الرئيسية / قـــلـــــم حــــمـــــرة

قـــلـــــم حــــمـــــرة

 قلم حمرة

حدثني رجلٌ من بابلَ قال:

كنتُ كلّما أتعبني اسمي
رميتُهُ في النهرِ
وعدتُ جديدًا
...

وكانتِ البصرةُ — حتى قبلَ أن يكونَ السيابُ شاهدًا على شوارعها وراويًا عظيمًا — تستحمُّ بالقصائد
خضراءَ
كقلبِ شاعرةٍ

يقفُ أميرُها مشيرًا للعذوقِ
ويغنّي
فترقصُ الحواري
سمراواتٌ
كطينِ البساتين
ناعماتٌ
كطينِ البساتين
تفوحُ الحنّاءُ منهنّ
كطينِ البساتين

وتحتَ كلِّ نبضٍ منهنّ قصيدةٌ

لا يُحرِّفنَ مشيتهنّ إلى النهرِ
ولم تكُ (خمسة ميل) قد وجدتْ لها في المدينةِ بقعةً كي تتّسعَ منها بعدُ

ويؤكّد:
وكنتُ أزورها في الليلِ كما زيارتي في النهار
الشمسُ والقمرُ متعانقان، ليس بينهما جفوةٌ فيتخاصمان
وماءٌ حلوٌ في الخليج

كلُّ سفينةٍ تأتي بحملها
يتزوّدُ ملاّحوها بقضمةِ تفاحةٍ
وشيءٍ من عسل

النساءُ نضِراتٌ
تُدارُ أعناقُ الرجالِ كلّما مرّ ظلُّهنّ تحتَ السعفِ
لا يحتجنَ إلى زينةٍ
يكفي أن تنظرَ إليهنّ فتتشبّثْ بالحياة

غير أنّ حقائبهنّ مثمرةٌ بالجمال
.......

الرماةُ
المشاةُ
البحّارةُ
جامعو الزمردِ
وكلُّ من سوّلتْ له نفسُه النظرَ إليهنّ
يتكسّرُ عند أقدامهنّ صاغرًا

رجالُ الدنيا
يرمونَ قوانينَ أجدادهم من على ظهورهم
ويتّجهونَ لرسمِ العيونِ على بوّاباتِ الموانئ

تحتَ كلِّ شباكٍ فيها
تغفو شاهدةٌ لعاشقٍ صُلبَ حبًّا وماتَ مغنّيًا

قبلَ أن تسمعَ هديرَ القطاراتِ
يُدركُ روحَك هديلُ الضحكاتِ
ولا تثريبَ عليك أنْ تزوّدتَ ببعضِ الهمس

وحكى لي ذلك الرجلُ كلَّ ما يُجري القلمَ ويحثّه على البوح
......

هذا...
قبلَ أن تتّشحَ المدينةُ بالسوادِ حتى أخمصِ نهريها
ويمتزجُ نعيقُ الغربانِ ولونُ الدمِ فوق صباحاتنا
وتنامُ شوارعُنا باكرًا جدًا كالدجاج (المُكركِ)

خلعتِ النساءُ حُسنَهنّ
دِيفتْ أرواحُهنّ بالمرارةِ
وتيبّستِ الشفاهُ
فلن تجدَ في حقائبهنّ، حتى لو بقايا، لقلمِ حمرة

فليحة حسن

أمس, 15:15
عودة