الكرسي
محمد جبر حسن
في المخطوطات القديمة، التي نسيها الناس أو خافوا من قراءتها، وردَ أن مدينة بُنيت على لعنة، وأن هذه اللعنة اتخذت شكل كرسي.
لم يكن خشبًا ولا جلدًا، بل تكوينًا من أصواتٍ منسية ودماء سالت فوق حجارة أول معبد شهد الطقوس الأولى.
ومنذ ذلك الحين، ظل الكرسي ينتظر.
مَن جلسَ عليه سمع أصواتًا تعدهُ بالقوة والخلود، لكنها في الحقيقة تنتزع من قلبهِ آخر قطرة رحمة.
شيئًا فشيئًا يتحول الجالس إلى جزء من جسد الكرسي، يذوب في لعنته، فلا يموت بل ينغرس في ذاكرته السوداء.
أنا آخر من شهد ذلك.
رأيت أبي يُبتلع أمامي، لم يسقط ميتًا بل غاب في عينيه حتى غلّف الصمت جسده بأكمله.. بعده ابتلع الكرسي عمي، ثم ابنه، ثم آخرون.. جميعهم خرجوا مسوخًا بلا وجوه.
الكرسي لا يحتمل الفراغ، كلما خلا، نادى ضحية جديدة، لا بصوتٍ، بل بارتعاشٍ الجدران، بظلالٍ تمتد من مسنديه كأذرع، بريح باردة تشق الروح.. ولم يكن أحد يسمعه سواي، كنت أقول: الكرسي هو الحاكم، والبشر عابروه فقط، لكن لم يصدقني أحد.
كثيرًا ما لمحته في العتمة.
لم يكن ثابتًا كما يظن الجميع.
في الليالي الصامتة كنت أسمع صريرًا خافتًا، كاحتكاك خشبٍ بحجر، فألتفت لأراه يزحف ببطء.. شبرًا بعد شبر، كوحشٍ يجرّ قدميه الخفيتين.
ثم، مع الفجر، يعود إلى موضعه ساكنًا، كأن شيئًا لم يكن
عندها فهمت الحقيقة:
الكرسي أقدم من كل الحروب التي أشعلها الإنسان، هو الذي علّمهم كيف ينهشون بعضهم، وكيف يتشبثون بوهم السلطة فيما الأعداء يقرعون الأبواب.
لم يكن لعنة بيتنا وحده، بل لعنة وطن بأكمله.
في الليلة الأخيرة، حين هاجم الغرباء الأسوار، لم ينشغل أحد بالخطر، كانت العيون معلقة بالكرسي:
مَن يجلس؟ مَن يرث؟ مَن يضمن ألا يخلو المقعد؟ بينما السيوف تلمع عند الأبواب، كان الداخل يقدم قرابين جديدة
اقتربت منهُ وحدي، فرأيت على جلدهِ وجوه الذين ابتلعهم: أبي، عمي، وآخرين لا أعرفهم.. كلهم ينظرون إليّ بعين جائعة، همس الكرسي:
ـ اجلس لتصير خالداً.
اجلس، فالاختيار وقع عليك.
لكنني تراجعت.. أغلقت الغرفة بالمفتاح، وتركت الكرسي يزأر في الظلام.
وحين خرجت، كانت المدينة تحترق.
سألتني عجوز تركض مذعورة:
ـ مَن هو العدو؟
مَن ذبحنا وذبح أولادنا؟
أشرتُ نحو النافذة المعتمة حيث ينتظر الكرسي، وقلت:
ـ لم يعبر أحد الأسوار..
العدو جالس هناك في الداخل منذ قرون.