الرئيسية / أتلقى رسائلهم من الأعلى

أتلقى رسائلهم من الأعلى

أتلقى رسائلهم من الأعلى

                                              مروان ياسين الدليمي

1
كلُّما اشتدّ البردُ
أتلمّسُ دفءَ جدتي في ضوءِ المصباح الخافت
كأنّ الكهرباءَ تُترجمُ نبضَ قلبها الذي لم يخفتْ
حين كانت تضعُ يدي في جيبها
وتقول: لا تخفْ، الليلُ أجبنُ من دمعتك.

أنا الآن
أتلقى رسائلهم من الأعلى
مكتوبةً على لسان العصافير التي تنقرُ زجاج نافذتي كل فجر
كأنّها تقول:  
"انهض،
الموتُ لا يقوى على فصل المحبة
ولا يُتقنُ تجاهل البريد الروحي."

خالي الأصغر
ذلك الذي رحلَ وفي جيبه قصيدة ناقصة
ما زال يعبثُ بحروفي حين أتلعثمُ في الحكي
أسمع ضحكته في ارتباكي
وفي فشلي الذي يشبهُ ضربة مطرٍ على وجه صيفٍ خجول.

أبي
كانَ يسيرُ في الممرّاتِ ببطء
حتى لا يُوقظ حزني
والآن يمشي في داخلي
كلما وقفتُ أمام مرآة
وأعدتُ ترتيب وجهي  
كما يُرتّبُ الوارثُ صورةً قديمة في برواز جديد.

أنا لستُ سوى صدى
أرددهُم كلما رفعتُ رأسي
كلما صافحتُ الحياة بقيمهم
بالصدق الذي يشبه ضوءًا لا يحتاجُ إلى شمس
بالكرامة التي تتدلّى كأقراط من عنقِ الأمهات.

حين أضعف
تلجأ ذاكرتي إليهم
كما تلجأُ اليد  
إلى جيب معطفٍ قديمٍ في عاصفة مفاجئة
فيأتون
على هيئة رائحة خبزٍ
أو ظلِّ نخلةٍ في ظهيرةٍ متعبة
أو طيفِ كوبٍ شاي تركوه على طاولتي ذات مساء.

كلّ ما تبقّى منهم
يتحوّلُ فيّ إلى موسيقى
لا تُعزف
بل تُتنشّق
كأنّ الذكرياتَ روائحُ نادرة
لا تُرى
لكنّها تُغيّر شكل الهواء.

2
كلّ ما هو ميت يحاول أن يوقظني.
المقعد الخشبي  
الذي تحوّل مع الوقت إلى شجرةٍ من الذكريات
يناديني بصوتِ جدتي
وهي تروي لي قصة لا تنتهي عن كرم الحياة
ثمّ تسعل
فأفهم أن النهاية ليست جزءًا من الحكاية.

حين أمشي
يرتجفُ ظلّي كأنّه خالي الأصغر
يحاول أن يسبقني بخطوة
ليتأكد أن الأرض ما زالت آمنة.
أكاد ألمسُ ضحكته في ارتباك الغيم
وفي أصابعي حين أخطئ الطريق ثم أزعم أنني أقصد التيه.

ثمة حجرٌ في الحديقة
يجلس عليه أبي
أراه كلما سكبتُ الماء حول النعناع اليابس
يقول لي دون كلام:
"الموت ليس صحراء،
بل حفنة ترابٍ تحتفظُ ببصمةِ الأيادي التي زرعتكَ."

العالم لا يعرفُ كيف أشرح له أنني أتنفسهم
أنّ صوت الراديو في الفجر
ليس مجرّد نشرة جوّ
بل نافذة تطلّ منها الجدة  
لتطمئن على ما إذا كنتُ ما زلت أؤمن بالدفء.

أنا لست وحدي
وحدتي نفسها تحمل ملامحهم
تضع يدها على كتفي
وتقودني إلى داخلي
حيث ما زالت العائلة تنام
تحت لحافٍ من الدعاء.

الغيابُ عندي ليس فراغًا
بل ازدحامٌ لا يُرى
فيه يجلسون حول مائدةِ قلبي
يناقشون ما فعلته
ويضحكون حين أقول جملةً تُشبه جملتهم
أو أنسى غلاية الشاي على النار
كما كانت تفعل جدتي.

3
في الليل
حين تنطفئ الأصوات ويعلو صرير الأرواح
أسمع خطواتهم تأتي من الداخل
من الزوايا التي لم ألمسها منذ غيابهم
تأتي بخفّة الموج ووضوح الرائحة الأولى للمطر.

كأنهم يسكنون الجدران
كأن الغبارَ فوق الرفوف
هو رماد الكلام الذي لم يقولوه بعد
كأنّ الصمت الذي يملأ البيت
ليس سوى جدتي تعدّ سبحتها بالحذر نفسه
الذي كانت تخيط به جروحي.

كلُّ حاسةٍ فيّ باتت منفذًا لهم.
عيني تراهم في ارتعاشة الستارة
أنفي يشمّ عباءاتهم القديمة
في قميصٍ نسيته على ظهر الكرسي
أذني تلتقط أصواتهم في طقطقة الخشب
حتى لساني
حين يخطئ في تسمية الأشياء
يناديهم دون أن يدري.

أغسل وجهي كل صباح
وأتساءل:
هل الماءُ الذي يلمس جلدي
مرّ أولًا على يد أبي؟
هل الغيمةُ التي غطّت الشمس
هي جدتي تعيد ترتيب الضوء
كي لا يؤذيني؟ .

هم حاضرون في الغياب
يشبهون القصائد التي لم تُكتب بعد
لكنّها تحاصر الحبر
وتجعل يدي ترتعشُ قبل السطر الأول.
هم الريح حين لا تهب
هم الظل حين لا يوجد ضوء.

تعلّمت منهم أن أصدّق ما لا يُرى
أن أؤمن بما لا يُلمس
أن أتقن فنّ التعايش مع الراحلين
كأنهم الجهة الأخرى من القلب
ينبضون حين أتذكّر
ويُضيئون حين أتعثّر.

أمس, 13:28
عودة