم يجبني، وركض مُسرِعًا.
مرّ يومان حتى سمعتُ البابَ يُطرق. عرفت به قد أتى. جلس بجواري، ولكنه لا يتحدث، فقط ينصت لي. عرفت عنه ما لاقاه في حياته من بعض الناس. صرت أخفف عنه، وأطلب منه أن يتكلم ولا يبقى ساكتًا، ولكنه يجيب بـ "نعم" فقط.
ذات مرة، طلبت منه أن يحكي لي أسرارًا له تكون خاصة بيننا كعربون صداقة. فقال لي، ولأول مرة، جُمَلًا منتظمة. وحكى لي عن صندوقٍ يحتفظ به في غرفته فيه كل أسراره، وقال: "إذا أردت أن تعرف عني شيئًا، ستجده هناك. فيها بسيّم الذي لا تعرفونه". صابني الفضول لفتح هذا الصندوق الذي تراه أمامك أيها الشرطي، فلم أفتحه إلى الآن.
سأل الشرطي: "وكيف حصلت عليه أنت؟" فأجاب الرجل العجوز: في عصر ذلك اليوم، جاءني كعادته، ولكن كان يبدو عليه شيئًا غريبًا، فنبرة صوته لم تكن مرتجفة، وإنما سمعت ضحكاته لأول مرة، فلم أعرفه. بادرني صائحًا: "لقد تحرر بسيّم!" وهو يقفز ويصرخ بصوت عالٍ: "لقد فعلتها! حاولت أن أُمسكه رغم ضعف بصري فلم أفلح. "لقد ضربت فتىً حاول ضربي، ضربته بحجارة وهربت، ثم عدت إلى بيتي وقد استقبلتني زوجة أبي بالصراخ والعصا. فلم أدعها تضربني! رميت عصاها، وصرخت بوجهها، ثم جلبت الصندوق لك، ها هو، وهربت من البيت".
بقي يصرخ ويقفز وهو يقول: "ستجد كُلّ أسراري هنا في داخل الصندوق". ثم لم يلبث حتى سقط أرضًا. حاولت أن أوقظه فلم أستطع. اقتربت منه أكثر، وأدنيت أذني من صدره. لقد كان هادئًا لأول مرة في حياته.
أخذ الشرطي الصندوق، واقترب العجوز منه. وما أن فتحا الصندوق حتى خرج صدى "لاآت" كثيرة بقيت محبوسة في صدر بسيّم طوال حياته حين كان يعجز عن قولها لمن حوله.
جعفر عزيز لطيف
قاصّ وطبيب عراقي، من مواليد عام 1997،
يتمحور مشروعه القصصي حول ثيمات العزلة والعمق النفسي، وتصوير المعاناة الإنسانية بأسلوب رمزي مكثف.
حصل على المرتبة السادسة في مسابقة "دار السرد للقصة القصيرة" (دورة القاص خضير فليح الزيدي)، من بين نحو 146 قصة شارك بها كتّاب من مختلف أرجاء الوطن العربي. كما حصل على المركز الثاني في مسابقة القصة القصيرة التابعة لمجلة "نور الثقافية"، وعلى المركز الرابع دولياً في مسابقة القصة القصيرة ضمن فعاليات اتحاد القيصر للآداب والفنون في الأردن لعام 2026.
نُشرت له قصة "فتى الميزان" في مجلة أصداء الفكر (العدد 43).